منوعات

مطماطة القديمة مدينة القصور تحت الأرض

 

تعرف البلاد التونسية بثراء موروثها الحضاري والمعماري، المتجذر في عمق التاريخ، من ذلك “مطماطة القديمة”، قرية البيوت والقصور المنحوتة تحت الأرض التي لئن لم يحدد علماء الجيولوجيا والتاريخ تاريخ بنائها، فقد ذهبت بعض الروايات، إلى أنها ترجع إلى أكثر من 400 عاما. و هي اليوم ماتزال صامدة، تتحدى بشراسة متغيرات التضاريس والمناخ الصحراوي.

ومطماطة القديمة، هي إحدى قرى مدينة الحناء والواحات والتمور، مدينة قابس، وتتموضع ضمن سلسلة جبال مطماطة، الممتدّة على طول جهة الجنوب الشرقي للبلاد التونسية.

بيوت تحت الأرض

تتميز مطماطة القديمة، بمعمارها الفريد، الذي لا يراه الزائر مرتفعا، عاليا أمام ناظريه، فهذه القرية اتخذت من باطن الأرض بيوتا وغرفا وسط التلال والتضاريس الصحراوية، لذلك أول ما يشد الزائر حفرا متستديرة كبيرة غائرة تحت الأرض، في باطن الصخور الرملية، يبلغ عددها 80 بيتا حفريا، ويطلق عليها مسمى “الحوش الحفري”، و”الحوش”، هي كلمة عامية تونسية، تعرف بكثرة بالأرياف والمناطق الداخلية.

 

 

يتكون “الحوش” من باحة رئيسية تزينها الرسوم، تتوسطها في غالب الأحيان، نخلة باسقة الطول، فمطماطة أرض الواحات والنخيل العالي. ويطلى حائط الباحة بمادة “الجير” البيضاء الناصعة، المقاوم لشدة الرطوبة.

 

 

وتتفرع باحة  الحوش إلى مجموعة كهوف صخرية تستخدم كغرف للجلوس أو النوم، وتتميز ببرودتها صيفا ودفئها شتاء، تبلغ مساحتها حوالي 3 مائة متر مربع، وتكون بدورها مستديرة الشكل، وتتمركز هذه الغرف في الطابق السفلي.

 

 

كما يخصص ركن في الطابق العلوي لهذه البيوت تحت الأرض، لحفظ المؤونة وتخزين الحبوب والقمح والشعير، بالإضافة إلى زيت الزيتون الذي يعد من الأكلات الأساسية لهذه المناطق إلى جانب “الكسرة”(بكسر الكاف وهي نوع من أنواع الخبز الذي يعد على نار هادئة)، بالإضافة إلى طبق الكسكسي، المتجذر في التراث الغذائي لأهالي قابس ومطماطة.

 

 

وتصل بين هذه الغرف ممرات ضيقة، مكلسة بالاسفلت الرطب.

 

 

واليوم حول بعض هذه البيوت تحت الأرض إلى مجموعة فنادق لاستقبال السياح الوافدين من كل صوب وحدب.

 

فيما لا يزال بعض السكان من أهالي مطماطة القديمة، يتشبثون بالسكن بهذه البيوت التاريخية ويعمرونها، جيلا بعد جيل.

أصل التسمية

في الواقع كما اختلف المؤرخون حول تاريخ ظهور هذه القرية تحت الأرض، اختلفوا أيضا في أصل تسميتها، وبينما يرجعها البعض إلى البرابرة الأمازيغ الذين عمروا شمال افريقيا والمغرب العربي، قبل الفتح الإسلامي، واعتبروا أنها كانت تسمى ب”أَثْوَبْ” أي أرض السعادة والهناء.

أرجع البعض الآخر اسم “مطماطة”، إلى قبيلة أمازيغية قديمة، اختارت باطن الأرض مسكنا، لأنها لم تستطع أن تقاوم جحافل بني هلال، الذين قدموا من نجد، في أواسط القرن ال5 هجري/ ال11 للميلاد واشتهروا بالسيرة الهلالية أو الملحمة التاريخية الطويلة، والتي ماتزال محفوظة في التراث الشعبي والذاكرة الشعبية التونسية.

 

 

وهو ما أكده العلامة ابن خلدون في تاريخه مطماطة، أنهم ” اخوة “مصغرة” و “لماية” من “ولد فاتن بن تمصيت” وعن سابق المطماطي و أصحابه من النسابة أنّ اسم مطماط مصكاب و مطماط لقب له و ان شعوبهم من لوا بن مطماط و يقول وهم مفرقون في المواطن فمنهم من نواحي فاس ومنهم بجهة قابس و البلد المختلط على العين الحامية من جهة غربها منسوب اليهم . ولهذا العهد يقال “حامة مطماطة” …… و كانت لهم بتلك المواطن أخريات دولة صنهاجة.

ومن الثابت ان جل القبائل البربرية قد قلبت وبعثرت اثر الغزو العربي الثاني لشمال افريقيا أي زحف بني هلال و زحف بني سليم الذي وقع في القرن الحادي عشر ميلادي فنستنتج أن قبيلة مطماطة قد انتصبت بالجبال في ذلك العهد مع العلم ان هانه الجبال كانت قبل مجيئهم موطن قبيلة بربرية أخرى تدعى باسم قبيلة زناته.”

 

أرض الدغباجي

مطماطة مدينة الكهوف، ليست فقط أرض القبائل الأمازيغية، بل هي أيضا أرض الفلاقة الذين قاوموا المستعمر الأجنبي الفرنسي، خلال احتلاله البلاد التونسية، وعلى رأسهم “محمد الدغباجي”، الذي قاد عديد الحملات والمعارك الحربية، واستمر في المقاومة، إلى أن اعتقل وأعدم في غرة مارس/ آذار 1924 رميا بالرصاص. وقد ظلت ذكراه محفورة في الذاكرة الشعبية وفي الشعر الشعبي، وفي مجلدات التاريخ.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد