اختيار المحررينثقافة

عن ياسر المصري وأدائه لشخصية جمال عبد الناصر في “الجماعة 2”

 

ترجّل ياسر المصري، فارس الدراما البدوية والبطل الذي انغمس في أدائه لأدواره الفنية بالبحث والقراءة والنبش في تفاصيل التاريخ وهمومه وشخصياته ومؤثراته، بعناوينه الكبرى وأسراره الخفية.

 

إذ يعدّ أحد ركائز الساحة الفنية الأردنية والعربية بأعمال قيّمة شكلا ومضمونا ورسالة هادفة تقوم على الصراع، في ظلّ جدلية تطرح من خلالها الأسئلة حول أهمية الشخصية وجدواها وتمثله لها. فتكون مصوّرة في أحد أشكال التواصل مع روح الشخصية وقدرة مؤديها.

 

 

 

وأصبح ياسر المصري أشبه بالقامة الاستثناء، التي اختلطت فيها الانفعالات الذاتية وانفعالات ذات الشخصية ليولد من رحمها “استذكار الحالة”.

فهو يؤمن بالذاكرة الانفعالية التي تقوم بتخزين العواطف والمشاعر المختلطة خلال عملية تجسيد شخصية سواء في الأعمال التاريخية أو البدوية من خلال فكرة ومضمون العمل ومدى مخاطبته للإنسان والمجتمع .

ويميل إلى تقمص الشخصيات “الثقيلة”، وفق تعبيره، لانها تضمّ زخما تاريخيا وتحمل في طياتها أحداثا هامة. فأدّى أدوارا هامة في العديد من الانتاجات الضخمة وحظي بالبطولة في “نمر بن عدوان” فأبدع في فصاحته، ودور يحيى البرمكي في مسلسل هارون الرشيد (2018) فكان قوياّ وجبارا في شخصيته.

ومن أهم أعماله في الساحة المصرية “الجماعة 2″، رمضان 2017، من خلال دور “جمال عبد الناصر”،الذي يتناول نشأة جماعة الإخوان المسلمين بعد فترة حسن البنا في ظل حكم الرئيس جمال عبدالناصر.

ورغم أنّ شخصية عبد الناصر قدّمت 12 مرة في تاريخ السينما والتلفزيون، فقد لاقى الدور الذي أداه المصري، تفاعلات كبيرة نظرا لاختلاف اللهجة والجنسية، وانتقادات بسبب ما اعتبر مغالطات تاريخية لكاتب السيناريو.

 

 

وقد أصرّ وحيد حامد (الكاتب) على ياسر المصري لتمثيل دور عبد الناصر وبعد 3 أشهر من التفكير  و6 أشهر من البحث في خفايا الشخصية والتعمق فيها انطلق التصوير.

وقال المصري في حواراته الإعلامية إنّ الشخصية كانت تحتاج سنة على الأقل من أجل دراستها، نظرا لقيمة عبد الناصر وطريقته في التعبير وانفعالاته ولغة جسده المميزة.

وأتقن الفنان الأردني اللهجة المصرية عبر نموذج جمال عبد الناصر باعتماده على الأدوات العملية والنظرية، وحواراته مع من كانوا شاهدين على عصره من قريب أو بعيد.

فاعتمد على مدقق لغوي يصحح له هفواته، علاوة على الأسنان الصناعية التي وضعها نظرا لصغر أسنانه مقارنة بالشخصية الأصلية.

 

 

كما شاهد مختلف الأعمال التي تناولت سيرة عبد الناصر، الدرامية منها والوثائقية، مع دراسة للفترة التي يتناولها المسلسل.

وأكد ياسر في آخر حواراته الذي سبق موته بساعات أنه رفض الدور أكثر من مرة لأنه كان في حاجة لدراسته والتدقيق فيه.

ولعل أبرز المشاهد التي علقت في ذهن المصري وجمهوره في المسلسل، تلك التي ارتبطت بالتوقيع على إعدام المفكر الإسلامي سيد قطب عام 1966 وحادثة محاولة اغتيال عبد الناصر في  المنشية عام 1954.

فقد ظهر المخزون الانفعالي للممثل وقاده إلى الظهور على شاكلة عبد الناصر، فكان توقيعه على بيان الإعدام ممزوجا ببرودة الأعصاب والثبات رغم التدخلات التي قام بها زعماء عرب لإعادة النظر في الحكم على غرار الملك السعودي والرئيس العراقي.

كما يعد قطب من الشخصيات المؤثرة التي باركت ثورة 1952، وقال حينها “لقد كنت في عهد الملكية، مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا، فأنا في هذا العهد مهيئٌ نفسي للسجن أيضا، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل”.

 

 

فكان ردّ عبد الناصر “والله لن يصلوا إليك إلاّ على أجسادنا”.

وانتقد الناصريون دوره في العمل، خاصة أن الكاتب أكد على أن عبد الناصر كان إخوانيا في البداية.

وردّ ياسر في حوار له مع صحيفة اليوم السابع “بأن الناصريين يريدون عبد الناصر أن يظهر على الشاشة ملائكيا دون أخطاء، ونفس الحال للوفديين”، مستشهدا برأي الناقد طارق الشناوى “كل واحد وله جماعته وكل واحد يريد أن يحافظ على شكل جماعته”.

وقال الكاتب وحيد حامد في حوار مع بي بي سي بعد الجدل الذي تلى المسلسل إنّ عبد الناصر انضمّ إلى الإخوان المسلمين من 1944 حتى 1948، وانفصل عنها بعد أن اكتشف أنها لن تحقق له أهدافه، كما انضم، وفق الكاتب، الى أحزاب وتيارات سياسية أخرى.

 

 

وبين أنّ المصلحة دفعته إلى التعاون معها بعد ثورة 23 يوليو 1952، ورغب في اللجوء اليها مع تأميم قناة السويس، مثلما تعاون الملك فاروق، المسؤول الأول عن قتل حسن البنا، وفق قوله، معها ضد حزب الوفد.

لم يخل مسلسل الجماعة 2 من الانتقادات، حتى أن المحامي المصري “سمير صبري”، رفع دعوى قضائية لإيقاف بث العمل، بسبب ما اعتبروه تزييفا للتاريخ وكسبا للتعاطف مع الإخوان المسلمين.

من جانبه، عبّر المصري عن إعجابه بشخصية عبد الناصر، التي قد يختلف معها في التوجه ولكنها شخصية ذات مكانة في التاريخ، حسب رأيه.

وكان الفنان الأردني يطمح لتجسيد شخصية حمزة عم الرسول والقائد الليبي عمر المختار، كما حّضر نفسه للانطلاق في مشروع مسلسل “بنو عثمان” في تونس، وهو انتاج عربي ايطالي يتشارك فيه البطولة مع الممثل المصري خالد النبوي، إلاّ أنّ التاريخ كتب نهايته في الـ23 من الشهر الجاري.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.