اختيار المحررينثقافة

أولاد حارتنا لنجيب محفوظ… هل اغتالت فرحة نوبل؟

في ذكرى وفاته

 

“نريد نجيب محفوظ في المصانع والمزارع وفي كل مكان. لماذا لا نكون كلّنا نجيب محفوظ؟”

سؤال طرحه الملحن المصري أحمد الشبوري على نجيب مصر، في أحد اللقاءات الإعلامية التي جمعتهما مع بعض المثقفين احتفالا بجائزة نوبل.

فأجاب محفوظ “لدينا علماء في الخارج والداخل ونهضتنا في بداية أوّل القرن قامت على أكتافهم، لكن نحن في فترة فيها شيء من العسر والأزمات الاقتصادية صرفت الجمهور عن الفن والأدب، ومع ذلك هناك إصرار من المثقفين وكأنهم رهبان يشتغلون لوجه الله”.

فقد مثّل الأديب العالمي نجيب محفوظ، قدوة المصريين ومرآتهم التي عكست همومهم ونكساتهم وتناقضاتهم في أشكال أدبية تميزت ببلاغة اللغة والبناء.

 

حاول محفوظ أن يكتسح بواقعيته الأدبية مختلف شرائح المجتمع المصري من المحافظ إلى المتحرر والمتمرد الغاضب والثائر. تجاوزها نحو الرمزية إثر قطيعة دامت خمس سنوات بعد الثورة المصرية عام 1952، قضاها في كتابة النص السينمائي.

وقد رأى البعض أنّ موت رغبته في الكتابة كان بسبب إرهاقه بعد نشر الثلاثية، إلاّ أنّ محفوظ رجّح أنّ قيام الثورة في ذلك الوقت حققت الأهداف التي سعى إليها من خلال أعماله.

 

 

فقد مثلت ثلاثيته الشهيرة جسرا انتقل من خلاله من عالم ما قبل الثورة إلى ما بعدها مع تغيير بنية النصّ وطابعه فبرزت رؤيته المتخيلة للواقع.

وجاءت “أولاد حارتنا” عام 1959، الرواية المثيرة للجدل في أعمال محفوظ، التي أحيت قلم الأديب وكفّر بسببها. كما اتهم بالزندقة والإلحاد حتى محاولة اغتياله بسكين بداية التسعينات.

وصفها كاتبها بأنها أشبه بـ”النظرة الكونية الانسانية العامة ذات الخلفية الاجتماعية”، إلا أن التفسيرات التي رافقت نشرها في شكل سلسلة في صحيفة الأهرام، همشت هذه الرؤية واتخذت منطلقا دينيا في التفسير معتبرة أنها تقوم على محاكاة النصّ القرآني، حتى أن الشيخ محمد الغزالي قاد حملات ضدها.

 

 

إذ اتهمت الرواية بتجسيد الذات الإلهية والأنبياء والرسل وقدمت العرائض والشكاوى إلى النيابة العامة المصرية من قبل شيوخ الأزهر وبعض الأدباء.

وتتناول قصة حارة مصرية، بنيت بعد استقرار “الجبلاوي” فيها،حيث أنجب أبناءه، الذين قادهم القدر إلى الاختلاف بسبب تفضيله لابنه أدهم على إدريس.

طرد الأخير من البيت الكبير، وتسبب في خروج أخيه منه، لتتطّور الأحداث نحو قتل أحد أبناء أدهم لأخيه وتتصعّد المعاناة، فيتشت أبناؤه في الحارة ليبرز الأبطال  الثلاثة الذين يرمزون للديانات السماوية.

وظهرت الشخصيات الرئيسية في الرواية للقضاء على الفتوات في الحارة وتحقيق العدل، محيلة على معان دينية ورموز مستلهمة من الواقع، مثل الجبلاوي الذي رأى البعض أنه “تجسيد للذات الالهية”، وشخصية أدهم التي نعكس آدم، وشخصية جبل ترمز إلى موسى، ويمثّل رفاعة شخصية المسيح، أما قاسم فيرمز إلى محمد عليه الصلاة والسلام، ويحيل عرفة الذي قتل الجبلاوي في النهاية على العلم.

 

 

 

وقد سبّب ذلك تأويلات عديدة حول الجدوى من القضاء على “الجبلاوي”، فذهب البعض إلى اعتباره تطاولا على الذات الالهية ورأى البعض الآخر أنه بمثابة انتصار للعلم على الدين، فيما أكد النقاد أن مصير عرفة بعد جريمته كان الندم والموت وبذلك فإنّ العلم لا يستطيع أن يحل محل الدين.

في المقابل، أكّد محفوظ أن الخطأ يكمن في طريقة القراءة واعتبار الرمز مرموزا، مضيفا أنها لا تسيء للأنبياء أو تقود حملة على الدين، بل كانت تكتب الحاضر بلغة تاريخية كما تبرز أهمية كل شخصية ودورها الفاعل بغاية تكريس العدل والخير.

ورغم محاولة تقريب وجهات النظر بين شيوخ الأزهر والأديب، سمح الرئيس المصري جمال عبد الناصر بنشر الرواية خارج مصر فيما منعها في الداخل خوفا من أي تصادم مع الأزهر.

كما حرص محفوظ على موافقة الأزهر من أجل إصدارها في شكل كتاب، فجاء مقترح لقاء يجمع بينهما لكنه تجاهل الطرف الثاني حال دون ذلك.

صدرت الرواية بداية الستينات في بيروت، بينما لم تصدر في مصر، رغم محاولات نشرها في العديد من الصحف والمجلات حتى عام 2006.

وتفجرت أزمة الرواية مرة ثانية بعد منح محفوظ جائزة نوبل للآداب عام 1988، حيث تردّد أنّ حصوله عليها كان بفضل “أولاد حارتنا”.

 

 

وتعدّ الرواية من بين الأعمال التي رشحته للفوز بها إلى جانب “الثلاثية”، “ثرثرة فوق النيل” و”دنيا الله”، لأنها تدل على بحث الإنسان الدائم عن القيم الروحية علاوة على الإنجاز اللغوي وأثره في أدبه.

رفض محفوظ الحماية الأمنية بعد أن تجدّدت الحملة ضده باتهامه بالفسق والكفر، مع دعوات صريحة لقتله.

وفي عام 1994، نجا محفوظ من محاولة اغتيال بعد أن حاول شاب قتله بآلة حادة، ورغم فترة العلاج التي استمرت لشهور، أثرت الحادثة على الكاتب، الذي أكد أن الرواية مجرد عمل أدبي ينتهي بأهمية الإيمان بوجود الذات الإلهية.

 

 

تعدّ الروايات برموزها وشخصياتها والضجة التي أثيرت حولها، إحدى أبرز الأعمال التي تعددت من خلالها القراءات واختلفت بين الجرأة على الدين والدعوة للتمسك بالقيم الثابتة وتحقيق العدل باعتباره الحلقة الأسمى من أجل التطوّر والتغيير.

ولعل ما قاله محفوظ في روايته حول موت جبل دليل على ذلك، بما  مثّله من رمز للنظام والاستقامة ومثالا للاحتذاء، ولكن المعضلة الكبرى تكمن، وفق الكاتب، في النسيان. فقال “ولولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيّب. لكن آفة حارتنا النسيان”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد