الرئيسيثقافة

جنس وقتل وحب امتلاك.. كيف تعيش النساء في الأفلام العربية؟ 

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

This post has already been read 17 times!

 

 

إن كنتِ تشاهدين فيلمًا عربيًا، لا نتنظري منه أن ينصفك في بلاد لا تحبّ المرأة، يعتبرها عورة ويتعامل مع نجاحها قبل فشلها، مع وجودها في الحياة، كخطيئة لا بد أن تُخفَى. السَتْر هو مصيرها. إذا كانت تريد أن تحبّ، زوَّجوها قَسْرًا في الواقع قبل الأفلام، وإن عبثت بشرفها أو تعرَّضت للاغتصاب، قتلوها. لم يسلمْ صنَّاع السينما من ظلام عقول العوام، الذين يعيشون رافعين السيف على رقاب البنات بسببٍ ودون سبب. بذكورية مفرطة، يريدون أن يدفنوا آخر آمالها في النجاة. يبدأ الفيلم بجريمة وجود بنت، ولا ينتهي بإنقاذها من المشكلة التي زلت أقدامها فيها، إنما بمجلس تأديب وتهذيب وإصلاح ربما ينتهي بدفنها. هذه ليست قصة فؤادة “شيء من الخوف”، أو هنادي “دعاء الكروان”، أو منى “الخيط الرفيع” لكن حكاية كل فتاة عربية. انتبهي، فقد تجدين حكايتك عابرة بين السطور، صنّاع السينما يكرهون حريتك، فلا تستسلمي لأوهامهم.

 

 

دعاء الكروان (1959)

فيلم دعاء الكروان – المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه لطه حسين – هو أول الأفلام، التي رسَّخت لربط فَقْد العذرية بالقتل؛ لأنها بذلك أضاعت شرفها وشرف أسرتها وعائلتها وقريتها، فدهس الفيلم هنادي، التي تؤدي دورها الفنانة زهرة العلا، تحت ضغط جشع الذكور، وعاقبها بالقتل، بعدما استغلها مهندس الري (أحمد مظهر)، وهتك عرضها. بَدَت من جمل الحوار قيمة هنادي الحقيقية كفتاة في مجتمع ذكوري.

حين قَدِمَت للعمل خادمة، قال “سيدها” لمن أهداها له: “شكرًا على الهدية”؛ إذ كانت، في نظره، مجرد هدية جنسية وقد كان ذلك التعامل مع الخادمات في البيوت المصرية قديمًا؛ إذ أنها تمسح وتكنس وتجهز الطعام وتتحمّل عبء الشَرَه الجنسي لمخدومها، وبعد الجريمة، قالت شقيقة الضحية: “هنادي رخيصة وعرضها مالوش ثمن”. انتقامًا، قتل هنادي خالها، شقيق أمها، التي استسلمت لما جرى، خوفًا من أن يتهوّر ويقتل ابنتها الأخرى، فالمجتمع يكفل له الحق في قتل بناتها دون حساب؛ ردًا لشرفه، رغم أنه كان يمكن أن يقتل من أقام معها علاقة جنسية ليستردّ شرفه أيضًا، لكنه استسهل قتل البنت. هربت الأخت الثانية، خوفًا، وانتهى الحال بالأم بخلل عقليٍ؛ كانت تسير في الشارع، باحثة عن ابنتيها. ماتت هنادي لتبدو من الفيلم عذرية المرأة هي السبب الوحيد الذي يمنحها حق الحياة، فإذا فقدته – تحت أي ضغوط – كان ذلك سببًا كافيًا لقتلها.

 

 

 

البوسطجي (1968)

حب الامتلاك ربما يدفعك إلى القتل. الشَرَف، العِرْض مصطلحان ارتبطا عربيًا بفرج المرأة، لا شيء آخر. أمل دنقل عارض ذلك في إحدى قصائده بإضافة معانٍ أخرى إلى الشرف: “كيف تنظر في عينيْ امرأة أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟”، لكن لم ينتبه أحد إلى أن الكلمة والنظرة عِرْضٌ وشرف. في فيلم “البوسطجي”، المأخوذ عن قصة ليحيى حقي، أحبَّت “جميلة” شقيق صديقتها “خليل”، اخترق حصونها طواعية وكشفت بطنها السرّ، الذي حاولت أن تخفيه. كان التعجيل بالزواج بينهما حلًا، في محاولة لسَتْر البنت، لكن الأب يرفض، معتبرًا علاقة ما قبل الزواج كافية لعدم إتمام الزواج، رغم أنه هو الآخر كان يقيم علاقة سرية مع الخادمة. تصور أغلب الأفلام العربية النساء “عشيقات محتملات”، فما أن تسقط إحداهنّ في شِرْك رجل، تستسلم فورًا، وتسلم نفسها له. في نهاية الفيلم، بعدما نجا الأب من جريمته بعلاقة كاملة مع الخادمة، ينتقم من ابنته، يطاردها بينما تحاول الهَرب خوفًا على حياتها حتى تسقط بين يديه، يضع السكين في صدرها، ويطوف القرية حاملًا جثتها، فخرًا بجريمته.

 

 

 

 

أختي (1971)

تضطر سوسن (نجلاء فتحي) للعمل بائعة هوى تحت ضغط الظروف الصعبة. تتعرف إلى حسن، تحبه، تهجر عملها وتنتقل معه إلى الصعيد بسبب عمله. يحافظ على علاقتهما السرية بإشاعة أنها أخته، يقع في الفخ حين يطلب العمدة منه تزويجها لابنه. تغضب سوسن، وتعود إلى القاهرة.

كان حبه لها حب امتلاك لشخص وهبه جسده بغير حساب. يعود لها بعد فترة كاشفًا عدم قدرته على نسيان أيامها الحلوة، لكنه غير قادر على نسيان ماضيها (بيع الهوى)، ما يجعل الزواج صعبًا. يطلب منها أن تكون “عشيقة” ترافقه سرًا، فتقرر أن تنهي مرحلة استغلاله لها عاطفيًا وجنسيًا.

 

 

كان حسن يبرر رغبته في امتلاك سوسن بشكل لا يفضحه أمام نفسه، فهو يحبها، لكن آثامها لا تعينه على استمرار العلاقة. تحكم شخصيات الرجال في الفيلم مخاوف دائمة من المجتمع، فحسن لا يريد الزواج من سوسن، خوفًا من كلام الناس، ووالدها يلاحقها بقوله: الجيران لما يشوفوك راجعة الفجر يقولوا ايه؟، والعمدة يفسّر عدم رغبتها في الزواج من ابنه بأنها راحت “تجري وراء الرجال في القاهرة”.

يتجاهل حسن ماضيه، فقد عرف سوسن في شقة دعارة، ويفسّر رفضه الزواج منها رغم أنها تابت بقوله: “تصوّر أكون ماشي وألاقي اتنين بيشاوروا عليها ويتوشوا”. يحتفظ بمواقفه التي تخذل حبيبته، التي تتسامح، على أمل أن يرق قلبه، ويتخلى عن أفكاره التي تعمل للناس حسابًا أكثر منها، ويتزوّجها، لكن الخذلان عَرْض مستمر.

 

 

حكاية بنت اسمها مرمر (1972)

من هي مرمر؟ وما حكايتها؟

تحت سطوة الأسرة، عاشت مرمر، التي تؤدي دورها سهير المرشدي، بكامل طاقتها، وهي فتاة ريفية غير مسموح لها بالنقاش أو معارضة القرارات التي تسيّر حياتها؛ فهي ملك لوالديها، يحق لهما التلاعب بها كيفما شاءا، وأن حياتها وكل ما تملك ليس ملكًا لها، إنما وديعة: “من صغري وأنتِ محسساني أن أنا مش طبيعية. كل ما تبصي لصدري لإيدي، لرجلي، كأنك بتبصي لحاجة غريبة لغاية ما حسستيني أن جسمي ده مش ملكي مش بتاعي. أمانة شايلنها عندي لغاية ما يجي أول واحد يطلبها منكم وتسلمها له”.

مشكلة مرمر الكبيرة أن “حياتي اترسملتي قالولي اتجوزيه، اتجوزته .. قالولي اتنقلي مصر، اتنقلت.. ودلوقتي بيقولولي خلفي”.

تزوَّجت قسْرًا من رجل ثري لتكتمل دائرة حكم الآخر لحياتها (بدأت باختيار الدراسة في كلية البنات، لأنها تقتصر على بنات جنسها، واختيار كلية الآداب للدراسة بها وتحديد ما ترتدي وما ترى.. إلى حد الوصول إلى مَن ستتزوَّج رغم فَرْق السن الكبير بينهما).

تنتقل عقود المِلْكية من الأب والأم إلى الزوج الجديد، الذي تزوّج أخرى بعدها بفترة، مبررًا ذلك بأنه “حقه الشرعي”.

لم تغضب الأم من تعدد زيجات محمود أو سوء معاملته لابنتها؛ يكفي أنه ثري ولا يحرمها من حاجة، نصحت مرمر بالتحمل والعودة إلى زوجها، وتقول لها بصراحة، أن الوالدين منذ أن زوجاها لرجال، منحاه حق ممارسة العنف والسَيطرة معها كيفما شاء، فمن حقه أن يفعلَ ما يحلو له.

 

 

 

قفص الحريم (1986)

بغض النظر عن اسم الفيلم، الذي يستعين بلفظة مهينة من عصر الجواري (الحريم)، يطرح الفيلم بدون دهشة عدم تقبل الرجال، مهما اختلفت درجات تعليمهم ومستوياتهم الاجتماعية، تحرر المرأة، فيستعرض الفيلم الرعب الدائم من المرأة المتمرّدة.

تهيمن سلطة الأب، الذي يتزوّج أكثر من مرة محتفلًا بفحولته في كل تجربة، دون الالتفات إلى بناته، اللائي ينتقلن للعيش مع الجدة بعد وفاة الأم. يظهر الفيلم هيمنة الرجال على النساء، حتى أنّ الجدة العجوز تطبّق، عن قناعة، ما يريده الأب، تمنع البنات من التعليم والقراءة والخروج، وتقول لهما: “البنت ملهاش في القراية، القراية تتعب عينها وتدبل وشها”.

 

 

 

 

يبدو من شخصية الجدة أن الذكورية ليست حكرًا على الرجال، فترعاها وتحميها وتثبت أركانها النساء. تتجاوز ريم، البطلة، حُكم الجدة، وتتعلم، وتعاند الرجل الذي يعتبرها دمية، لا بد أن يحركها رجل بأصابعه، ليس شرطًا أن يكون هو الرجل، إنما يسمح لآخرين بأن يقوموا بذلك. عبّر عن ذلك بسؤال غاضب: مفيش ست زي الراجل، ازاي تختاري راجلك؟ مفيش رجل يقبل على نفسه كده.. هو اللي لازم يختارك.

يحمل الفيلم نقيضين، يبرزان الفكرة الأساسية وهي أنه لا رجل يتحمل تحرر المرأة. الأب وصديق الابنة، الذي بدا متحررًا، ومعجبًا بتحرر ريم، ومتفهم لطريقة حياتها، في منتصف الفيلم وحتى لحظة الذروة، التي يتبيّن فيها أنه يرتدي قناعًا يخفي به ما بداخله لا تختلف كثيرًا عن أفكار والدها، لكن هذا التغيير كان أداة لاصطياد ريم، وإدخالها فراشه.

تهجره ريم بعد أن تكتشف تخلفه، وتتعثر بالرجال الثالث في حياتها، شاب كان يحب ريم طفلًا، أحبته وتقدّمت إليه بعرض زواج. اتفقا على كل شيء، لكنه خاف من المجتمع، وتركها ليلة الزفاف في انتظاره ولم يأتِ. بدت، بالنسبة لها، في نهاية الفيلم نظرية الأب رابحة وصحيحة حين صارحها: أنا خايف عليكِ يا ريم، عايزة تسكري الصخر بدماغك. لكن هذا الصخر كان عصيًا على الكسر.

 

زوجة رجل مهم (1988)

يسجل الفيلم، نقلًا عن قصة حقيقية منشورة في بريد الأهرام، الذي كان يعده الكاتب الصحفي الكبير عبد الوهاب مطاوع بصحيفة الأهرام المصرية، أحداث حالة العنف البدني والنفسي الذي تتعرَّض له منى، التي تلعب دورها ميرفت أمين، تزوَّجت رجلًا تخيلت أنها أحبته حين تقدَّم لها؛ فهي من عائلة أرستقراطية تسمح للبنت بالحب. مع مرور الأحداث، يقسو الزوج عليها، يهملها، يتجاهلها، يتفرّغ لعمله بجهاز أمني مصري على حساب راحتها، يمنعها عن بناء علاقات أو صداقات حتى مع نساء، يحرمها الخروج من البيت.

 

 

 

 

تتضخَّم المشكلة بعد فصله من الخدمة وإحالته للمعاش مبكرًا، فقد توحَّد مع منصبه ولم يرتضي ذلك إلى حد أنه استأجر سيارة وسائقًا رغم أنه لا يجد مالا ليعيش حتى يوهم الناس بأنه لا يزال في الخدمة. حين يكتشف أن والدها بدأ ينفق عليهما لعدم توفر أي أموال، يضربها. عاشت منى تجربة قاسية طوال فترة زواجها، التي انتهت باستعانتها بوالدها كي ينقذها من الوحش الذي يعيش معها، فيقتله الزوج، وينتحر.

 

 

 

678 (2011)

الموضوع جرئ، لم يسبقْ طرحه في السينما العربية بمثل هذه الجرأة التي تناسب مأسوية ما يجري في الشارع، لكن هل حلَّ المشكلة؟

 

 

 

 

رسم فيلم 678 مشاهد مكثفة لما يحدث يوميًا في الشوارع والمدارس والباصات من تحرش جنسي يرتكبه الرجال بحق النساء، بحججٍ وأسباب مختلفة يسوقها الفاعل، للدفاع عن نفسه، لكنها لا تشغلنا هنا، فمهما كان الدافع واضحًا لا يعفي المجرم من العقاب. تصل المعاكسات والمضايقات اللفظية والجسدية إلى الاغتصاب، وفي أحد مشاهد الفيلم، يبرز الفرق بين أن تكون المرأة مستقلة وأن تكون مقهورة. تحرّش سابق بـ”نيللي” فقاومته بجرأة، وطاردته، وأمسكت به، وأصرَّت على مقاضاته رغم ضغوط أسرتها وأسرة خطيبها الذي يبدو رغم قناعته بقضيتها من النوع الذي يفضل الانحناء حتى تمرّ العاصفة. تتعرَّض “صبا” لمشهد أضخم، اغتصاب جماعي أمام عيني زوجها، فلا تجد من يقف بجوارها لتنال حقها، حتى أن زوجها، الذي عجز عن الدفاع عنها لحظة الاغتصاب، يعجز عن فهم أزمتها، كأنه يحملها مسؤولية الاغتصاب.

 

تكتمل حلقات ذكورية شخصيات الفيلم بزوج فايزة، الضحية الثالثة للتحرش، الذي يشكو من إعراضها عنه بسبب نفورها من الاعتداءات الجنسية المتكررة، يهاجمها، ويثقل عليها من ضغوط الحياة بتحميلها مسؤولية ما يجري لها، وينتهي به الحال إلى ممارسة العادة السرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.