الرئيسيثقافةغير مصنف

تنقل حياة الفلسطينيات.. أمثال وأغاني للنساء جعلت من الفلكلور ثروة

هديل عطا الله- مجلة ميم

        

ما عادت هناك “بَدّاعة” تقوم بدورها الحيوي في الأعراس الفلسطينية؛ ففي كل عائلة كان لا بد من امرأة تحفظ أغاني الأفراح وتكون خبيرة بتفاصيلها حتى تختار ما يناسبها من مقاطع تشعل الأجواء؛ فيما الحاضرات يرددن من خلفها بحماس؛ فهذا الزمان غير زمانهم ابتعدت فيه الأجيال “الرقمية” عن دفء الفرحة وصار التراث مهددا بالاندثار.

ومع ذلك تظل نائلة لبّس الباحثة في التراث النسائي الفلسطيني؛ مندهشة من غنى وتجدد الموضوعات التي غنتها المرأة ولامست جوانب مختلفة من حياتها؛ إنه حقل يتفجر بالكنوز والثروات؛ ومجموع نصوص الأغاني من شأنه أن يرسم صورة متكاملة لشكل المجتمع ومراحل تطوره؛ مما استحث عزمها الدؤوب لمواصلة ما بدأته؛ لتعرّف النساء على تراث الجدات “الغنائي”؛ أما الأمثال الشعبية المتعلقة بالمرأة الفلسطينية فذلك أمر آخر يستمتع الحكواتي حمزة العقرباوي في الإبحار فيه؛ عبر التقرير التالي نقرب الصورة إلى قراء “ميم”.

 

من “عين ماهل” بدأت

 

نائلة لبّس الباحثة في التراث النسائي الفلسطيني

 

تستهل نائلة لبس حديثها بالترحيب بــ”ميم” ثم يبدأ نبع التجربة بالتدفق؛ لتقول: “ثمة فرق بين ما غنى الرجل وما غنّت المرأة؛ ذلك أن كل منهما غنّى لعالمه؛ فالرجل “غنى من العتبة وبرة”؛ عتبة تشتمل على أحداث في الحياة العامة خارج أسوار البيت؛ وما له علاقة بالعمل والخلافات والصلح ونحوه؛ أما المرأة فقد غنّت “من العتبة وجوّة”؛ أي ما يشمل العلاقة الأسرية والطبخ والأطفال في داخل البيت.

وتوضح في حديثها أن اهتمامات المرأة تجلّت من خلال أغانيها؛ وكل ما يتصل بالأفراح والمشاعر والعلاقة مع من حولها؛ لتتضمن هذه الأغاني نظرة المرأة لقريناتها؛ وللعروس؛ وللأم وغيرها.

ومن النقاط المثيرة للانتباه التي توردها لبّس؛ ما يعرف بــ”الأغاني المخبّاية” أي تلك التي كانت تٌغنى في الغرف المغلقة؛ وفي ذلك تشرح مقصدها: “حين تدخل النساء عند المرأة التي جاءها المخاض؛ حيث كانت في ذلك الوقت تلد في البيت؛ على يد “الداية”؛ ومن أغاني “المهاهاة” غير المألوفة التي كانت تغنى لـ “المُطلقة”- من جاءها “طلق الولادة”: حطي لباسك بالطاقة وعني عنين الناقة.. جيات الصبيان ما عليها عاقة.

 

لبّس: الفلكلور هو “كريات الدم” الثالثة عند الإنسان الفلسطيني

 

وفي سؤال مراسلة ميم لــ “ضيفتنا” عن سبب شغفها بهذا النوع من الأغاني؛ قالت: “في طفولتي عشت عن قرب حياة الفلاحين ومن هنا بدأت أحب أغانيهم؛ وأخذت أحفظها إلى أن امتلأت ذاكرتي بها؛ وفي مرحلة لاحقة أصبحت مُدّرسة للموسيقى في قرية “عين ماهل” وهي قرية فلسطينية مغرمة بالفلكلور؛ والغريب في الأمر أني لم أنتبه أني أحفظ كل هذا القدر إلى أن أقمت أسبوعاً للتراث في المدرسة التي أعمل فيها؛ ثم وجدتني اندفع لجمع الأغاني؛ واكتشفت من حيث لا أدري أنها تعد كنزاً للممارسات الشعبية النسائية لتلمّ بكافة نواحي الحياة؛ وساعدني في ذلك عملي في الموسيقى والألحان.

كم يبدو غريبا أن نائلة كان تدافع عن حقوق المرأة بكل ما أوتيت من قوة قبل عشرات السنين؛ فيما الآن لم يعد موقفها بذلك التشدد؛ موضحة: “كان لدي فكرة مسبقة عن المرأة دائماً مظلومة وأنها لا تحصل على حقوق المرأة؛ كنت مثل الببغاوات أنادي بحقوق المرأة وحريتها؛ إلا أن الحياة علمتني بعد معايشتي لنماذج عدة؛ لاكتشف أن 80% من النسوة اللاواتي تعرضن للظلم سببه المرأة نفسها؛ نعم إنها تظلم نفسها حين لا تعرف قيمة ذاتها وترى حجمها صغيرا ولا تدرك مكانتها في العائلة؛ ذلك أن “المرأة المتراخية” لا تريد أن تتحمل المسؤولية لأن الحرية مسؤولية؛ لذا انا اختلف موقفي بالنسبة لتحرر المرأة بين الماضي واليوم”.

 

 

 

بين الأغاني الفلاحية والمدنية

وعن البصمة التي أحبّت أن تضفيها من خلال ما تعده من أبحاث في مجال الأغنية النسائية؛ تقول: “هدفي من مشروعي الذي عكفت عليه منذ سنوات طويلة أن أنقل المُغنى المسموع إلى المرئي؛ كان أبي هو المصور الوحيد في مدينة الجليل وكانت كل العرائس يأتين ليلتقطن الصور عنده؛ خاصة من القرى المجاورة لمدينة لناصرة فلمعت في رأسي فكرة أن أجمع ما غنيناه للعروس عن تاجها وفستانها وذهبها مع شرح الطقوس العديدة التي تمر بها لإتمام مراسم الزفاف”.

وتؤكد “ضيفتنا” أنها استطاعت استخراج 140 صورة من الفترة الممتدة بين الخمسينيات والتسعينيات؛ لتجمعها في كتاب تحت الطبع؛ ومصدر الصور هو أرشيف والدها المرحوم صاحب استوديو “فوتو نبيل”؛ هي الابنة التي تزوجت في شهر تشرين الثاني من عام 68؛ والمفارقة أنها كانت أول عروس تقيم فرحها في أحد القاعات وليس في المنزل؛ إذ لم يكن يشتمل على أي ملمح من ملامح العرس الفلكلوري.

تواصل حديثها بروح تتقد بالإيمان بما تفعله: “سلطت الضوء على الوجه العابس للعرائس في تلك الفترة؛ مقدمة له أكثر من تفسير؛ ذلك أن العروس بدت جاهمة لأنها تركت أهلها وذهبت لبيئة غريبة عنها؛ لا سيما أن متوسط عمر العروس في تلك الحقبة ما بين 9- 14 سنة؛ “وهذا مش هوّين”- ليس بسيطاً؛ وفق تعبيرها.

 

وجه العروس قديما كان عابسا لأكثر من سبب 

 

أما السبب الثاني لعبوس العروس فهو الخجل؛ لأنها كانت لأول مرة تظهر أمام الناس وبجانبها رجل وهو عريسها ولأول مرة تقف أمام “مصور” ؛ موضحة: “نشأت بناتنا في تلك الأيام على شيمة الحياء الشديد لتغني لها القريبات والصاحبات: “من حَياها ما نرِاها ولا نعرف لابوها باب دار”.

“ترى كيف هو تفاعل فتيات اليوم مع التراث الغنائي”؛ تبدي أسفها في الجواب الذي جاء على النحو الآتي: “لا يبدين اهتماماً به؛ لكن إن شرحنا أمامهم وغنينا فإنهن يتجاوبن؛ وإن شعرت بأن تصفيق البنات صار بارداً أثناء خروجنا لزفة العريس؛ فأقول بأعلى صوت: “حمّوا صقفتكو يا بنات عقبال لأخوتكو يا لالا”.

وترى أن الفلكلور هو “كريات الدم الثالثة” عند الإنسان الفلسطيني؛ بالإضافة إلى كريات الدم البيضاء والحمراء؛ مضيفة: “ما أن أبدأ في الغناء في مثل هذه المناسبات أجد مشاعر الحاضرات تتحرك؛ ودوري هنا أن استنهض هذه الكريات وأشجع من أمامي على أن يحبها ويمارس طقوسها؛ والحق يقال أني استقبل العديد من الاتصالات في فصل الصيف للاستفسار عن أغاني للحنة أو الذبح أو ما له علاقة بالعروس أو العريس”.

وتلفت الانتباه إلى أن الأغاني النسائية في العرس ليست للطرب؛ وإنما هي أغاني وظيفية؛ علماً أن هناك نوعين من الأغاني ” الأول هو النوع “الفلاحي” والثاني “أغاني المدينة”.

وتقدم شرحاً مختصراً لكلا النوعين: “الأغاني الفلاحية هي ما غناه الفلاح؛ وتؤدي الدور الوظيفي؛ إذ أن هناك “أغنيتين مركزيتين” إحداهما تُغنى في عرس العروس والأخرى للعريس.

 

كتب لنائلة لبس عن الفلكلور الغنائي

 

وتستشهد بأمثلة ممتعة؛ فهناك أغنية “المَعونة” التي تحظى بأهمية بالغة وتطول عشرات الأبيات فيها وتغنُى أثناء قيام النساء بأنشطة مثل “تنقية الرزات” و “فتل الشعرية” و “فسخ السميدة”.

وتسترسل في وصف مشهد الطعام : “يعد الطعام واحداً من أهم تحضيرات العرس كــ “تنقاية الرز”؛ إذ أن وجبة الغداء لا يجب أن تخلو منه؛ ويأتي الأرز بــ شوالات وفيه “حصى وقش” مما يضطر الناس لتنقيته حتى “يُفلفلوه” تحديدا للمناسف؛ وكان الأرز يأتي عن طريق ميناء عكا؛ وحين يقدم ضيف لم يأتي منذ زمن يقال له: “مرحباً يا رز من عكا واللي جابَ الرز من عكا”.

أما “فَتل الشعيرية” فقد كانت الطبقات المتوسطة لا تقدر على تقديم الأرز كونه “غالي الثمن”؛ لذا لجأوا إلى إعداد الشعيرية من العجين بعد بَرمها بشكلٍ رفيع وتنشيفها؛ ثم يخلط مع الأرز؛ أما “فسخ البرغل”؛ فالناس الفقراء كانوا يطهون البرغل مع الشعيرية.

وتنشد بصوتها الجميلة بعض أبيات “المعونة”: “يا مين يعاونّا ويا مين يعينا.. يا مين يرد الحِمل لو كان مايل؛ أنا من أغاني العروس: “حنّوا العروس وما حنوا لي دياتي.. ويا ما حلا النوم باحضين البنياتي”؛ ناهيك عن أغاني “تراويد العروس” لا سيما في ليلة الحنة وليالي الوداع؛ وفي زفة العريس يُغنى: “سيروا على ما قدر الله؛ واللي كاتبه ربك يسير.. ويلا توكلنا على ربي يا نعم الوكيل”.

 

 

عروسان من الزمن الجميل

 

 

وبالانتقال إلى أغاني المدينة؛ فتقول أن ميزتها الأساسية أن اللحن فيها طويل وقابل للتطوير مع المحافظة على أصله؛ ناهيك عن أنه طيّع للتوزيع “الهارموني” بخلاف أغاني الأعراس أو ما يعرف بــ “الأغاني الفلاحية”؛ التي تسمى بــ “المردودة” وتعتمد على الجمل التلحينية البسيطة المترددة؛ أي أنها بلغة الموسيقى لا تتعدى الثلاث أو الأربع مازورات؛ و”المازورة” هي مقطع غنائي يتكون من اللحن بمجمله؛ لننظر في هذا اللحن: “يمّا دار الفرح ما أحلاها.. هنية والفرح جواها”.

ومما يضفي التميز لهذا الحقل الواسع أنه يؤرخ للمراحل التاريخية؛ فهناك أغنية “يا حبة سلفانا يا عروس”؛ التي ظهرت بعد حرب 67؛ وافتتاح مصنع السلفانا للشوكولاتة في الضفة الغربية.

 

 

صور تجمعها نائلة لبس

 

تحانين الحج

في المواسم المهمة؛ مثل موسم الحج الذي لم يغفله التراث؛ عبر ما يعرف بــ “التحانين” والتي تتناول استقبال ووداع الحجاج؛ تكشف عن هذا الجانب: “من المعلوم أن الفلسطينيين انقطعوا عن أداء مناسك الحج لسنواتٍ طويلة نتيجة الظروف السياسية؛ ما جعلني أواجه صعوبة في المراجع؛ وعندما بدأتُ مشروعي كان كبار السن ممن حجوا انتقلوا الى الرفيق الأعلى؛ إلا أني وجدت بأن “التحانين” أبرزت الخوف على الحاج من ألا يعود خشية مخاطر الطريق الذين كانوا يتنقلوا على الجمال؛ ومنها:  ” يا زايرين النبي خدوني في محاملكم..لا إني حديد ولا فولاد اتقلّكو.. وان كان زادي وزوادي اتقلكم..رسول الله أشبع بالنظر الكو.. يا زايرين النبي باب النبي شمعة.. مسعد من زار النبي في ليلة الجمعة.

وهناك المزيد: “من جلد الحية شنطة الحجاج من جلد الحية.. روحة وجية يحماكم الله روحة وجية.. من قلة المية يا خوفي عليكو من قلة المية؛ من جلد العقرب يا شنطة الحجاج من جلد العقرب؛ من غرق المركب يا خوفي من غرق المركب”.

أما في استقبال الحجاج يأخذ المشهد منحى الفرح والبشائر: “يوم قلطّناهن مطر ورعود.. ويوم لقيناهن نضرب البارود.. يوم قلطناهن مرق مطر ورشراشي.. ويوم لقيناهن نضرب الرشاشي”.

نائلة التي جمعت المئات من الأغاني وتتوق لجمع المزيد؛ تبدي أسفها إزاء موت معظم الجيل السابق؛ فيما تبقى الآن الجيل الأقرب للحداثة منه للجيل المخضرم الذي عاش ما قبل النكبة وبعدها؛ معربة عن أملها في الاستمرار في الجمع مهما اعترضتها من صعوبات بقصد الحفاظ على التراث”.

وتختم حديثها بالتنويه لنقطة مهمة: “علينا أرشفة كل ماضينا لنستقي منه الدروس ونأخذ من ايجابياته؛ وفي الوقت نفسه لا أدعو للتعامل مع الفلكلور الغنائي وفق ممارساته السابقة لأن الزمن تغير”.

 

الأمثال و تماسك العائلة

لم يكن حديث مراسلة “ميم” مع الحكواتي حمزة العقرباوي أقل تشويقاً؛ هذا الرجل الذي تأثر كثيراً بجدته التي شارفت على  المائة من عمرها؛ فهي مصدر معرفته بالأمثال التي تخص النساء في البيئة الفلسطينية.

 

حمزة العقرباوي مع جدته

 

 

بدايةً يقول أن الأمثال هي جزء من “الموروث الشعبي” الفلسطيني؛ والذي يشتمل على الأهازيج والأغاني والحكايات؛ مشيراً إلى أن موضوعات الأمثال متنوعة وفيها كل شيء ومن بينها مكانة المرأة وواقعها وحضورها.

ويعجب من أمر من يرى أن الأمثال انتقصت من المرأة؛ لا سيما أن هناك من ينتقدون النظرة السلبية لبعض الأمثال تجاه المرأة التي يصفونها بـ”المسيئة”؛ أما السبب: “لأن المثل يعبر عن قصةٍ أو حادثة محددة؛ ولا يجوز تعميم حالة مَثل سواء إيجابا أو سلبا على بقية النساء؛ ذلك أن أحدهم قال كلمة مختصرة “مسجوعة”؛ ومن ثم تم تداولها للتعبير عن الحالات المشابهة؛ وبذلك يبقى حيا؛ ومنها ما قد يموت.

ويشير إلى أن هناك أمثال تسخر من الرجال؛  “الرجل متل شباط ما عليه رباط”؛ و “يا مأمنة للرجال يا مأمنة للمية في الغربال”؛ فيما هناك أمثال تنصفهم؛ قائلاً: “هذا يعني أنه لا يجوز أن نحمّل المثل فوق ما يحتمل؛ وليس شرطاً أن كل مثل “حكمه سليم”؛ مما يتطلب منا وعيا في فهمه ضمن سياقه الصحيح؛ وتبقى الشعرة الفاصلة بين المثل والحكمة؛ أن الحكمة تحكي عن خلاصة تجربة إنسانية وقيمة إيجابية”.

 

العقرباوي: لا يجوز أن نحمّل المثل فوق ما يحتمل.. وحقاً “الرجل جنة والمرّة بنا”

 

ويوضح رأيه بالقول: “من قبيل المناكفة الطريفة بين الرجل والمرأة تناقل الناس بعض الأمثال التي تبدو مسيئة للمرأة وتُروى للتندر على النساء الأخريات؛ ومن بينها مَثل “مكروهة وجابت بنت”؛ فإذا كانت “الكّنة” مكروهة فإن كراهيتها تزداد إن أنجبت بنتا؛ لكن في المقابل هناك أمثال تشيد بإنجاب البنات: “أول خلفة السعيد بنت”؛ و”نيال من بكّرت ببنت وثنت بولد”.

ويثمن دور الأمثال لا سيما التي تحافظ على تماسك العائلة؛ وتكمن وظيفتها في نقل عادات الشعب الفلسطيني وقيمه وأفكاره وتصوراته وعلاقاته للأبناء والأحفاد؛ وهذا آخر ما يفكر فيه الرجل فيما تستهوي المرأة هذه الشئون.

ويبدي أسفه إزاء تراجع حضور الموروث لدى هذا الجيل وإن كان ما زال متواجداً في الروايات اليومية؛ ويقول: “النساء الكبيرات هن بنات مجتمعهن؛ في القرية كن ينقلن الحكايات وقد نشأن في بيئة تفضل الذكور على الإناث؛ لننظر إلى جدتي (فاطمة أبو كبر) هي مدرسة عظيمة فيما يخص النساء وقصصهن وأمثالهن ونظرة المجتمع لهن؛ وُلدت في بدايات القرن الماضي؛ وحينها كان الرجل هو محور الحياة؛ مما جعلها تعتنق هذه الأفكار؛ رغم أنه من يعتني فيها الآن هن النساء سواء بناتها أو حفيداتها؛ فهي تقول: “فوتة الشب ع الدار بتسوى ألف بنت”؛ وإذا تجرأ أحد على شتم صبي فإن الدنيا تقوم ولا تقعد؛ وإذا أرادت أن تدعو بالخير لأحد فإنها تدعو له ألا يرى البنات”.

ويتذكر حمزة أيام طفولته: “كنت في صغري أعمل مع أبي في الأرض؛ وحين أعود متعباً تمسك “ستي” بيدي وتقول: “هذه لحمة إن شديتها بتشد وإن رخيتها بترخي”؛ أي أنك إذا تعودت على الهمة والنشاط تغدو نشيطا؛ وإذا عرف النوم طريقك تضحي كسولا؛ ولها جملة مشهورة: “التعب زي الوسخ بس تتحمم بروح”.

 

 

حمزة العقرباوي مع جدته

 

بعبع الذكورية

ومن عجائب أقوال جدته الضليعة في الأمثال: “البنات مقاليع ابليس” حين يتزوجن خارج بلادهن فتحل الواحدة زوجةً في غير بلادها “مُقلِعَةً” عن بلدتها تماماً كما يُقلِعُ الحجر بالمقلاع إلى غير مكانه الأصلي.

ويضحك من أعماق قلبه وهو يحاول تبيان مقصد الجدة: “تكره “ستي” “البنات المُقلّعات” بيد الشياطين، وذلك على ما يبدو من موروث مُجتمعهم الشرقي الذكوري الذي يحتفل بالذكر ويبتهج به، ويستاء لمولد الأنثى؛ تلك التي يَقلَعُها الرجل ويرمي بها بمقلاعه إلى آخر الدُنيا ثُم يتهم ابليس نيابة عنه بذلك”.

“حكمة المرا نص المحصول” لنتأمل قليلاً في “ريحة  الأم بتلم”

و”المليحة بتعمل من الهامل زلمة”- أي أن المرأة الجيدة تجعل من “غير المسؤول” رجلا؛ مما يؤكد أن موروثنا غني بما يعزز دور المرأة وأهميتها في الحياة؛ والكلام لحمزة.”

وفي لوحة جميلة عادلة يتجلى هذا المثل: “الرجل جنة والمرة بنَّا”؛ أي أن الرجال يكدون ويتعبون في الحروب والزراعة والعمل والمشقة لكسب العيش في ظروف قاسية؛ أما المرأة تتولى بناء الأسرة؛ وفقاً لشرحه.

 

 موروثنا غني بما يعزز دور المرأة.. ومعظم الأمثال المتَهمة بــ الذكورية روتها النساء

 

ويستنكر ما تروج له المؤسسات النسوية من خلق بعبع الذكورية التي تسيء للمرأة ولا تنصفها- حسب رأيه – أكثر مما يقال أن الأمثال تفعله؛ وعبثاً تناصب “المناصرات” لحقوق المرأة لها العداء؛ في حين أن حواء تعد الحافظة للموروث الشعبي لأنها الحاضنة الأمينة عليه.

ويسرد الحكواتي الذي لا ينفك عن التجوال هنا وهناك كي يحكي للناس “خراريف زمان” بعض الأمثال :”حظ العفنات بالحفنات وحظ المعدلات بالنقطات”؛ و “قُصّي لسانك وزيدي ع التنّورة، منّو بتدفي سيقانك، ومنّو بتضلي مستورة”؛ والبيت إللي بتحكموا مره، بيرجع لورا”.

وحسب تقييمه؛ فإن النظرة للمرأة قديما كانت ممقوتة غالبا، ولولا فضل الاسلام ودوره لبقيت كثيرٌ من الاعتقادات الباطلة؛ مستشهداً ببعض الأمثال التي تعكس طريقة التفكير آنذاك:

“المرة إما بتكون مرة، أو مرمرة أو مسمار في العنترة

“في نسوان بحبهن الرحمن وفيه نسوان بخاف منهن الشيطان”.

“تحمل بلاها، يا إما بلاها”

“في الشارع عروسة وفي البيت جاموسة”

الخياطة الشاطرة بتغزل برجل حمار””

“الولد وجهه مرزوق والبنت طوق كان بتطوق”

ويزيد من البيت شعرا في هذا السياق: “المرأة بين “الدَّكْ” و”الدِّكْ” في العُرف الشعبي؛ يقولون: “فُلانه دَكَّت بأخوها”؛ ويقولون: “فلانه دِكِّتها رِخوة”.

وأمام سؤالنا الأخير: “ترى ماذا تعني كل منهما يا حكواتي؟”.. فقال: “في الأولى إذا طلبت المرأة حقّها بالميراث من أخوها قالوا عنها ( دَكَّت برقبة أخوها) اي خنقته وحاشرته برزقه وكادت تُدمره وتسوي كرامته بالأرض؛ وكأنها تهدُ أركان رجولته؛ أما في الثانية : “إذا كانت المرأة خفيفة وفيها من عدم التثقل أمام الرجال قالوا دِكِّتها رخوة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد