الرئيسيثقافة

الفنان المصري هشام العبد الله: شباب الثورة أيقظني من غفوتي وبرنامجي صوت للمقهورين

حوارات ميم

 

فيما اختار جل فناني مصر أن يكونوا إما تابعين للنظام ومصفقين له، أو في أفضل الأحوال صامتين على تجاوزاته وانتهاكاته،  خيرت قلة أخرى أن ترفع أصواتها لتفضح المظالم وتنتصر للمظلومين وتتمسك بالقيم والمبادئ التي بشرت بها ثورة يناير، وتجرأت أن تحلم بمصر أفضل:  أكثر تحررا وعدلا وأمنا، وطن يحنو على أبنائه ويظلل عليهم، بدل قهرهم والتنكيل بهم وبث اليأس في نفوسهم..

 

من بين هذه الفئة القليلة يشع اسم الفنان المصري هشام العبد الله الذي عرفناه بشخصيته الهادئة في الأدوار التي تقمصها في أعماله الدرامية، وتحول بعد الإنقلاب العسكري الى اعلامي ثائر على النظام،يسخر برنامجه الشهير “ابن البلد” متنفسا لشعبه ينقل همومه ويكشف الحقائق التي يستميت النظام المصري لطمسها وتوريتها وتزويرها…

 

حول مشاركته في ثورة 25 يناير وانتقاله للعمل بقناتي “الوطن” و”الشرق” وموقفه من عديد القضايا الساخنة كان لنا هذا الحوار الشيق مع الفنان الثائر هشام العبد الله.

الفنان هشام العبد الله من ممثل هادئ الى اعلامي ثائر لو تحدثنا عن هذا التغيير؟

فعلا كنت ممثلا هادئا والابتسامة لا تفارق وجهي حتى وأنا في أحلك الظروف، لكني كنت مغيب الوعي، وكنت أصدق ما حولي، وفيما كانت زوجتي ناشطة سياسية وكانت مهتمة بالقضية الفلسطينية كنت أنا أنفر السياسة وأتابع كرة القدم.

 

 

الى غاية انطلاق الحملات على الفايسبوك والتحضير لثورة 25 يناير، في ذلك اليوم نزلت والتقيت شبابا أحسست أنهم يعبرون عما بداخلي، وجعلوني أستفيق على أشياء لم أكن أعيها من قبل فاعجبت بهم خاصة بعد انقاذهم لزوجتي وأولادي، فقررت الخروج معهم يوم ثورة الغضب وكان أول هتاف من أمام السفارة التونسية في الزمالك يرددون “يلا يا محمد يلا يا بوليس بكره مصر تحصل تونس”.

يومها شهدت بعيني ضربا بلا رحمة مقابل شجاعة الشباب، ورأيت تعبيرا عن القهر، أستحضر أني سألت أحدهم لماذا خرجت قال “حين رأيت الشرطة قلت هذا يومك يا محمد”.

وعلى كبري قصر النيل كان المشهد الشهير للناس وهم يصلون والشرطة تضربهم بخراطيم الماء، كنت من بين أولئك الناس وكانت زوجتي بجانبي وبعد أن بدأ الضرب فقدتها وفوجئت بالعسكر يضربون البنات… لم أشعر بقهر ولا بمهانة قدر ما شعرت بها وأنا تحت الضرب فقلت لهم “ألستم مصريين مثلنا” فأجابني أحدهم والدموع في عينيه “نحن مصريون لكن هذه أوامر”، ثم قام أمين الشرطة بدفعي أمام الدبابات وهناك أحسست بقهر الرجال.. بقيت من الساعة الرابعة مساء الى الساعة التاسعة أبحث عن زوجتي الى أن وجدتها بميدان التحرير، فجلبت أولادي ونصبت خيمة وقلت لها “نموت هنا بكرامة أحسن ما نعيش برا بلا كرامة”، وفعلا بقينا هناك 18 يوما وكانت ابنتي التي لم تتجاوز الخمس سنوات أصغر طفلة تهتف “يسقط يسقط حسني مبارك”.

 

 

من ميدان التحرير تخرجت على يد شباب مصر الذي مسح عن عيني الغشاوة وأيقظني من غفوتي، واكتشفت ان تاريخي مزيف وان القامات التي عرفتها من مختلف المجالات كاذبة منافقة أمام الشباب الشجاع الذي يموت أمام عيني.. أصبحت أتحدث عنهم في المسرحيات، وحين حاولوا كتم صوتي ولم أستسلم لهم، حاربوني ووصل بهم الحد الى بعث رسائل تهديد لزوجتي..

 

هشام العبد الله كان معارضا للجميع بداية من مبارك الى مرسي وصولا الى السيسي فكيف تعارض الاخوان لتعمل معهم فيما بعد؟

فعلا عارضت الجميع، فالفنان هو حزب لكل فئات الشعب، مصر ليست حسني ولا السيسي ولا مرسي، مصر شعب وناس، وحين يظلم الراعي رعيته أقف ضده وأقول له أنت ظالم وهو ما حصل حين تعاطفت مع رابعة ولم أرض بالظلم الذي تعرض له المعتصمون، هم مصرييون ليسوا إرهابيين كما يتم تصويرهم.. قررت أن أكون معهم وقلتها في قناتهم أنا على خلاف سياسي معهم ولكنني لا أرضى بظلمهم لأنهم مصريون، وأي كلمة قلتها قلتها كفنان لحزب فئات الشعب. انتقد أي راعي لأن الشعب هو الوطن، لذا عملت معهم لمدة سنة وبقيت على مواقفي.

صحيح أن الاخوان أضاعوا الثورة، لكن جميعنا أخطأنا وجميعنا ضُحك علينا، والتحاقي بقناتهم كان لكي أصرخ من برنامج “ابن البلد”، الذي كان صوت كل ابن بلد وكل الشعوب، وهناك وعاهدت نفسي على توعية الناس وقول الحق وإظهار الحقيقة.

واليوم أقول أنا نادم على الفترة الطويلة التي كنت فيها مغيب الوعي.

 

تم ايقافك مؤخرا من قبل السلطات التركية ليحتفي الاعلام المصري قائلا بأنك كنت ستفضح الاخوان وصاحب القناة ما حقيقة ذلك؟

لم يحدث ذلك، والموقع الذي نشر الخبر هو موقع مخابرات، ففي عملي لا أحد يملي علي شيئا وفي نفس الوقت القيم التي نشأت عليها والمبادئ التي تربيت عليها لن أحيد عنها، وهي تلزمني بأن أكون دائما مع الحق حتى لو كان الذي أطالب بحقه ظلمني يوما ما أو كان لي موقف منه، لكن اذا ظُلم فسأدافع عنه، وبالتالي لا يمكن أن نكون أصحاب قضية واحدة وأصحاب ميدان، وأقوم بعدها بالتشهير بمن رافقني والتعريض به.

ورغم ذلك ففي برنامجي أنتقد كل الفصائل وأقول للمخطئ أخطأت لأن شعب مصر لا يُختصر في أحد وأي شعب، وهم أولاد البلد لكن النظام يحاول أن يخلق من بين أبناء هذا الشعب “بعبعا” وهو ما فعله مع الاخوان حين صورهم كإرهابيين في إطار مساعيه لتصفيتهم..

 

وماذا عن حادثة ايقافك؟

تقوم السلطات في تركيا بشكل دوري بفحص الاقامات، وبما انه ليس لدي جواز سفر وأعيش بإقامة إنسانية، يتم التحقق في هويتك، وهذه المرة قاموا باصطحابي معهم لكن بكل احترام وعاملوني معاملة طيبة جدا حتى أنهم سمحوا لي بأخذ هاتفي، ليتبين فيما بعد أنني موضوع على قائمة 87 إرهاب داعش، فتم احتجازي فقط من أجل الاجراءات لكن تحت اسم استضافة وكانت فعلا استضافة في منتهى الأدب، حيث كان أبنائي وأصدقائي يزورونني وحين تم الانتهاء من كل تلك الإجراءات تم الافراج عني في رابع يوم.

أما الجهة التي كانت وراء هذه الحادثة فهي النظام المصري بالتعاون مع النظام الاماراتي الذي دفع أموالا للانتربول لكن الحمد لله ربي نصرني عليهم بفضل تدخل الحكومة التركية.

 

لو نتحدث عن القضايا التي طرحتها ببرنامجك وآخرها قضية محمود نظمي المتهم بقتل أولاده وقلت أن تجار الآثار هم القتلة؟

خلال برنامجي أفتح باب النقاش وأقوم بتشريك الجمهور ولا أجزم لكن أعتمد على منطق العقل لتوعية الناس بعدم تصديق كل ما يروج وهو ما تم فعلا، فأهل سلسيل هم من قاموا بالحلقات الخاصة بهذه القضية بعد أن قاموا بدور ظباط المباحث والنيابة للتحقيق والبحث عن الأدلة.

هذه قضية كبيرة جدا مرتبطة بأسماء كبيرة، ولها علاقة برجل الرحاب الغني الذي قيل إنه قتل ابناءه وزوجته ثم أطلق على نفسه ثلاث طلقات وهو ما لا يمكن أن يقبله الدماغ.

القصتان مرتبطتان بنفس العصابة وهي عصابة تهريب الآثار، والمخابرات.

 

 

بعد الثورة انقسم الفنانون في مصر بين معارض وتابع للنظام وأصبحت هناك حرب على غرار الحرب التي فتحها ضدك محمد صبحي حين قال إنه طردك من فرقته بسبب الخمور؟

أولا أنا رياضي وخريج تربية رياضية، والحقيقة هي أن محمد صبحي كاذب ومتسلق إدعى أنني مدمن على الخمور فقط من أجل تشويهي بحثا عن شيء قد يرضي به النظام بعد أن فقد هيبته ولم تعد له أي صفة فنية. لكنه عرّى نفسه، حيث جاء الرد مني قاسيا بعد أن كشفت عن مساوئه بحقائق.

وأنا فنان شهدت على قلاع تهاوت، وأولها محمد صبحي الذي تعاملت معه وكان مكشوفا أمامنا في وقت كان الكثير يعشقونه،.. لكن كنت أقول “من أنا لأتكلم عنه؟”، حتى جاءت ثورة 25 يناير وعرّت هؤلاء الفنانين، الذين فيهم من اختار التطبيل للنظام فقط ليظل نجما، وفيهم الفنان الساكت عن الحق وفيهم الكاذب، أما الفنانون الحقيقيون فيعبر عنهم الفنان التونسي لطفي بوشناق إذ يقول “خوذوا المناصب وأتركولي الوطن”.

 

 

موقفك من تركي آل الشيخ الذي دخل الى مصر بماله ليتحكم في الرياضة؟

منذ زمن بعيد ومصر رائدة في الفن والرياضة وعديد المجالات، وتاريخ النادي الأهلي أكبر من تاريخ السعودية، لذلك طالما كان مطمعا لشيوخ وأمراء وملوك، الى أن حكم مصر جاسوس صهيوني رخيص وضع رأسه بين نعالهم، وجعل بن سلمان الحاقد على مصر وعلى ريادتها يحاول التحكم فيها، فحاولوا هدم أقوى فصيل في مصر وهو النادي الأهلي عن طريق تركي آل شيخ لكنه وجد جمهورا لا تغريه لا فلوس ولا سلطة فاشترى فريقا آخر واتفق مع مرتضى منصور لتدمير الأهلي في سعي لتدمير آخر قلاع الانتماء، لكنها كانت خطة فاشلة فلا يجب أن ننسى أن جمهور الأهلي كان من فصائل الثورة.

 

محمد صلاح لاعب شرف العرب آخر اثبات انه مرشح لجائزة أفضل لاعب في العالم وفي المقابل يواجه استغلالا سياسيا ومحاولات لتدميره من بلده ما تعليقك؟

العسكر لا يقبل أن يعلي عليه أحد، فقديما حين زار جمال عبد الناصر المغرب جاءه أحدهم وقال له سلملي على إسماعيل ياسين ومن هناك دُمّر إسماعيل ياسين، وكذلك عمر الشريف وغيرهم…

أما محمد صلاح فاستغلوه سياسيا وأهانوه وحاولوا تدميره نفسيا، لأنه كان معتزا بالإسلام وقدم نموذجا للشاب المفعم بالاصرار لكن الحمد لله جاءته حماية دولية.

وعموما أي أحد نجح في مصر، تأكد أنه نجح في الخارج والأمثلة عديدة.

 

ما الذي بقى في ذكرى هشام العبد الله بعد أن أمتعتنا بأدوار في فيلم الطريق الى ايلات، والسيرة الهلالية وليالي الحلمية؟

قمت مؤخرا بسيت كوم على قناة مكملين اسمه “نقرة ودحديرة”، أما بدايتي فقد كانت مع ليالي الحلمية التي تربيت على مدرستها، ثم اكتشفني المرحوم فريد شوقي الذي تبناني وقمنا بمسلسل “البخيل وأنا”، وكانت أجمل تجارب لي لأنها كانت صادقة.

 

 

 

 

لكن بعدها أصبحت أمثل ولا أصدق كنت أحس أنني كاذب، فعلى سبيل المثال في فيلم الطريق الى ايلات على قدر ما مثلنا أدوار أبطال حقيقيين بقدر ما ضُحك علينا واكتشفنا ان ذلك الفيلم مجرد عمالة صهيونية من أجل ايهام الناس انها طريق الى ميناء ايلات الإسرائيلي وليس إلى “أم الرشراش” المصرية معتبرا تلك الأرض إسرائيلية.

 

 

 

 

وحين قدمت البرنامج كنت أكثر مصداقية ووعيا عكس التمثيل أين كنت أقوم بما يفرضه علي المؤلف.

وأعتقد أنني قدمت شيئا جديدا من خلال ربط الدراما بالتقديم، مثلا في حلقات محمود نظمي تقمصت دور وكيل النيابة ودور المحقق لطرح تساؤلات، أحيانا أنفعل وأحيانا أبكي، أتصرف على طبيعتي وباحساسي، البرنامج جعلني أعي هموم الناس وان شاء الله يقدرني على قضاء حوائجهم.

في الختام ما رسالتك؟

رسالتي الى شعب مصر والى كل الشعوب العربية:  لماذا نُستعبد؟ ولماذا نفرط في حقوقنا وفي قضيتنا الأولى فلسطين؟ الأوطان ليست حكاما… الأوطان شعوب وهو ما أكدته الثورات العربية.

ورسالتي الى شباب العرب: أنتم الأمل، وإلى شباب مصر: أنتم رأس الحربة، “أمتكم تناديكم فلبوا النداء”.

الوسوم

مروى وشير

صحفية متخصصة في الإعلام الرياضي والفن

مقالات ذات صلة

اترك رد