مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

تعرف على أول امرأة تحرر عقد زواج بالقيروان

عندما تكسر المرأة حاجز الأعراف وتفرض أدوارا جديدة

 

 ناجح الزغدودي/ القيروان

 

مع رسمها الأحرف الاولى لعقد زواج عروسين تونسيين بسجل الحالة المدنية لبلدية بوحجلة من محافظة القيروان، يدوّن نفس السجل اسم المرأة الشابة نادرة الرمضاني كأول امرأة تحرر عقد الزواج منذ احداث البلدية سنة 1957 بدايات استقلال تونس.

 

فقد كُـلفت كنائبة رئيس بلدية يوم الجمعة 31 اوت/اغسطس 2018 بتحرير عقد زواج عروسين بمقر البلدية نيابة عن رئيس البلدية وبتفويض منه حسب ما يقتضيه القانون.

 

لان الحدث فريد من نوعه، على مستوى محلي ووطني، فقد شد اهتمام الرأي العام وأثار آراء مختلفة بين مرحب ومشجع من جانب وبين من قدم احكاما شرعية وانتقد تحرير المارة لعقد الزواج الى حد اعتباره باطلا في جانب مقابل. بينما تؤكد نادرة انها لا تهتم بهته الانتقادات التي تعودت بها في مجتمع ذكوري غلبت عليه العادات.

 

مع نقل تجربة نادرة كامرأة تقتحم عملا كان حكرا على الرجال في تونس، وما  رافقه من طعن وانتقاد في ما أنجزته كان لابد من الرجوع الى المنظور الشرعي والاستئناس بموقف الامام الاول بجامع عقبة بن نافع الشيخ الطيب الغزي الى جانب معطيات شافية عن الصداق القيرواني وتفسيره وزواج التونسية من الاجنبي.

 

اشتهرت القيروان قديما بما يعرف بالصداق القيرواني المنسوب الى أروى القيروانية في القرن الثاني للهجرة عندما اشترطت على الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور الا يتزوج عليها وان تطلق نفسها في صورة مخالفة العقد. وأصبح من عادات زواج اهل القيروان وتونس ومرجعا في منع تعدد الزوجات.

 

 

لم تشتهر القيروان ولا تونس عموما او المجتمعات العربية والإسلامية بتحرير النساء لعقود الزواج وبقيت من المهن والأدوار التي يحتكرها الرجال خصوصا وان معظم عقود الزواج تبرم في المساجد. كما انها ليست دارجة كثيرا في المجتمعات غير المسلمة.

 

نادرة الرمضاني (30 سنة) هي نائبة رئيس بلدية بوحجلة فوض لها رئيس البلدية صفة ضابط حالة مدنية لإبرام عقد الزواج بمقر البلدية. وهي ابنة بوحجلة التي تسمى ارض فرسان جلاص، ذات الطابع الريفي بنسبة 80 بالمائة وتشتهر بالفروسية وبالالتزام بعديد العادات الاجتماعية التي تعطي الرجل مجالا اوسع في اتخاذ القرار. فكان تحرير نادرة لعقد الزواج بمثابة “صدمة” او رجة اجتماعية.

 

بدت المرأة الشابة هادئة واثقة من نفسها وهي تجلس بشكل عادي تؤدي عملها في تحرير عقد الزواج بمقر البلدية دون القيام بأي تغيير في شكل لباسها او أية اضافات على هندامها وتسريحة شعرها لما تقوم به من عمل يومي صلب البلدية.

 

 

“يشرفني أن أكون أول امرأة في بلدية بوحجلة التي أنشأت سنة 1957 تحرر عقد الزواج بتكليف من رئيس البلدية وأنا فخورة بمشاركتي الفعلية كعضوة بالمجلس البلدي وكنائبة اولى بالمجلس البلدي”. تقول نادرة الرمضاني، مضيفة: “كان ذلك ايمانا مني ومن رئيس البلدية (رجل) ان المجتمع يقاس بدرجة التطور الثقافي والاجتماعي للمرأة” وتقديم الدليل ان المرأة افتكت المناصب الاساسية بالمجلس البلدي وقالت “لابد ان يتم التعامل مع المرأة ككائن كامل وفاعل له كامل الحقوق الانسانية والإيمان بدورها بالمشاركة في تطوير المجتمع، وتتحمل المرأة الوزر الاكبر فعليا في عديد المجالات”.

 

تغلب بجهة القيروان سيطرة الرجال على مختلف المهن والمجالات الاقتصادية والثقافية. ومنذ سنوات بدأت رقعة مشاركة النساء في الحياة العامة تتسع بفضل نضالات منظمات نسائية ووجود حركة نسوية تسعى الى تدعيم مشاركة المرأة في اتخاذ القرار ما مكن من كسب مساحات واسعة لنشاط المرأة واكتساحها لمجالات اقتصادية وتربوية ناهيك عن تمكنها من المشاركة الفاعلة في المحطات الانتخابية منها الانتخابات البلدية التي ضمنت حضور المرأة بفضل قانون التناصف الافقي والعمودي.

 

 

وفي هذا الصدد تقول نادرة “بعد هذا العمل الفريد نكون قد تخلصنا من الاعراف والتقاليد التي تطيح بمكانة المرأة خصوصا في مجال تحرير العقود الذي يحتكره الرجل ونمكن من القطع مع النمطية السائدة السابقة التي لا تخول للمارة القيام بعديد المهام ومنها تحرير عقد الزواج”.

 

خلال تحرير عقد الزواج تلت نادرة الفاتحة لمباركة الزواج مثلما تجري العادة اثر اتمام تحرير عقد الزواج الذي كان مكتمل الشروط القانونية ومنها الشرعية من حضور الشهود والولي ونقد المهر وتوفر شرط الايجاب والقبول من العروسين. ومع ذلك لم تنج من الانتقاد.

 

لان الحادثة كانت غير مسبوقة فقد خلفت ردود افعال متباينة وتعاليق منها من رحب بهذه الخطوة واعتبرها رائدة في مجال الاصلاح والمساواة ومشاركة المرأة في الحياة العامة ومنها تعاليق وصلت الى حد القدح في شرعية عقد الزواج واعتبار عدم جواز تحرير المرأة لعقد الزواج.

 

وتعتبر نادرة أن هته “الانتقادات والملاحظات كانت غير موضوعية لان ابرام عقد الزواج كان “عقد مدني وقانون ولا يوجب أي شكل من اشكال اللباس سواء كانت المرأة تغطي شعرها ام لا” واعتبرت الاراء المعارضة لما قامت به هي “ضمن العادات التي تريد شد المرأة الى الوراء” وتحجيم دورها وحصرها في مربع خدمة المنزل والعائلة او العمل في المجال الفلاحي فقط الذي تتصدر فيه المرأة في القيروان وتونس المرتبة المتقدمة بسبب عدم رغبة الرجال في العمل.

 

وختمت نادرة موقفها بالقول “يجب ان نهتم بالجوهر وهو قانونية عقد الزواج وليس بالشكل”.

 

ما يزال عقد القران بمقر البلدية تحت اشراف ضابط الحالة المدنية محتشما. ومعظم المقبلين على عقد الزواج بالبلدية، انما يرغبون لاحقا في الحصول على وثيقة زواج مترجمة الى لغة اجنبية بسبب رغبة الزوجين (اما تونسيين او تونسي وأجنبية او تونسية وأجنبي).

 

في المقابل يعتبر جامع عقبة بن نافع من اكثر المساجد التي تقام بها مراسم عقد الزواج (كتابة الصداق) على عادة اهل القيروان. يحضر عدل الاشهاد  (دوما رجل) ويحضر العريس وأقاربه ومعارفه من الرجال فقط ولا يدخل النسوة الى المسجد نظرا لان تحرير العقد يتم ببيت الصلاة. فتبقى العروس بالمنزل منتظرة. وبعد اتمام اجراءات عقد الزواج يتجه عدل الاشهاد رفقة الزوج الى بيت الزوجة لتمضي هي لاحقا على نفس العقد الذي سبق للزوج الامضاء فيه ويكون “الصداق” بذلك مكتملا غير انه لا يتم في منزل اهل الزوجة اعادة تلاوة الفاتحة ولا الدعاء. في حين تحصل استثناءات في مقام ابي زمعة البلوي (صحابي) اذا يحضر الزوج وعائلته وتحضر الزوجة وعائلتها بصحن المقام ينقسمون بين موكبين. ويتم تحرير عقد الزواج فيمكن عدل الاشهاد (رجل) الزوج من امضاء العقد بعد استكمال باقي الشروط وسط موكب رجالي ثم يمر الى موكب العروسة التي تجلس على مسافة امتار من مجلس الرجال فتمضي هي على عقد الزواج وتعلو الزغاريد ويبارك الحضور الزواج ويتم تقديم التهاني.

 

إمام جامع عقبة

 

يوضح امام جامع عقبة بالقيروان الشيخ الطيب الغزي أن دور عدل الاشهاد او ضابط الحالة المدنية في البلدية سواء من الرجل أو المرأة ليس “شاهدا او شاهدة على عقد الزواج وإنما تحرير عقد الزواج”.

 

من منظور شرعي “عقد الزواج يتضمن عنصرين هما التوثيق والشهادة، فأما التوثيق فهو ليس شرطا من ناحية شرعية وإنما من المسائل المستحبة من منظور شرعي و”من المصالح المرسلة”. واكد ان مجلة الاحوال الشرعية (صدرت مجلّة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس/أوت  سنة 1956) فرضت توثيق الزواج والغاء الزواج حسب العرف”. ولا يشترط في التوثيق والكتابة ان يكون القائم بها رجلا او امراة.

 

وقال الشيخ الغزي “لا مانع شرعي ان تقوم المرأة بتحرير وكتابة وتوثيق عقد الزواج سواء في مكتبها او في البلدية وهذا الامر جائز شرعا”.

 

وأوضح أن الأمر يختلف من منظور شرعي في ما يخص الشهادة. وأوضح أن القاعدة الشرعية تقول “ان يكون الشهود اما رجلان او رجلا وامرأتان في حين لا يجوز ان يكون الشهود 4 نساء”. أي ان لا تكون المرأة شاهدا بمفردها على عقد الزواج.

 

 

من جهة ثانية اثارت قضية عقد الزواج بين المرأة التونسية والرجل الأجنبي خلافا حادا تزامنا مع الجدل حول المساواة في الميراث والحديث عن حقوق الاقليات. وعرف بالجدل حول زواج التونسية المسلمة من الأجنبي غير المسلم ومدى وجوبية وثيقة اشهار الاسلام التي كان يشترط الحصول لديها من لدن مفتي الديار التونسية.

وقد اثار موقف رئيس بلدية الكرم (فتحي العيوني) بتصريحه حول عدم تحرير عقد امراة تونسية من رجل اجنبي جدلا وتبادل اتهامات وانقسامات في الشارع التونسي وحديثا عن تغير القانون.

 

“لو ان المرأة التي حررت عقدها أرادت ان تتزوج من أجنبي غير مسلم هل كنت تحررين عقد زواجهما” ؟

 

هذا السؤال وضعناه بين يدي السيدة نادرة الرمضاني، (نائبة رئيس البلدية) التي حررت عقد زواج العروسين في بوحجلة، واعتبر حدثا تقدما يقطع مع العادات السائدة، فكانت اجابتها: “لا لا يمكنني كتابة هذا العقد لان هذا غير قانوني”.

 

وبررت السيدة الرمضاني هذا الرفض بقولها: “لم يصلنا بعد أي قانون يلغي القوانين السابقة الواردة بمجلة الاحوال الشخصية” وأضافت “نحن ننتظر صدور قانون جديد ليتسنى لنا تطبيقه”. ويعني هذا تواصل اشتراط البلديات لوثيقة اسلام الرجل الاجنبي الراغب في الزواج من تونسية ويحصل عليها من مفتي الجمهورية التونسية.

 

وقد تم سنة 2016 تسجيل 19 عقد زواج احد طرفيه اجنبي ببلدية القيروان مقابل 20 عقدا سنة 2015. بينما تم سنة 2016 تحرير 13 عقد زواج مماثل لدى عدول الاشهاد بالقيروان.

 

جامع عقبة العريق

 

هذا الموقف يؤكده عدل الاشهاد علي الهداجي الذي أكد أنه لم يصدر أي قانون جديد يلغي القوانين السابقة وأوضح ان ما صدر عن وزارة العدل هو منشور لا يمكن ان يلغي قانونا. واضاف ان جميع عدول الاشهاد يشترطون جلب الاجنبي غير المسلم وثيقة اشهار اسلم مسلمة من مفتي الجمهورية لاتمام عقد الزواج الى جانب وثيقة اخرى تثبت انه غير متزوج في بلده وموافقة من سفارته او قنصليته بتونس للزواج من تونسية وأوضح هان هته الوثائق تضمن حقوق المرأة التونسية في صورة الطلاق.

في المقابل وفي حديثه عن زواج التونسية المسلمة من رجل أجنبي غير مسلم يقول الشيخ الطيب الغزي (امام جامع عقبة بن نافع بالقيروان) “شرعيا وان كانت بعض الايات ليست صريحة وانما تحتاج الى مقدرة لغوية ومعرفة بالسنة النبوية لفهمها، “لا يجوز تزويج المسلمة من غير المسلم مهما كانت ديانته او ان كان لا دينيا”. وهذا محل اتفاق وتقاطع بين المنظور الشرعي الاسلامي والقانوني الى حد اليوم.

 

“التسامح في الاسلام لديه حدود ولا يكون على حساب الشرع ولا في ظل وجود احكام شرعية” يقول الشيخ الغزي وانما يجوز في المعاملات والبيع والشراء والاسلام حدد علاقة الاسلام بباقي الديانات وتقوم على الحوار.

 

ويوضح: “حتى وان ارادت المسلمة أن تتزوج رجل ديني غير مسلم فانه لا يجوز لها من منظور شرعي” وحكم الزواج من الاحكام الثابتة التي لا يمكن تغييرها لتكون مسايرة للعصر وليست قابلة للاجتهاد حسب قوله مثلها مثل احكام الميراث.

 

يتردد على جامع عقبة رجال ونساء من ديانات مختلفة ومن عديد الدول الاوربية واسيا لإشهار اسلامهم بجامع عقبة.

 

وأوضح الشيخ الغزي بهذا الخصوص ان جامع عقبة لا يسند وثيقة الاسلام وانما يتم توجيه طالبي وثيقة الاسلام الى مفتي الجمهورية واكد انه المخول الوحيد لاسناد هته الوثيقة دون سواء وان الامر لا يزال جار به العمل ولم يتغير حسب قوله.

وأوضح ان بعض من يأتون الى القيروان لاشهار إسلامهم انما يأتون بدافع نفسي وروحاني بفضل سمعة القيروان وجامعها الاعظم في العالم.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد