اختيار المحررينثقافة

الناصرة الفلسطينية: مدينة تخرج منها البشارة

فلسطين التاريخية

 

 

قيل إنها من أجمل المدن الفلسطينية، حيث تجتمع بين ثناياها وحيطانها الندية، تاريخ وحضارات فلسطين التاريخية. إنها مدينة الناصرة، مدينة الأديان والشعراء والجمال، الواقعة شمال الأراضي المحتلة عام 1948، المطلة بأنفة واعتزاز على البحر المتوسط، والمشرفة على السهول والمروج من جهة الجنوب.

 

 

رسم للناصرة في القرن التاسع عشر

 

 

ومن هذا الموقع الاستراتيجي استمدت تسميتها، والتي اختلفت معانيها، حيث قد تحيل إلى برج الحراسة أو الجبل المرتفع ومنحدر المياه، وجاء في بعض المراجع التاريخية أن اسم مدينة الناصرة الكنعاني القديم هو “آبل”، أي الحياة. وقيل أنها سميت “عين العذراء” إشارة إلى السيدة مريم عليها السلام.

 

 

 

 

لذلك لا عجب أن يتغزل بها كبار الشعراء، حيث تحدث الشاعر “محمود درويش” عن الناصرة الفلسطينية قائلا:

 

 ليست الناصرة بحاجة إلى مديح…

فقد أدمنت مدح نفسها بأفعالها وأقوالها ايضاً

وهي ليست متواضعة

فمنذ تساءل نتناهيل

أيخرج من الناصرة شيء صالح

خرجت منها البشارة، وكل شيء صالح،

فهذه ضيقة الحجم، الوارثة الاسم

 

 

الناصرة في 1930

 

 

عين العذراء، الناصرة 1910

 

عين الناصرة

 

 

وتغنى بها الشاعر “توفيق زياد” شاديا: 

 

أنا من هذه المدينة من حواريها الحزينة

من شرايينِ بيوتِ الفقر

من قلبِ الثنايات الحصينة

انا من شارع يومِ الأرض من دُوارِ أيار

ومن ساحاتِ صبرا وشتيلا

والزِّقاقاتِ التي لا تجرؤ الشرطة

ان تدخلُها عندما يشتعلُ الناسُ غضبْ

عبَقَ التاريخ والنخوه منها والكرامه

واسمُها شامة عزٌّ وشهامه

 

 

امرأة فلسطينية بالزي التقليدي، الناصرة

 

 

صورة لامرأتين من الناصرة التقطت عام 1930

 

الناصرة التاريخية

تشير الموسوعة الفلسطينية، إلى أن الحفريات قد كشفت عن آثار السكان بالمدينة منذ العصرين البرونزي والحديدي، وهي تحتوي على مجموعة كبيرة من الآثار والمواقع التاريخية الهامة وقد وجدت فيها قبور أثرية منقورة في الصخور و في الكهوف التي تعود إلى العصور القديمة. 

كما تعاقب عليها الفرس واليونان والرومان والبيزنطيون والصليبيون والمغول والعثمانيون والفرنسيون والبريطانيون، الذين احتلوها في الحرب العالمية الأولى.

 

مدينة المساجد والكنائس

ووفقا لذات المرجع التاريخ، تحتل هذه المدينة مكانة دينية خاصة في قلوب المسيحيين، حيث لا تقل أهميتها عن أهمية مدينة القدس، حيث تشير الروايات إلى أن السيدة “مريم عليها السلام”  بُشّرت فيها بنبي الله عيسى عليه السلام، وجاءها المخاض في هذه المدينة، التي نشأ بها فيما بعد، وهو ينسب إليها ب”الناصري”.

 

 

 

 

وإلى يومنا هذا ماتزال هذه المدينة تحافظ على مكانتها الدينية لدى المسيحيين الذين يحجون إليها في أعيادهم ومناسبتهم الدينية، لزيارة عدد من الكنائس على رأسها كنيستا البشارة والبلاطة.

 

 

المعلول، الناصرة

 

رغم أنها مهد الديانة المسيحية، إلا أن مدينة الناصرة، قد عرفت الدين الإسلامي في وقت مبكر، حيث فتجها المسلمون  عام 634،  في السنة ال3 هجرية، على يد القائد المسلم شرحبيل بن حسنة فاتح شمال فلسطين، وذلك في العهدين الأموي والعباسي، وكانت تابعة آنذاك لجند الأردن الذي كانت قاعدته طبرية، إلى أن أصبحت في سنة 1517م، تابعة للدولة  العثمانية.

 

 

 

وشيدت في المدينة عديد المساجد، حيث أقيم أول مسجد فيها أوائل القرن الـ19، وهو الجامع الأبيض، الذي بني سنة 1804.

وقد عرفت المدينة تعايشا سلميا بين المسلمين والمسيحيين، حيث ذكرت المراجع أنه تحدث برنارد الحكيم عن جو الحرية الدينية في المدينة عند زيارته لها زمن العباسيين في سنة 869م فيقول:

“يوجد سلام تام بين المسيحين والمسلمين: ولو كنت مسافراً ومات جملي أو جملي الذي يحمل أمتعتي أترك كل شيء في مكانه بلا حارس وأذهب إلى أقرب مدينة فأستأجر دأبة وأعود فأجد عند رجوعي كل شيء كما تركته”.

 

 

مدخل سوق مدينة الناصرة الحدادين ومن ثم بداية سوق الكاثوليك – فلسطين عام 1966

 

 

مثلت مدينة الناصرة مركزا تجاريا هاما، فقد عرفت  بصناعة النسيج، وحياكة أنواع المفارش والجوارب، ودباغة الجلود وتفصيلها، وخياطة الفراء، حيث اشتهرت نساء الناصرة بصنع المطرزات الحريرية.

 

 

سوق الناصرة

 

إلى جانب صناعة المناجل والمحاريث والمصنوعات الخشبية وصناعة الفخار والهدايا التذكارية من سجاد ونحاس وخشب محفور وصناعة الصابون والبسط والحلويات، إضافة إلى احتوائها على معاصر للزيتون والسمسم لاستخراج الزيت والسيرج والطحينة. 

 

 

بازار الناصرة 1898

 

الاحتلال الصهيوني

ظلت المدينة منتصرة إلى أن وقعت كغيرها من المدن الفلسطينية  بيد الاحتلال الإسرائيلي في 6 يوليو/ جويلية 1948، واحتلتها المنظمات الصهيونية المسلحة، التي قامت بمحاولة تهويد المدينة وإزالة الصبغة العربية الفلسطينية عنها فطوقوا المدينة بالعديد من المستعمرات الإستيطانية.

 

 

 

ولم يتوان أهلها في الدفاع عن مدينهتم حيث شاركوا  في كل الثورات والإنتفاضات والمظاهرات والإضرابات والمؤتمرات الفلسطينية منذ عشرينات هذا القرن ضد الإستعمار البريطاني والصهيوني، ومازلوا يقاومون الإحتلال الغاشم إلى يومنا هذا.

 

 

 

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد