مجتمعالرئيسي

بيدي لا بيد عمرو.. الصحافة الورقية في مصر تحتضر

احمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

 

على الرغم من تراجع مبيعاتها وتأثيرها في السنوات الأخيرة، إلا أن القائمين على صناعة الصحف الورقية في مصر مازالوا متمسكين بتكبيد المواطنين خسائرهم المستمرة، وذلك بعد اتفاق إداراتها على زيادة أسعار الصحف والمجلات المطبوعة، بنسبة تصل إلى 40 % لمواجهة ارتفاع مستلزمات الطباعة.

 

ومن المتوقع أن يكون سعر الصحيفة اليومية ثلاثة جنيهات (0.16 دولار) بدلا من جنيهين (0.11 دولار)، على أن يكون العدد الأسبوعي للصحف القومية أو الخاصة بـأربعة جنيهات (0.22 دولار) بدلا من ثلاثة جنيهات، مع تقليل عدد الصفحات الملونة داخل كل مطبوعة، ترشيدا للنفقات، على أن يطبق القرار بدءا من أول سبتمبر المقبل.

ويبلغ عدد الصحف القومية فى مصر 11 صحيفة، فى حين أن الصحف المستقلة 14 صحيفة، بالإضافة إلى 6 صحف حزبية.

وجاءت القرارات التقشفية للحفاظ على استمرار طباعة الصحف بأقل الخسائر الممكنة، ومحاولة الحصول على دعم حكومي أكبر في مواجهة الزيادات الكبيرة في تكاليف الطباعة، على رأسها زيادة أسعار الورق والحبر وتكاليف توزيع الصحف، وزيادة الخدمات المرتبطة بصناعة الصحف، مثل الكهرباء والوقود، وذلك بحسب بيان الهيئة الوطنية للصحافة، وهي جهة المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية الحكومية.

وبحسب أرقام تقديرية، فإن تكلفة العدد الواحد من الصحيفة يصل إلى سبعة جنيهات، في حين أن صافي ما تحصل عليه الجريدة يبلغ جنيها ونصفا فقط، ما تسبب في خسائر فادحة، تحديدا للصحف القومية الكبيرة التي كانت تطبع مئات الآلاف من النسخ يوميا.

 

 

هذه القرارات تعني أن الصحافة الورقية في مصر اقتربت من إعلان وفاتها رسميا، فلك أن تتخيل أن 650 مطبوعة يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية صحفية في مصر توزع مجتمعة 600 ألف نسخة فقطن بعدما كانت مطبوعة كالأخبار الحكومية توزع قرابة المليون نسخة يوميا في فترة الثمانينات، وهذا يرجع إلى سببين يعلمهما القاصي والداني.

أولهما انصراف الجمهور عن الجرائد الورقية إلى المواقع الإليكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي التي تعرف بـ”الديجتال ميديا” منذ فترة طويلة، فلم يعد الخبر حكرا على جريدة يومية تمتلك محررا سريا داخل ديوان الوزارة، أو شاهدا على حوادث الشارع، كما كان يحدث قبل الألفية الثالثة، فنقرة واحدة ستتجول بك في عالم الأخبار المحلية والعالمية.

 

650 مطبوعة يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية صحفية في مصر توزع مجتمعة 600 ألف نسخة فقط، بعدما كانت مطبوعة كالأخبار الحكومية توزع قرابة المليون نسخة يوميا في فترة الثمانينات

 

أما السبب الآخر هو فقدان الصحف مصداقيتها عند الجمهور الشغوف بمعرفة الحقيقة ومناقشة مشكلاته اليومية، فجميعها تحول في السنوات الأخيرة إلى نشرة حكومية تفيض بالبيانات والرؤى الرسمية دون النظر إلى ما يهتم به المواطن من صحافة خدمية وشرسة تذكر آلالامه وتطالب بحقوقه.

وبحسب دراسة لمركز بصيرة، فإن 65 % من الشباب المصريين لا يقرؤون الجرائد الورقية، مقابل 28% يقرأونها أحياناً و7% يقرأونها دائماً، ومن بين من يقرؤون الجرائد الورقية فإن 16% لا يصدقون ما يقرأونه فى الجرائد، فى حين أن 67% يصدقونها أحياناً و17% يصدقونها دائماً.

هذه الأزمة دفعت الصحف إلى تسريح أعداد كبيرة من العمالة غير المعنية لديها وغير مدرجة بجداول نقابة الصحافيين المصريين، مع ظهور أصوات جديدة تطالب بتبرع الصحافيين بأجزاء من أجورهم للمساهمة في استمرار صحفهم في الإصدار بدلا من الإغلاق وتشريدهم.

 

جميع الصحف تحول في السنوات الأخيرة إلى نشرة حكومية تفيض بالبيانات والرؤى الرسمية

 

هذا ما طرحه الصحافي الثمانيني عباس الطرابيلي، في مقال له بعنوان “تبرعوا للصحافة”، إذ دعا إلى توسع مسؤولي الصحف في عملية تقليص عدد العمالبة، وإيقاف أي عمليات تعيين جديدة بها، وقبولهم بتخفيض أجورهم بسنبة 25 %، وان يتطوع العاملون بنصف أجورهم لمدة 5 سنوات، لتجنب إغلاقها نهائيا وجلوسهم في المنازل بدون عمل.

نقيب الصحافيين عبدالمحسن سلامة أعتبر زيادة سعر الصحف هو “الدواء المر” لإنقاذ هذه الصناعة من الاندثار، خصوصا أنه يعلم بمدى تراجع مبيعات الصحف في السنوات الأخيرة، واستنفادها جميع الحلول لتفادي زيادة سعر الصحف.

لكن عمرو بدر، عضو مجلس النقابة، يرى أن صدور قرار بزيادة أسعار الصحف الورقية بنسبة 50٪‏ سيكون بمثابة المسمار الأخير في نعش الصحف الورقية، لأنه يعني أن الأعداد القليلة التي تشتري الصحف ستنصرف عنها تماما.

 

 

ويعرج محمد سعد عبدالحفيظ ، عضو مجلس نقابة الصحافيين، إلى الحديث عن الأسباب الحقيقية وراء تراجع مبيعات الصحف في السنوات الأخيرة، فيرى أن صالات التحرير تمر بأزمة حقيقية في التعاطى مع أخبار المؤسسات وقضايا المواطن وأزماته، وهو ما دفع الجمهور إلى اتخاذ قرار بهجرها، والبحث عن بدائل تلبى رغباته فى المعرفة وتشتبك مع همومه وقضاياه حتى لو كانت غير موثوقة، فذهب القارئ إلى “السوشيال ميديا” وهو يعلم أنها وسيط غير موثوق فيه ولا يعتمد عليه فى الوصول إلى معلومة ممسوكة.

وتابع عبدالحفيظ: ” تراجع المبيعات تحتاج إلى دراسة وتحليل بدلا من حالة الإنكار التى يمارسها معظم الزملاء فى المؤسسات الصحافية، وعلى مؤسسات الدولة أن تضعه فى الاعتبار، لأن البدائل التى يذهب إليها القارئ لأنها تتوافق مع ميوله واهتماماته قد تضلله وتضع له السم فى العسل بما يجهض مساعى الدولة فى تحقيق تنمية حقيقية”.

 

 

وينصح أيضا بتحسين ورفع كفاءة السلعة التى تنتجها المؤسسات الصحافية بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحدد لكل وسيلة، وإلا فإن قرار الزيادة سيكون بمثابة رصاصة الرحمة التى ستجهز على مهنة تحتضر منذ فترة.

لا تنفصل القرارات التقشفية في الصحافة المصرية عن واقعها السيئ على مستوى التشريعات والرقابة الحكومية عليها، فمصر تحتل المرتبة 161 على مؤشر حرية الصحافة من إجمالي 180 دولة، في تراجع عن المرتبة 159 لعام 2016، وفقا لمنظمة “مراسلون بلا حدود” في تقريرها السنوي لعام 2017.

 

حجبت الحكومة المصرية قرابة الـ500 موقع، من بينها مواقع ثقافية وحقوفية، بدعوى أنها تشارك في التحريض على أجهزة الدولة

 

وحجبت الحكومة المصرية قرابة الـ500 موقع، من بينها مواقع ثقافية وحقوفية، بدعوى أنها تشارك في التحريض على أجهزة الدولة، لكن لم يعلن أي جهاز حكومي مسؤوليته عن الحجب في الدعاوي القضائية التي رفعتها المواقع المصرية التي تعرضت للحجب.

الحصار على الصحافة متوقع استمراره في الفترة المقبلة بعد تمرير قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد، فأعطى القانون الحق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فى منع تداول مطبوعات وسحب تراخيص مؤسسات وحجب مواقع إلكترونية عامة وشخصية، ووقف وحظر نشر مواد إعلامية، دون تحقيق مسبق أو قرار من القضاء. ما يعني أن الحجب صار مقننا في قبضة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

هذه الإجراءات أجبرت صحافيين كثر على الانسحاب من المهنة التي لطالما دافعوا عن استقلاليتها وحاربوا من أجل انتزاع أكبر هامش من الحرية، خصوصا أن الإعلام التلفزيوني يلملم أوراقه أيضا، حيث أبلغت فضائيات أون لايف ودي أم سي سبورتس والعاصمة والحياة موظفييها بتسويد الشاشة أو ترشيد النفقات في الشهر الأخير، ما يعني أن مصادر الرزق أوصدت أبوابها في وجه الصحافيين داخل جرائدهم وفي محطات التلفزيون التي تعنمد عليهم في مجال الإعداد وكتابة السكريبت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد