مدونات

“شعب يخاف ميختشيش” .. عن التحرش المبرر

كانت أمي تلك المرأة الريفية البسيطة التي لم تحظ بمستوى عالٍ من التعليم، كلما حدثت جريمة أو مشكلة في إطار مجتمعنا الصغير أو الواسع، تبررها بعبارة ” الناس بقت تخاف متختشيش”، واعتدت أن أتلقى كلماتها بكثير من الاستخفاف وعدم التصديق؛ لظني أن هناك سببا مختلفا لكل جريمة أو أزمة.

 

بعد 31 عاماً عشتها على ظهر هذا الكوكب، أقر لأمي برجاحة العقل وبعد النظر، فكل ما يجري حقاً لا يفسر إلا بأننا أصبحنا “نخاف ومنختشيش”؛ والخوف والخشية لفظتان مترادفتان باللغة العربية لكنهما ليستا متطابقتين؛ فالخوف هو شعور بالقلق تجاه أمر غامض أو عواقب محتملة، أما الخشية فهي شعور بالخوف ممزوج بالمعرفة –معرفة من نخشاه وماذا نخشى من تبعات.

 

 

منة جبران

 

 

قبل أيام، دار الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بعد قيام فتاة شابة تدعى منة جبران، بنشر مقطعي فيديو يوثقان تعرضها للتحرش في منطقة التجمع الخامس، بعد أن فاض بها الكيل مما تتعرض له من مضايقات يومية أثناء انتظارها الحافلة التي تقلها من وإلى عملها.

 

في المقطع الأول يطلب منها أحد المارة بعد أن نزل من سيارة صديقه أن تصف له شارع “محمد الحبوب” بكل لزاجة وسخافة، وهي ترد عليه بكل امتعاض أن يتركها وما أن لاحظ قيامها بتصويره حتى انسحب ساخراً من رغبتها في التشهير به.

 

 

أما الشخص الثاني، الأكثر سماجة ولزوجة، فعرض عليها الذهاب معه لتناول القهوة في مقهى شهير، محاولاً تلطيف فعلته بعد أن أدرك قيامها بتصوير ما فعله.

 

حالتان فقط تمكنت الفتاة الذكية من تصويرهما، والآلاف لم ولن تستطيع رصدها الكاميرات، بل الملايين من المواقف المخجلة والمهينة التي تتعرض لها الفتيات والنساء في مصر، والغريب أن البعض هاجم الفتاة عوضاً عن تجريم فعل التحرش..

 

بل استشهد البعض منهم بالحضارة الغربية، وبساطة العيش وسلاسة التعارف والخروج دون سابق معرفة، وأراهن أن هؤلاء أول من  المرشحين لاعتبار فتاة التجمع “عاهرة” أو “مومساً” في حال وافقت على دعوة المتحرش “الكيوت” لتناول القهوة، ما لا يعرفه هؤلاء أيضاً أن أي فتاة في أي دولة أوربية يمكنها أن تخرج مع أي شاب غريب ليس فقط لاختلاف الدين والثقافة لكن أيضاً لأنها ستجد الأمن والمجتمع في صفها إذا ما شكت من تعديه على خصوصية جسدها بدلاً من القول ” ما هي اللي رايحة معاه بمزاجها” كما يحدث هنا.

 

لمجرد أن متحرش التجمع السمج، تفوه بلفظتين أجنبيتين اعتبر “شيك” و” ابن ناس”، والأهم “ليس متحرشاً”، ويحضرني هنا قول عالم الاجتماع العراقي العظيم، علي الوردي حين قال ” الفقير إذا غمز لامرأة في الطريق أقاموا الدنيا عليه وأقعدوها أما إذا اشترى الغني مئات الجواري وأشبعهنّ غمزا ولمزا كان ذلك عليه حلالاً طيباً”.

 

وبدلاً أن نقيم عليه حد التحرش؛ الاحتقار والنبذ الاجتماعي على الأقل، نسينا تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا”، وجلدنا الفتاة عوضاً عنه.

 

 بقدرة قادر تحولت منة جبران الضحية إلى “مجرمة” وبالغ الكثيرون في انتقاد ملابسها، واستعراض أناقتها عبر النبش في حساباتها على فيسبوك وإنستغرام وغيرها، بل وتمادى المتحرش في إيذائها وبدأ في بث مقاطع فيديو مع أصدقائه وأشباهه يسخرون منها، وترددت أنباء عن تصويره إعلاناً تجارياً لإحدى شركات القهوة الشهيرة مع عروض أخرى بالتمثيل، كما تسبب في رفدها من عملها وغلقها جميع حساباتها، ومنع أهلها لها من الخروج من المنزل بعد تعرضها للتهديد من عائلة المتحرش “الواصلة”.

 

بل واضطرت الفتاة البريئة لتسجيل مقطع جديد تدافع فيه عن شرفها وتوتكشف عن تفاصيل من حياتها الخاصة مرغمة؛ مفصحة عن كونها اضطرت للعمل في وظيفتين يومياً للإنفاق على نفسها.

 

تدريجياً قل عدد المتعاطفين مع الفتاة، وبدأ البعض يلمح إلى أنها “استدرجت” هذين الرجلين لتوقعهما في فخ لاتهام بالتحرش، ويالعقليتنا المصرية البوليسية في كشف الحيل؛ هي الفتاة من وضعت كلمات التحرش على ألسنة هؤلاء المتحرشين وهي من أخرجتهم عنوة من سياراتهم لاقتحام خصوصيتها، هراء!

 

فئة أخرى تساءلت “لِم لَم تقدم على اتهام الرجلين في محضر رسمي عوضاً عن الفضيحة والتشهير؟”، لسخرية القدر، وبعد يومين فقط مما حدث مع فتاة التجمع الجميلة، تعرضت صديقتين أخرتين لحادث تحرش أكثر بشاعة، ويبدو أنهما استمعتا للنصائح التي قدمت لمنة جبران، فلم يكررا خطئها وسارعا بالاشتباك مع المتحرشين واصطحابهما لقسم الشرطة لعمل محضر تحرش.

 

جهاد وروزانا -الضحيتان الأحدث للتحرش القميء، تعرضتا للانتهاك الجسدي الصارخ داخل أقسام الشرطة –بشهادتهما- وتم اتهمامهما بالتعدي بالضرب من قبل المتحرشين، وعوملتا بكل قسوة كما لو كانتا غانيتين لمجرد رغبتهما في إثبات التحرش الذي تعرضتا له، حتى أنهما ندمتا على إيجابيتهما ونصحتا الفتيات بعدم تقليدهما!

 

 

 

 

من جديد نصح فلاسفة مجتمعنا الفتيات بعد تحرير محاضر أو الاشتباك مع المتحرشين والاكتفاء بالدعاء عليهم وتركهم لعقاب الله في شقيقاتهم وبناتهم.. يالها من دائرة مفرغة مقرفة من السلبية والجبن .. ألا يدري هؤلاء ما وصلت إليه سفالة المتحرشين من انتهاك حرمات الأجساد؟!

 

كل هذا القبح الذي يحدث بسرعة من حولي جعلني أتساءل فعلاً عن السبب الذي أدى بنا لهذا الحال، ولم أجد سوى إجابة أمي؛ لم يعد يخشى السارق في مجتمعنا بل يثق بأن الآلاف سيبررون له فعلته ويقفون بجانبه..

لم يعد القاتل يخشى عقوبةً رادعة فهناك دائماً “ثغرات القانون المنجية”.. حتى المغتصب عديم المروءة والشرف يجد ألف عذر ” ملابسها كانت مغرية”.. حتى إذا اغتصب طفلاً يبرر البعض للجاني جريمته بأنه “مريض نفسي” أو بالقول إنه ” لضيق الحال وتأخر الزواج والعري عبر الشاشات، لم نعد نخشى الله أو المجتمع أو الضمير بداخلنا” ومن هنا هانت النفس  وانتهكت الحرمات قبل أي شيء.

 

كما تقول القاعدة “الفساد يحمي بعضه بعضاً” فلا أرى في تبرير التحرش إلا ذئاباً تختفي خلف وجوه آدمية، فكل مدافع عن مغتصب هو مغتصب في الخفاء أو مشروع مغتصب في المستقبل،  وكل من يبرر لمتحرش ما هو إلا متحرش فعلي أو لم تواته الفرصة بعد.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.