اختيار المحررينثقافة

الراب في تونس.. بين أغاني الشوارع الخلفية والكلمات “المحترمة “

 

 

 امتد الراب ليصل إلى تونس مع بداية الألفية، لكنه ظل يتقدم باستحياء في أذهان وذائقة الشباب والمراهقين، كان فنا ممنوعا بقوة السلطة والجهاز القمعي للنظام السابق، لما حملته كلمات أغانيه من عنف وثورة خشي النظام ان يمتد لهبها ليوقظ شعلة التمرد في نفوس الشباب، فلاحق مغني الراب وتم منع تداول أعمالهم الفنية ما زاد في انتشارها سرا.

من قلب الاحياء الشعبية وبكلمات تعبّر عن واقع شريحة واسعة من الشباب،ظل الراب التونسي وفيا لأصول الشارع الذي يتيح التعبير بكل قسوة وفظاظة عن الألم الاجتماعي وحالات الرفض والنقمة والكبت الذي يعانيه أغلب الشباب.

الثورة تعيد الاحترام للراب

مع انفجار ثورة 14 يناير/جانفي 2011، حظي الراب أخيرا بالمكانة التي انتظرها فنّانوه طويلا، فلم ينس أحد أن عددا من الرابورات حينها  اختاروا ان يكونوا صوتا يرفض التدجين زمن الاستبداد، وكانت النتيجة اعتقالات ومصادرة وتتبعات أمنية..

رغم ذلك واصل الراب انتشاره وخرج من مرحلة الهواة التي عاشها في سنوات الألفية الأولى، بما تضمنته من عبارات خارجة وخادشهم مستقاة من قاع المجتمع، أوالـ underground  واستطاع “الرابورات” أمثال “غيتو أن”، والجنرال، بأغان مثل “رايس البلاد” التي انتقدت  الرئيس ودعته إلى الخروج إلى الشارع والنظر إلى حال الشعب الذي يموت من الهشاشة الاقتصادية وانسداد الآفاق، إلى الوصول إلى واجهة الأحداث وصنف الراب فن الثورة المدافع عن الحرية وكاسرا للأغلال الاجتماعية والسياسية.

 

 

استطاع الراب ان يفوز بالاحترام المطلوب الذي  فرض وجوده على الساحة، وأصبح طرح الكلمات أكثر نضجا وجرأة وانفتح ليتناول مواضيع عديدة تمس الشباب مباشرة، لكن في نفس الوقت، بدأ يسقط في الألعاب التجارية وحتى السياسية منها.

من صرخة غضب لتهذيب اللغة

وفّر تحرير الانترنت من “عمار 404″، الاسم الذي كان يطلق على عملية حجب عدد من المواقع في تونس منها “يوتيوب”، خدمات مجانية لمغنيي الراب، ومكنهم من الانتشار السريع والسهل، فأصبحوا بإمكانيات بسيطة يحققون انتشارا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي وساهم قبول وسائل الإعلام الخاصة منها في مرحلة أولى لإذاعة أغاني الراب استضافة مؤديها في تغلغلها داخل المشهد الثقافي التونسي.

 

بلطي من أشهر الرابورات في تونس

 

في نفس الوقت، جلب هذا التعاطي الإعلامي المكثف مع الراب الشهرة لعدد من الفنانين المغمورين، فأصبحت المنافسة على أشدها وتحول هذا اللون الفني الى سوق للاستهلاك يحقق فيه المنتجون والفانون أرباحا ضخمة لم يحلموا بها سابقا، هنا بدأ التغير في أغاني الراب.

فبعد أن كان الفنان يكتب وفقا لما يعيشه ويعانيه ويفجّر غضبا وكبتا وقضايا حارقة تؤرق شبابا وعائلات سحقت تحت وطأة النظام القمعي، أصبح شعار “الجمهور عاوز كده” هو المسيطر على الأغاني الجديدة للراب: وتحولت المنافسة أحيانا حتى إلى الساحة السياسية، فقد أثار “كافون” أحد مغني الراب الجدد، ضجة وجدلا عند قبوله الترويج للحملة الانتخابية الرئاسية لحزب نداء تونس سنة 2014، وتواصل الجدل ووصل حد التراشق بالتهم بينه وبين “كلاي بي بي جي” في أغان “هجائية ” متبادلة.

نجح الراب التونسي في افتكاك مساحة واسعة في المشهد الثقافي، وأصبح معترفا به حتى في أعرق المهرجانات كمهرجان قرطاج الدولي، واستجاب للذائقة الفنية العامة التي ترفض الكلام الفاحش والخارج عن الأخلاق والآداب العامة، فتم تهذيب الكلمات لتوافق التمشي العام ولتنتشر أكثر فأكثر حتى بين المراهقين أمام سمع وبصر العائلة.

في نفس الوقت، بقيت الأطر الرسمية كوزارة الثقافة والهياكل المعنية شبه غائبة عن هذا التوجه الفني الجديد نسبيا في تونس رغم أنه تغلغل داخل النسيج الثقافي وصنع حوله هالة من “النضالية” أعطته الحق في أن يكون مسموعا وله قاعدة جماهيرية محترمة استطاعت ان تفتك مكانا لها على الساحة رغم ضعف الإمكانيات.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد