دين وحياةغير مصنف

ابن الهيثم، عالم البصريّات الرائد‎

سلسلة الحضارة الإسلامية والعلوم

 

 

في مدينة البصرة عاش أحد أهمّ العلماء في التاريخ الوسيط، الحسن بن الهيثم، واسمه الكامل أبو علي محمّد بن الحسن بن الهيثم العالم الموسوعي والمهندس البارع في التخطيط والتصميم، وأحد جهابذة الرياضيّات والفيزياء في عصره.

انشغل منذ سنٍّ مبكّرة جدًّا بالقراءة والبحث، وفي عصر ازدهرت فيه الترجمة إلى العربيّة ازدهارًا سريعًا وشاملًا، وكان بن الهيثم أحد علامات هذا العصر الذهبي للترجمة.

 

في بداية حياته، نشأ بن الهيثم متنقّلًا في العراق بين البصرة وبغداد، في فترة كانت المكتبات مزدحمة بالأعمال المترجمة عن اليونانيّة والسريانيّة والفارسيّة في شتّى مجالات معارف العالم القديم، معارف الحضارة اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة، إضافة إلى كتب علماء الحضارة العربيّة الإسلاميّة الّتي قدّموا فيها مراجعات وإضافات للتراث العلمي الّذي تركته الحضارات القديمة.

 

في هذا المناخ المشجّع على التعلّم، نشأ بن الهيثم، فأتقن لغات كثيرة وترجم منها أعمالًا كثيرة في فترة شبابه الّتي تميّزت بالانكباب على الكتب قراءةً وتلخيصًا وشرحًا.

 

فاطّلع على كتب أرسطو في الفلسفة والمنطق وشرحها، ولخّص كتب جالينوس في الطبّ وأضاف عليها، وعكف على مخطوطات أبولينوس و”أصول” إقليدس ومقالات أرخميدس، وما ألّفه بطليموس في علم الفلك، ليتمكّن من فكّ كلّ أسرارها وقوانينها.

 

بعد أن ذاعت شهرته في البصرة، أصبح العلماء من بغداد يأتونه للاستفتاء في بعض المسائل العلميّة والفكريّة، وتجاوزت شهرته العراق إلى الشام ومصر، فاستدعاه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر اللّه عندما سمع أنّه يقول: “لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملًا يحصل به النفع في كلّ حالة من حالاته من زيادة أو نقصٍ”.

 

كان الحاكم بأمر اللّه مولَعًا بالعلماء ومحبًّا للحكمة، والثابت في التاريخ أنّه استعان بكوكبة كبيرة منهم، على رأسهم بن يونس، واشتهر بحرصه على الانتفاع من أفكارهم النظريّة لتحقيق التقدّم والازدهار في المملكة الفاطميّة، وقد جعل من القاهرة مركزًا ثقافيًّا وعلميًّا مركزًا موازيًا للعاصمة العبّاسيّة في بغداد. وما إن تناهت إلى سمعه جملة بن الهيثم حتّى استقطبه إليه، فأكرمه وأمر بإعطائه كلّ ما يحتاجه لتحقيق وعده بشأن إنجاز مشروعه المتعلّق بالنيل، ولم يدّخر جهدًا ولا مالًا في تجهيز رحلة بن الهيثم الاستكشافيّة إلى جنوب مصر لمعاينة النهر ومجراه لوضع مخطّط للمشروع.

 

 

القُمْرة أو الغرفة المظلمة نموذج

 

 

وتتمثّل فكرة بن الهيثم حينها في إقامة حاجز صناعيٍّ على مجرى النهر يسمح بتخزين كمّيات من المياه وإعادة استغلالها، وهو ما يشبه السدّ العالي الآن، مع بعض الفوارق. لكنّ بن الهيثم استنتج أثناء رحلته استحالة إنجاز فكرته بالإمكانيّات الّتي كانت تحت يده حينها. وعندما عاد إلى القاهرة، قدّم اعتذاره للحاكم بأمر اللّه وهو متخوّف من ردّة فعله. ولئن قبِل الخليفة الفاطمي اعتذاره ظاهريًّا، إلّا أنّه قام بمعاقبته بإعطائه مسؤوليّة ديوان الرواتب، فقبل بن الهيثم العرض على مضضٍ وجلًا من غضب الحاكم بأمر اللّه، فهو وإنْ كان خليفة قويًّا محبًّا للعلم والمعرفة، فإنّه كان مشتهرًا بمزاجيّته الحادّة، وتنوبه حالة من الهوس الاكتئابي، لا يتوانى في لحظات غضبه عن قتل كلّ مخالف أو معارضٍ.

 

 

تشريح العين

 

 

مكث بن الهيثم في ديوان الرواتب وقتًا حتّى أصابه الملل والإحساس بالضياع، ضياع الأيّام دون أن يحقّق حلمه في الإبداع والاكتشاف والتأليف، وهو ما اضطرّه إلى اتّباع الحيلة كي ينجو من مأزق الوظيفة المقيتة: ادّعى الجنون. فأمر الحاكم أن يُحبَس في منزله كما هو الحال مع من يُصَاب بخلل عقليٍّ في ذلك العصر، ولكنّه بقِي مرتابًا في حقيقة جنون بن الهيثم، فكلّف رجلًا برعايته وآخر بمراقبته. وقد قام هذا الأخير بصنع ثقب صغير في الجدار لتسهل مهمّته في التجسّس على العالم القدير، مدّعي الجنون.

 

ومن هذا الثقب الصغير، كان يتسلّل شعاع يتيم من الضوء إلى الحجرة المظلمة، أوحى لابن الهيثم نظريّة علميّة عظيمة عن الضوء. فمن خلال تأمّله في شعاع النور، لاحظ أنّ “الضوء هو عبارة عن مجموعة من الأشعّة المادّية اللطيفة، لها أطوال وعروض”. وهذا التعبير مهمّ جدًّا لأنّه نفس التعبير الّذي قال به نيوتن عن طبيعة الضوء بعد قرون عديدة.

 

ولو أخذنا في الحسبان الفارق الزمنيّ، نجد أنّ العالميْن بن الهيثم وإسحاق نيوتن قد اتّفقَا بوصف الضوء بالجُسيْمات الدقيقة الّتي تنتشر في خطوط مستقيمة حتّى إذا سقطت على جسمٍ، فإنّها إمّا تنعكس أو ترتدّ حاملة صورة الجسم على حدّ تعبير نيوتن. وتتناهى الدقّة والبراعة في توصيف بن الهيثم للضوء: “إنّها حبال النور الّتي تسقط من الأجسام المضيئة بذاتها كالشمس، أو المضيئة عرضيًّا كالشمعة والسراج، أو انعكست مثل ضوء القمر حاملة صورة هذه الأجسام”.

 

ومن خلال استنتاجه الخطير: “سفر الضوء في خطوط مستقيمة”، اخترع بن الهيثم نموذجًا أوّليًّا لما أُطلِق عليه فيما بعد “الحجرة المظلمة”، وتكمن هذه التجربة في أنّها أسقطت في الماء نظريّة بطليموس حول الإبصار الّتي آمنت بها الإنسانيّة لقرون طويلة. وكان بطليموس يقول بأنّ أشعّة الضوء تنبعث من مقلة عين الرائي، وساند أرسطو وغيره من كبار علماء العصور القديمة هذه النظريّة، لأنّ منهجهم كان تأمّليًّا بحتًا، ولكنّ بن الهيثم رسّخ مفهوم التجربة العلميّة وضرب نظريّة الإبصار القديمة. وقد اكتشف أنّ الأشعّة تسقط إلى العين وتمرّ إلى عدسة العين عبر هذا الثقب الضيّق، ثمّ تتكوّن صورة على الشبكيّة، يترجمها العصب إلى المخّ.

 

 

تشريح العين عند ابن الهيثم

 

 

كما لا يخفى أنّ بن الهيثم استنتج الطاقة الكامنة في الضوء، وهو ما أشار إليه في بحوثه، ومن ذلك قوله: “إذا ما سقطت هذه الأشعّة على جسم مّا، أسخنته، وإذا تجمّعت بواسطة مرآة مقعَّرة في بؤرة عندها جسم قابل للاحتراق، أحرقته”.

 

ظلّ بن الهيثم في فترة عزلته وادّعائه للجنون، يكتب ويمارس البحث والتأليف بدليل أنّ أحد كتبه المهمّة ظهر إلى النور في 411 هجري، وهي السنة الّتي تُوُفِّي فيها الحاكم بأمر اللّه. وبعد موته، أعلن بن الهيثم عن صحّة عقله وعاد لممارسة أبحاثه وتأليفه بطريقة علنيّة.

 

 

تشريح العين لابن الهيثم من كتابه المناظر

 

 

ترك ابن الهيثم تراثًا علميًّا هائلًا ثار فيه على النظريّات العلميّة اليونانيّة القديمة، فقد رفض النظريّة البطلميّة (نسبة إلى بطليموس) حول الكون، والّتي قال فيها إنّ كلّ الأجرام السماويّة بما فيها الشمس تدور في مدارات دائريّة حول الأرض الّتي هي مركز العالم، وهذا النموذج البطلمي واجهه بن الهيثم بـ 16 نقدًا، غير متوجّس من التهم المجحفة بالهرطقة الفكريّة.

ولقد كان له السبق في تأسيس المنهج العلمي المرتكز على الاستقراء والاستنباط والملاحظة، منهج يؤمن بالتجربة كأساسٍ للاستنتاج العلمي.

 

 

مخطوطة قديمة توضح كيفية الإبصار وفقا لنظرية ابن الهيثم التي تتوافق مع العلم الحديث

 

 

إنّه ابن الهيثم، أحد من ساهم في دفع عربة العلم إلى مسارها الحالي، وذلك من خلال بناء العلماء الغربيّين اللاحقين لنظريّاتهم في علم البصريّات على عصارة أبحاثه واستنتاجاته.

 

إنّه الحسن بن الهيثم الّذي ظلّ متمسّكًا بالبحث عن الحقيقة طيلة حياته، وهو القائل: “لمْ أزَلْ منذ عهد الصّبا مرتابًا في اعتقادات الناس المختلفة، موقِنًا بأنّ الحقّ واحد، وأنّ الاختلاف فيه إنّما من جهة السلوك إليه، فانقطعتُ إلى طلب معدن الحقّ وبعثتُ عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرَّب إلى اللّه جلّ ثناؤه”.

الوسوم

اترك رد