مجتمعالرئيسيغير مصنف

انتبه: صالة التحرير مراقبة بكاميرات “لا ترى التحرش الجنسي”!

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

 

وقعت الواقعة، وقبل أن تقرر مي اللجوء إلى النيابة، فكَّرت، أولًا، في حياتها التي ستنقسم إلى “قبل وبعد”.. عملها الذي – ربما – تطرد منه، سمعتها التي سينقضّ “المستأجرين” عليها، مستقبلها، وشكلها إمام الناس إذا فشلت في إثبات أن رئيس تحريرها تحرَّش بها في صالة التحرير.

 

كان يومًا عاديًا في صحيفة “اليوم السابع” واسعة الانتشار في مصر، لم يتغيَّر فيه إلا أنها خلعت “دبلة زواجها” الضيقة لتريح إصبعها، لاحظ رئيس التحرير التنفيذي، دندراوي الهواري، وسألها: “مش لابسة دبلتك ليه؟.. سمعت أن كلها أيام” ثم أمسك بذراعها كأنه يمنّي نفسه بشيء ما بعد تلك الأيام. تقوم مي الشامي، محررة قسم المنوعات، من كرسيها، وتغادر مقر الصحيفة الواقع بضاحية المهندسين، وقد مرَّ بخيالها شريط درامي لوقائع تحرَّش عابر، ومضايقات سابقة كان بطلها “دندراوي” نفسه.

 

خبايا الصحيفة.. لا مكالمات مسجلة والكاميرات لا تعمل

لم تودّ “مي” نشر الحادث – فورًا – على فيسبوك، واللجوء إلى منظمات مجتمع مدني، وتقديم بلاغ للسلطات، خاصة أن صالة تحرير اليوم السابع مراقبة بكاميرات ستكشف كل شيء. أرسلت تفاصيل ما جرى إلى رئيس مجلس الإدارة، خالد صلاح، وهو يقضي إجاته الأسبوعية في الساحل الشمالي، وطلبت منه حقها، فما كان منه إلا أن حاول، مستخدمًا بعض زمئلاتها، تهدئتها، ومنعها من التشهير بالمُتحرِّش.

استدعاها في مكتبه حين عاد من الإجازة، وكان يعتقد أنه سيحتوي الموقف ليحمي “ذراعه الأيمن”، دندراوي الهواري، من المسائلة القانونية، وأخبرها أنه راجع كاميرات صالة التحرير ولم يجد شيئًا مما روته.

 

دندراوي الهواري

 

 

وبالفعل، تم مسح تسجيلات الكاميرات التي سجَّلت الواقعة، لكن مي تؤكد أنها استطاعت الحصول على نسخة من التسجيل.

قبل أن تقرر مي ما ستفعله، انتشرت الحكاية على مواقع التواصل الاجتماعي عبر مصادر أخرى كنميمة تؤكد أنها سجَّلت مكالمات هاتفية يطلب فيها رئيس تحريرها علاقة جنسية، لكنها أكدت:

“نعم تعرضتُ لمضايقاتٍ متتاليةٍ من شخص داخل مكان العمل (صالة التحرير) لكني فضلتُ التحقيقاتِ بدلاً من الحديث لوسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي.. تعرضتُ للتحرّش باللفظ واللمس”.

وأوضحت، عبر حسابها على فيسبوك، أنها امتنعت عن “مشاركة الحادثة علنًا احترامًا للصحيفة التي تعمل بها، لكنها وبعد أن سُرّبت الأخبار عبر السوشيال ميديا، اضطرت إلى توضيح الأمر”، مؤكدةً ألَّا علاقة لها بما تَسرب.

وكتبت منشورًا تحكي فيه ما جرى: “فضّلت التحقيقات بدلا من الحديث لوسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن بعد نشْر وتسريب أحدهم للقصة وبها بعض التفاصيل المغلوطة، فضلت الحديث عن القصة بوضوح لوضع الأمور في سياقها”.

وأكدت “نعم تعرضت للتحرش باللفظ واللمس داخل صالة التحرير، ولكن أود نفي موضوع المكالمات أو علاقتي بتسريب الأمر لأي جهة. أود توضيح بعض الأمور عن الأزمة في مقدمتها التزامي بمجرى التحقيقات. أنا في انتظار التحقيقات الإدارية، وقد أحتاج لتدخلٍ من نقابة الصحفيين”.

 

 

ثم حسمت قرارها بتقديم بلاغ في قسم شرطة الدقي، أحيل إلى النيابة العامة، استنادًا إلى “مسح تسجيلاتِ الكاميرات التي صوّرتِ الواقعةَ، علماً أنها قد استطاعت الحصول على تسجيل الكاميرا، وإيقاف (الهواري) عن العمل ثلاثة أيام لحين انتهاء التحقيقات”.

 

كيف ردّ المتحرش؟

حين انتقلت المعركة إلى ساحات فيسبوك، وجد دندراوي الهواري نفسه مضطرًا للردّ كي ينافس رواية مي الشامي لما جرى برواية أخرى تخصُّه: “تابعت بكل أسف ما أثير ضدي من حملة منظمة طوال اليومين الماضيين، نالت مني ومن سمعتي وشرفي، وللأسف قادها خصومي السياسيين وإحدى زميلاتي الصحفيات”.

وأشار – بغرض نفي الواقعة – إلى أنه أنه “يعمل في صالة تحرير مفتوحة ولا يوجد فيها مكان مغلق، وتضم مئات الصحفيين ومراقبة بالكاميرات”.

 

 

وتابع رئيس التحرير التنفيذي لـ”اليوم السابع”: “تقدمت بمذكرة لرئيس مجلس إدارة اليوم السابع أطلب فيها إجراء تحقيق إداري، وسأتقدم بطلب رسمي لحضور ممثل من نقابة الصحفيين للإشراف على سير التحقيقات وسأتخذ كافة الإجراءات القانونية لمقاضاة كل من نشر للنيل من سمعتي بالباطل”.

واعتبر، للمرة الثانية ما يجري، حملة منظمة ضده “لعب فيها كل خصومي السياسيين الدور الأبرز، دون الاستماع لأقوالي في الواقعة أو انتظار نتائج التحقيقات الرسمية”.

 

صراع سياسي على جثة مي الشامي!

من هم الخصوم السياسيون للمتحرش؟

يقول أحمد موسى، المذيع المصري، المحسوب على دوائر السلطة، إنهم “الإخوان”.

وفي محاولة لإحالة قضية التحرش إلى صراع سياسي، يوضح: “تعرض لهجوم منظم من أعضاء جماعة الإخوان، وبعده 6 أبريل، وانتشر الموضوع”.

 

 

والهواري يحمل موقفًا حادًا يصل إلى الخصومة من الإخوان و6 أبريل، ويرى “موسى” أنه – بالنسبة لهم – “عدو يصنعون حملة ضده”.

وكان الهواري كتب عدَّة مقالات تشنَّع على جماعة الإخوان بوجود “جهاد نكاح في اعتصام رابعة العدوية” كما أنه اشتهر بالنيل من خصومه السياسيين باتهامهم بفضائح جنسية.

 

 

واجه “موسى” سخرية وهجومًا حادًا حتى أكدت الشامي أنها بصدد اتخاذ إجراء قانوني ضد الإعلامي أحمد موسى الذي قالت إنه أساء إليها في حلقة أمس من برنامجه “على مسؤوليتي” والذي اعتبرته تعديا قانونيا على اختصاص النيابة العامة، وتدخلا في سير التحقيقات التي لا تزال جارية.

وكي تبعد الصحفية المتضرِّرة الأمر من دوائر “الاشتباك السياسي”، نوَّهت إلى أن “قضيتى لا يوجد بها اى ابعاد سياسية على الإطلاق .. والاحظ محاولات استغلال سياسية من اطراف عدة ، وهو ما اري انه يضر اشد الضرر بالقضية ، وارفضه تمام .. قضيتى قضية جنائية تتعلق بجريمة تحرش جنسى يجرى التعامل معها وفق نصوص القانون 306، و306 من قانون العقوبات.

 

 

 

تاريخ من الابتزاز والفضائح

تدور بالوسط الصحفي المصري على خلفية الأزمة معلومات، طبقًا لرواية صحفيين سابقين وحاليين باليوم السابع، رفضوا نشر أسماءهم حفاظًا على الأمن والسرية، تفيد بأنّ “فضيحة الهواري هذه ليست الأولى، وهناك واقعة تم كشفها بعد اختراق أحد العاملين باليوم السابع لإيميله الشخصي، وقام بنشر رسائله الغرامية والتي تحض على الرذيلة وتحتوى ألفاظا جنسية ولغة تهديد مع صحفيات كن يعملن تحت إدارته حين كان يترأس قسم الأخبار عام 2012”.

وطالت مضايقات الهواري “إحدى مذيعات تلفزيون اليوم السابع، التي تم نقلها رغما عنها لإدارته ورفضت ضغوطه المتواصلة ثم نقلت الواقعة لرئيس التحرير خالد صلاح، الذي عاقبها بالفصل من العمل دون توجيه أي لوم للهواري أو التحقيق معه”، موضحا أنه خلال السنوات الأخيرة كان دندراوي يختار من المتدربات باليوم السابع أجملهن ليبدأ بمطاردتهنّ”.

 

حكايات التحرش الجنسي في الصحف

لا تعد تلك الواقعة هي واقعة التحرش الأولى بالصحفيات في مصر؛ فقد أعدَّت “الشبكة العربية لدعم الإعلام” دراسة حملت عنوان “رؤية الصحفيات المصريات لأنفسهن من واقع ممارستهن المهنية”، كشفت أن أكثر من 35% من صحفيات مصر يواجهن التحرش خلال العمل، واحتل التحرش اللفظي نسبة أكبر من التحرش الجسدي حتى أن قبولها للتحرش بات يتحكم في قرار النشر الذي يملكه المسؤول عن التحرير.

ولم تكن “مي” أول صحفية تتخذ موقفًا ضد تحرش رئيس تحريرها، سبقتها الصحفية منى يسري، التي دارت قصتها داخل إحدى المؤسسات الصحفية الحكومية الكبرى، وقدمت بلاغًا للنائب العام ونشرت تفاصيل الواقعة على فيسبوك.

ذكرت أنها ذهبت إلى رئيس تحرير الصحيفة الكبرى بعد أن عرض عليها العمل وأن تأتي له بأفكارها الصحفية لتقدمها إليه، لكنها فوجئت بمعاملة غريبة، ومبادرة بالأحضان منه رغم أنه يراها للمرة الأولى.

قالت منى إن “مبادرته بالحضن والقبلات حملت طابعا جنسيا، ما اضطرها إلى أن تدفعه، وأحست بفزع شديد، لكنه حاول تهدئتها، ووعدها بالتعيين بمرتب مجزٍ، وعندما همت بالخروج كرر ما فعله في بداية المقابلة، وحاولت أن تصرخ، لكنه كتم صراخها”.

وتحكي سهر سيد، وهو اسم مستعار لعدم الإضرار بالمصدر، قصتها مع التحرش الجنسي، لتكشف كيف يؤثر التحرش في قرار المسؤول عن النشر. تقول إن مدير تحريرها لمّح لها أكثر من مرة بإيحاءات غير مريحة، وأفصح لها برغبته في أن تتعامل معه بطريقة أكثر انفتاحًا باعتباره مديرها في العمل، وهو ما دفعها إلى الشكوى لرئيس التحرير، الذي وبَّخه، وانتهى الأمر.

لكنها فوجئت بعد ذلك برفض كل ما تقدّمه من أفكار وموضوعات، عقابًا لها على الشكوى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق