الرئيسيثقافةغير مصنف

بادر – ماينهوف: رؤية سنيمائية لأحداث تاريخية

أفلام

 

عرفت أروبا طيلة الفترة ما بين 1960 ونهاية الثمانينات (وهي المرحلة التي يصطلح عليها تاريخيا تحت اسم “سنوات الرصاص”صعودا قويا لنشاط الجماعات المسلحة والتي تراوحت بين أقصى اليسار الى أقصى اليمين، وما رافقها من عمليات اغتيال وتفجير ممنهجة استهدفت شخصيات عامة ومؤسسات حكومية.

 

من أشهر تنظيمات تلك المرحلة نجد منظمة العمل المباشر في فرنسا ومنظمة الألوية الحمراء في ايطاليا  والمنظمة الثورية 17 نوفمبر باليونان وتنظيمات أخرى مماثلة في بلجيكا واسبانيا. وفي خضم المراجعات التاريخية الجارية حاليا صدرت كتب كثيرة حول تاريخ هذه الجماعات بالإضافة الى اعمال وثائقية وسينمائية.

 

 

 

وفي ذات السياق، ظهر سنة 2008 فيلم من إنتاج ألماني فرنسي تشيكي مشترك يؤرخ للمرحلة الأولى أو ما يصطلح على تسميته بالجيل الأول لتنظيم الجيش الأحمر (RAF) المعروف أكثر تحت اسم مجموعة بادر/ ماينهوف الذي خاض ما سماه حرب المدن ضد الامبريالية والنظام الموالي لها في ألمانيا.

يركز الفيلم على الشخصيات المركزية في التنظيم ونعني بها تحديدا أندرياس بادر وأولريكا ماينهوف وغودرون انسلين مع حرص واضح على التوثيق والالتزام أكثر بالسيرة المعروفة لشخصيات التنظيم والعمليات التي قام بها.

 

يبدأ الفيلم من خلال التوثيق لاحتجاجات الشباب الألماني الثوري على زيارة شاه إيران الى برلين والمواجهات التي حصلت مع قوات الأمن وما رافقها من أحداث عنف مع إشارة الى الرسالة التي وجهتها الصحفية ماينهوف (والقائدة التنظيمية لاحقا) الى فرح ديبا زوجة شاه إيران مع تأطير لمحيطها العائلي (متزوجة من ناشط يساري ولها بنتان) ومن خلال حضورها لاحتجاجات الشباب الثوري سيتقاطع مصيرها مع كل من غودرون انسلين والتي تعتبر العقل التنظيمي الأول بالإضافة الى الشخصية القيادية أندرياس بادر الذي لم يكن سنه حينها يتجاوز 28 عاما.

 

 

 

 

تميزت أولريكا ماينهوف بكتابة بيانات التنظيم ذات اللغة المؤثرة والخطاب الهجومي الواضح، في مقابل نوع من الحماسة التي تقترب من الخفة التي تظهر في شخصية أندرياس بادر فقد ظهرت أولريكا ماينهوف مناضلة ذات قدرات سياسية مهمة وتقدر العواقب رغم أنها تنصاع في غالب الوقت لما يقرره التنظيم خاصة في ظل الحضور الطاغي للقيادية غودرون انسلين.

في الحوارات الواردة في الفيلم كان واضحا محاولة إيجاد نوع من التوازن بين الرواية الرسمية التي تسم التنظيم بالإرهاب وبين رؤية التنظيم ذاته التي تجد مبررا لأعمالها في ما تعتبره عمليات إرهاب دولية تستهدف الشعوب ولهذا لا يخفي التنظيم تعاطفه مع الفيتناميين في حربهم ضد الاحتلال الأمريكي ومع الفلسطينيين في مطالبتهم بالحرية ومع كل القوى الثورية في العالم باعتبار نزعته الثورية الأممية الماوية (نسبة الى ماو تسي تونغ الزعيم الصيني).

 

أولريكا ماينهوف

 

في توصيفه للرحلة التدريبية التي قام بها عناصر التنظيم الى الأردن في ضيافة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يركز الشريط على جملة من نقاط الاختلاف في الرؤية بين الجهتين المتحالفتين فمن الناحية التنظيمية احتج أندرياس بادر على طريقة تدريب الفلسطينيين معتبرا أنها لا تناسب تنظيمه باعتباره يخوض حرب مدن وليست مواجهات مكشوفة وهو ما يعني أن أسلوب العمل ليس واحدا، ومن الناحية الأخلاقية ركز الفيلم على حالة الصدمة التي عاشها الثوار الفلسطينيون وهم يرون رفاقهم الألمان يعيشون مختلطين في خيام واحدة ويجلسون عراة تماما تحت أشعة الشمس وعندما احتج قائد المعسكر كان رد أندرياس بادر ” الحرية الجنسية ومكافحة الامبريالية تسيران جنبا الى جنب”.

 

 

 

 

مع عودة التنظيم الى ألمانيا الغربية وعملياته المكثفة التي استهدفت السطو على البنوك والقيام بعمليات تفجير ضد مقرات الشرطة الألمانية والقواعد العسكرية الأمريكية. كان تبرير التنظيم لعمليات السطو على البنوك من منطلق أنها مصادرة لأموال أعداء الشعب ويورد الفيلم على لسان أولريكا ماينهوف وهي التي تكتب بيانات التنظيم ” يقول البعض السطو على بنك ليس عملا سياسيا بينما الثوار في أمريكا اللاتينية سموا السطو على البنوك ب”نزع الملكية”. من السليم سياسيا أن تقوم بالمصادرة وهذا شيء سليم سياسيا لو كان هذا الأمر يموّل الثورة “.

 

 

قيادات التنظيم

 

 

بدأت نهاية الرحلة للجيل الأول من المنظمة مع مقتل عضو التنظيم بيترا شيلم (15/ 7/ 1971) وردود الفعل الدامية التي أعقبته ثم وقوع القيادات المهمة في يد السلطات وهم على التوالي أندرياس بادر ، غودرون انسلين ، هورست مالر ، أولريكا ماينهوف ، إرمغارت مولر، سنة 1972 وليتم توزيعهم على زنزانات انفرادية مختلفة، ويركز القسم الثاني من الفيلم على هذه الفترة حيث بدأت تظهر خلافات بين قيادات التنظيم في تقدير المرحلة وما رافقها من عمليات مسلحة قام بها أفراد التنظيم الناشطين خاصة مع استهداف السفارة الألمانية في ستوكهولم وفشلها في تحرير القيادات، وأطوار المحاكمة التي شهدت جدلا بين قادة التنظيم وهيئة المحكمة.

 

يمكن القول أن الاحداث أخذت منحى أكثر دراماتيكية مع اعتقال قادة التنظيم حيث بدأت بينهم وبين السلطات حرب إرادات تدور في صمت بين المساجين الرافضين للخضوع وبين إدارة السجن القاسية كانت العزلة قاتلة وتدفع المعتقلين الى مزيد من الغضب والتوتر وبعدها تم الإعلان عن إضراب جوع شامل وكما جاء على لسان أندرياس بادر “الإضراب هو سبيلنا الوحيد للمقاومة في الحبس الانفرادي “.

 

 

 

إن الإضراب عن الطعام هو السبيل لإظهار أننا لن نتنازل، وفيما واصل القادة إضرابهم عن الطعام داخل السجون كان الجيل الثاني من المنظمة بصدد التشكل في الخارج عبر النشاط في الجامعات وعبر عمليات اشد قوة أحدثت أزمة حادة للنظام السياسي فيما عُرف تاريخيا بالخريف الألماني. فبعد يوم واحد من موت هولجر مينز قامت مجموعة تابعة للتنظيم باغتيال درنكمان رئيس المحكمة العليا في برلين، وكتبت أولريكا : نحن لا نذرف الدموع من اجل درنكمان بل مسرورون بإعدامه كان من الضروري فعل ذلك ليعرف كل قاض وكل شرطي بأنهم سيتحملون مسؤولية أعمالهم”.

 

 

 

 

يصوّر الفيلم الحالة النفسية لقادة التنظيم ويركز على وضعية أولريكا ماينهوف التي أصبحت منبوذة ويحمّلها رفاقها مسؤولية عملية تفجير مقر دار النشر “سبرينغر” بوصفها خطأ وعملا مضادا للثورة. ورغم خروجها من العزلة أصبحت تعاني من الضغط النفسي الذي تسلطه عليها رفيقتها غودرون وبقية المجموعة. ورفضت المحكمة سماعها رغم أنها تحدثت بوضوح عن الحاجة الى الخروج من العزلة قائلة “كيف يمكن ان تعرف المحكمة أن سلوك السجين قد تغير إذا كان معزولا”.

 

المحاكمة

 

في صباح 9 ماي 1976 وُجدت أولريكا ماينهوف الصحفية اللامعة والثورية المتشددة مشنوقة في غرفتها وقد اتهم التنظيم الجهاز الأمني الحكومي باغتيالها وظل اسمها ملهما لأجيال من الثوريين الألمان وفي العالم.

بعد سنة واحدة كان مصير بقية قيادات التنظيم الموت في السجن، ويشير الفيلم الى شعور أندرياس بادر وغودرون انسلين باقتراب النهاية. طلبت غودرون مقابلة رجل دين وكانت كمن يكتب وصيته الأخيرة.  وتبرأ أندرياس بادر مما يجري خارجا وقال انه لا يوافق على قتل المدنيين الأبرياء مؤكدا “هناك قوى دولية كثيرة ترغب في اختفائنا نحن نشكل إزعاجا لها”.

 

 

 

في صباح يوم 18 أكتوبر 1977 ومع فتح الزنزانات عثر على أندرياس بادر ميتا بعد إصابته بالرصاص في رأسه من الخلف. و انسلين مشنوقة في زنزانتها ؛ و رايسب توفي في المستشفى في اليوم التالي برصاصة في رأسه. نجا إرمغارت مولر الذي أصيب بعدة طعنات في صدره. ينتهي الفيلم بالتأكيد على الرواية التي تتحدث عن اختيار الجميع لموتهم “لقد أيقنوا أن النهاية قد اقتربت، لقد ضحوا بأنفسهم والوقت لم يكن مناسبا كانوا يعرفون المخاطر وكانت لديهم البدائل لقد اتخذوا قرارهم والذي حدث كان بإرادتهم”.

رغم محاولة الفيلم الاقتراب أكثر من رؤية التنظيم وتقديم صورة واقعية للأحداث فإنه يخالف ما يقوله التنظيم حول ملابسات موت قادته حيث يصرّ على أن عناصره القيادية قد تمت تصفيتها في السجن وان الثوري الحق لا يمكن أن يُقدم على الانتحار.

 

ورقة فنية

 

اسم الفيلم: Der Baader Meinhof Komplex

اخراج: إيلي أيدل

تاريخ الإنتاج : 2008

المدة: 145 دقيقة

 

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد