ثقافةغير مصنف

دراما في حضرة الغياب: محمود درويش المفرد المتعدد

دراما عربية

 

فإن سقطت وكفي رافع علمي سيكتب الناس فوق قبري لم يمت”

هي بعض كلمات من كلمات درويش  من قصيد في حضرة الغياب وهو العنوان الذي اختاره صناع دراما تروي سيرة الشاعر الخالد.

 

قدم صناع هذا العمل مادة فنية دسمة تتسق مع قيمة الشاعر العربي الكبير. كما أن هذه السيرة هي مسار لوطن وللتغريبة الفلسطينية بأكملها، وليس ترجمة لحياة فرد فقط.

وقد جسد دور محمود درويش الممثل السوري فراس إبراهيم وأخرجه نجدت إسماعيل انزور وكتب النص حسن م يوسف.

وتقاسم ادوار البطولة فيه كل من سلاف فواخرجي ولينا حوارنة واسعد فضة وعبد الحكيم قطيفان.

 

 

عملت مؤسسة فراس إبراهيم التي أنتجت هذا العمل على الاستلهام من كتب  أثر الفراشة ووفي حضرة الغياب ثم   ذاكرة للنسيان.

تبدأ هذه الدراما برصد تفاصيل حياة الشاعر الطفل محمود الذي جسد دوره في سن الطفولة يزن الحاج خميس وهو يتميز بهشاشة جراء امتناعه عن الأكل رغم محاولات أهله إجباره على تناول الأطعمةالمفيدة.

 

في قرية البروة التي رأى درويش فيها النور لأول مرة تنطلق الحكاية حكاية فلسطين أو الجنة الضائعة كطفولة درويش التي تمر كحلم اسر أفل بسرعة.

 

 

وذات ليلة بلا قمر تسلب منه طفولته عنوة، فتحت جنح الظلام تتسلل الأقدام الهمجية التي استباحت الوطن ومصيره أهله ليغادر درويش الطفل مع عائلته قريته وضيعته وتفاصيل طفولته الجميلة تاركا خلفه عالم البراءة ليواجه سؤالا وحشيا: ما معنى لاجئ ما معنى وطن؟

سيرافق هذا السؤال درويش طوال حياته وان كان لا حقا سيجيب عليه بنبوغه الشعري وعبقرية صوغه للكلمات.

أذن يجد الطفل نفسه لاجئا في لبنان ويبدأ في اكتشاف عالمه الجديد ثم يعود إلى فلسطين متخفيا بعد أن فقد اسمه وبات ينادى برقم ككل الذين لجؤوا إلى لبنان.

 

 

في هذه المرحلة سيشرع درويش في تعلم أبجديات الشعر والوطن .

في مرحلة الشباب التي جسدها ببراعة فراس إبراهيم سنلمس شخصية الثائر الرافض للقيود والذي يكلفه موقفه الاعتقال في زنازين المحتل.

وتبدأ رحلة المقاومة وفي الزنزانة الضيقة تعلم درويش ترويض نفسه على ما يكره وأتقن لعبة الاختزال والرموز وكتب قصائده الأولىالناضجة.
وسلمته زنزانة المحتل الى المنافي فغادر وطنه مجبرا ليخوض تجربة الترحال حاملا وطنه في حقيبة كما قال في إحدى قصائده.

 

 

كان منفاه الأول بيروتيا إذ عاد إلى هذه المدينة التي دخلها لأول مرة وحاك معه خيوط علاقة متشابكة برزت في شعره.

في هذه المرحلة تلاحق كاميرا انزور تفاصيل حياة درويش المشبعة بالتفاصيبل والغنية بالنضال في زمن مشتعل وتلهث خلف خطواته السريعة الراكضة التي تلتهم الحياة بكل دقائقها فهو الشاعر والثائر والمناضل والصحفي الذي يعيش تحت القصف.

وعلى امتداد هذا المسلسل اختار صناعه ان تكون الصورة في تمام الاتساق والتماهي مع شعر درويش فجاءت ذات مشهدية عالية موغلة في الشعرية ومحملة بالتفاصيل.

ويتوقف المسلسل عندما مغادرة درويش بيروت سرا في اتجاه دمشق. ثم يرصد تفاصيل حياته الباريسية وهو المنفى الذي اختاره في ما بعد ويشير لقصص الحب التي عبرت حياة درويش بدءا بريتا التي فرقته عنها البندقية كما كتب في رائعة ريتا والبندقية والتي جسدت دورها بشكل رائع الفنانة سلاف فواخرجي وصولا إلى عاشقات من كل أنحاء الدنيا.

 

 

ومن نقاط القوة في دراما في حضرة الغياب أنها أنسنت الشاعر الكبير الذي اختصرناه في القصيدة والقضية لكننا في هذا المسلسل نرى هشاشته النفسية في وحدته ونلمس تقاطع الفردي المغرق في الذاتية مع الجماعي الموغل في العمق.

فهذا العبقري البسيط تتلصص الكاميرا عليه وهو يحلق ذقنه ويعد قهوته الصباحية بلمسة عاشق.

وهذا الساحر المدهش الذي يجاور الخرافة  ترصده الكاميرا في يومياته العادية وهو يرتب فوضاه ويطالع الصحف مستمتعا بصوت آم كلثوم آو بمباراة كرة قدم.

هو درويش الفرد المتعدد العبقري المدهش الذي حاول صناع مسلسل في حضرته الغياب رصد كل أبعاده وتقديمها إلى المشاهد في عمل مختلف يرنو إلى تخليد سيرة شاعر فذ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.