مجتمعالرئيسيغير مصنف

ختام الخطيب “معلمة حديدية” في مدرسةٍ بائسةِ الحال

تتفوق على مدارس الخليل ويلتحق بها أبناء الأثرياء

     

هديل عطاالله- مجلة ميم

لم تفز المعلمة ختام الخطيب من قبل بجائزة؛ وربما يحدث ذلك يوماً؛ حتى وإن لم يحدث؛ تكفيها هذه البطولة؛ أنها فازت بقلوب الصغار الذين لا يعرفون المجاملة في الحب؛ هي التي عملت بصمت ومثابرة في بيئة صفية صعبة كي تُعلّم الأطفال دون كللٍ أو ملل.

وكان تدريس أولاد الصف الأول الإبتدائي بالنسبة لها تجربة في قمة الجمال؛ تحبهم حباً جما وحتى أثناء الإجازة الصيفية تشتاق لهم؛ “هم قطعة منها”؛ فإذا ما سافرت أحضرت لهم الحلوى التي لا تتواجد في مدينة الخليل لتوزعها عليهم في أول أيام العام الدراسي؛ قلبها يمتليء بالإخلاص والقوة ولولا ذلك لما اجتازت جبالاً من التحديات.

ذات يوم كانت منهمكة في العمل تجلس أمام شاشة الحاسوب في المدرسة؛ بدأت قطرات المطر في الهطول فهرعت إلى صفها؛ لتسأل “قِطع السكر”: “شو لازم نعمل هلأ والسما بتشتي!”

بصوت جماعي كان الجواب: “بدنا ندعي ربنا”؛ وحين سألتهم عما سيكون دعائهم؛ قالوا: “يا رب تخليلنا مستّنا مِسّ ختام”؛ في تلك اللحظة كادت أن تطير فرحاً أمام هذا النقاء والعفوية؛ تماماً كما في لحظة ساحرة أخرى اقترب منها طالب في الصف الأول وقد أحضر قلب أحمر كبير وكتب اسم “ختام” في منتصفه؛ طلب منها أن تخفض رأسها لمستوى أذنه ثم همس لها: “هذا قلبك الجميل يا مِس”؛ وما أكثر الخواتم التي يجلبونها لمعلمتهم؛ تلك الخواتم الملونة التي ترتديها بنات الخامسة؛ لذا لجأت إلى فكرة  “صندوق” تحتفظ فيه بأشيائهم التي تساوي الدنيا وما فيها.

“مراسلة ميم” بحثت عن إنسانة من هذا الطراز؛ معلمة لم تعرف الأضواء من قبل؛ تنسى أن عمرها 46 عام حين تغني وتصفق بصحبتهم: “هالصيصان شو حلوين”؛  دعونا نصغي بكل حواسنا إلى تجربة تستحق أن نراها أمام منصات التكريم.

 

 

ختام مع طلبتها

 

أمام امتحان لا يحتمل

روحها تبعث على الطمآنينة؛ كلامها لا تكلف فيه ولا ادعاء؛ تفتتح الحديث بالعودة إلى ماضي بعيد جميل: “أنا أصغر إخوتي الذين يبلغ عددهم 14؛ كنت ذكية جدا في المدرسة ولم تنساني معلماتي- بيضّ الله وجوههن-  إلى الآن؛ وكلما صادفتُ معلمتي في الصف الأول “الست روضة” سلّمت عليها بحرارة واستجمعتُ  صدق مشاعري وأنا أقول لها: “معروفك على راسي؛ على إيدك تعلمت الحروف وراح أبقى ممتنة لك حتى آخر يومٍ بعمري”.

يبتسم صوتها الحاني وهي تتذكر أحب الناس إليها: “تربيّت في كنف أم أمية؛ وأب توفي بعد أن عاش ردحاً من الزمان؛ كنت حين أعود بشهادة التفوق في نهاية العام الدراسي يناديني أبي إلى مكتبه ليتفاخر بي أمام “الختايرة”- العجائز-؛ تخيلوا أن والدي “المُعمر” رحمة الله عليه كان يعد لي القهوة بيديه الطيبتين حين كنت أدرس الدبلوم؛ وقد تمنى كثيرا أن أدرس الصيدلة؛ وأما أنا فلم يخطر ببالي أن دروب الحياة ستحملني إلى التعليم؛ لكن لله حكمة أشكره عليها في اليوم ألف مرة أن اختار لي هذا الطريق”.

 

أنسى همومي حين أدخل “الصف الأول” وفي السفر ابتاع الحلوى ليتذوقها كل الأولاد

 

قبل 23 عام تخرجت ختام من قسم برمجة الحاسوب إلا أن فرص العمل في ذلك الوقت لم تتوفر لاختصاصها؛ تقول ختام: ” في العام الذي تخرجت فيه أعلنت وزارة التربية والتعليم عن حاجتها لمدرسين في تخصص الرياضيات الذين كان خرّيجيه قلة في ذلك الوقت؛ فوجدوا أن تخصصي هو الأقرب؛ وبحمد الله نجحت في المقابلة وحزت على الوظيفة”.

تسع سنوات قضتها في مدرسة ترقوميا بالخليل؛ وكانت تلك الفترة من أجمل أيام حياتها كما تقول: “اكتسبت خبرة غنية من مديرتها وداد بدر؛ كانت تشرح أمامي الدروس ببراعة حتى صارت طريقة تدريسي طبق الأصل عن تدريسها؛ وبفضل الله أبدعتُ في تدريس العلوم والتكنولوجيا والفنون؛  أما مهارتي في الرياضيات فقد جعلت المشرفة التي تحضر لي تكتب في كل مرة في ورقة التقييم حين تملأ البيانات؛ (التخصص/ بكالوريوس رياضيات)؛ ثم تضحك وتخبرني: “في كل مرة أخطيء؛ إبداعك ينسيني أنك لست خريجة رياضيات “؛ لقد غمرني الشغف في هذه المادة لأن مدرساتي عملن على تطوير نقاط قوتي فيها”.

لكن أتعلمون أين المميز في حكاية ختام؛ لقد عملت قبل عامين في مدرسة “الفاروق الأساسية للبنين” التي أبرزت قدراتها الحقيقية أمام امتحان لا يُحتمل بالنسبة لمعلم عادي؛ ولكنها ختام!

تتحدث بإسهاب: “أوكلت لي إدارة المدرسة مسؤولية صف فيه 27 طالب لتدريسهم كل المواد ما عدا اللغة الإنجليزية؛ فيما يعرف بــ “المعلم التكاملي”؛ حقيقة كان ضبطهم أمر صعب إلى درجة أن معلمتين قبلي هربتا من المهمة؛ لقد شعرتُ بالصدمة إلى درجة أني كنت أعود كل يوم إلى البيت ودموعي على خدي؛ أسأل نفسي: “كيف سأحمل هذه المسؤولية في عنقي!” ثم أفرد سجادة الصلاة وابتهل إلى الله أن يعينني على أداء واجبي واستجاب الكريم لدعائي؛ في ذلك الوقت كان قد مرّ شهر كامل على بداية العام الدراسي؛ وقد انتظم حال الصفوف الأخرى؛ لم أعرف هل أؤهلهم للدروس القادمة أم أضبطهم أم أعالج الذي قبل؛ لدرجة أن أحد المشرفين قال: “إذا صمدت هذه المعلمة فإن اسمها ليس ختام بل المرأة الحديدية”.

حزنت كثيراً؛ لكن معلمتها “روضة زيتون” التي درستها في الصف الأول لم تفارق خيالها؛ تقول عنها: “كانت معلمة رائعة وأما حنون- أدام الله عليها الصحة والعافية -؛ لم تغضب يوما علينا بل امتصت مشاغباتنا لأبعد حد؛ إنها قدوتي في تدريس الصف الأول؛ كنت كلما غضبتُ تتدفق طمآنينة عجيبة تهدّأ من روعي: “لا بد وأنه سيمضي وقت ثم سيتقبلني الطلاب”؛ وهذا ما حدث فيما بعد؛ فقد زادوا من عشقي للتعليم حتى بت أراه مصدر حياتي الذي أتنفس منه”.

وبأسلوب مشوق تتابع حديثها: “شئت أم أبيت كان لزاماً علي أن أمضي في المنهاج الجديد الذي كان يطبق لأول مرة؛ ولحسن حظي أنه تم اختياري حينها لحضور دورة عن المنهاج الجديد تتبع وزارة التربية والتعليم؛ والتي تميزت فيها؛ ثم دربت برفقة زميلة لي معلمي مدينة الخليل شرحنا فيه طبيعة المنهاج؛ وقبل كل شيء توكلت على الله وعقدت اجتماعاً مع الأمهات؛ وكلما انزعجت من سلوك طفل تواصلت مع أمه كي تساعدني في علاج الخلل”.

مضي شهر واحد وأصبح هذا الصف مدهشا؛ لقد شعر الطلاب بحب معلمتهم وأن كل ما تريده أن يكونوا من “الشطار”؛ حتى المواد البعيدة عن تخصصها مثل اللغة العربية أبدعت فيها بعد أن طورت أدائها بمساعدة معلمات أخريات لا تنسى فضلهن مثل المعلمة “منى البو”؛ ناهيك عن من أسسّنها في لغة الضاد من معلماتها القدامى مثل: رضا عسيلي و غادة الجعبري؛ وقائمة الفضل تطول؛ حسب تعبيرها.

 

مدرسة الفاروق

 

مدرسة التناقضات

في مدرسة تحمل اسم “الخليفة العادل” عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ولو أنه مر من هنا تُرى ماذا كانت ستقول “دّرته” – سوطه – ؛ ها هي صاحبة القصة ترسم المشهد لتتحدث عن مقومات البيئة التعليمية للمدرسة التي رمتها الأقدار إليها؛ لتقول:

“طوال الوقت أحاول التركيز على ما استطيع فعله مهما كان الواقع مؤلماً؛ لذا سعيت وسأسعى لأن يتعلم الطالب في أجواء جميلة ومرحة ؛ إذ أدعم بكل الوسائل لتطبيق فكرة التعلم باللعب؛ حسناً سأتحدث بالتفاصيل؛ صفي مساحته ثلاثة أمتار في أربعة؛ وفيه 31 طالب ووسائل كثيرة؛ جدرانه سيئة لذا بادرت إلى تركيب “موكيت” لها؛ عبر تبرع كريم من الأهالي حتى أعلق عليها الوسائل التعليمية؛ ففي الوضع السابق كنت أعجز عن دق مسمار في الجدار؛ كما أن السقف معرض للسقوط وأبلغنا “البلدية” بذلك؛ كما أن الدرج لا يخلو من الخطورة؛ المعلمات قليلات والمدرسة صغيرة جداً وملعبها لا رفاهية فيه؛ كان طلاب شعبتي يجلسون في “فرندة”- شرفة-  تتبع للملعب؛ والأولاد غير منضبطين؛ لقد احترت من أين وكيف ابدأ”.

 

مديرتي لها كلمة جميلة: (مبنى المدرسة ليس بجدرانه بل بسكانه)

 

الغريب أن هذه المدرسة استطاعت أن تخرّج طلابا تفوقوا على أهل المدينة؛ على صعيد العلم والأدب وذلك بفضل معلماتها ومديرتها وحتى أذنتها؛ تبتسم برضا وحب غامر؛ متابعة:

“لقد تكاتفنا جميعاً بشكل جميل في وجه الظروف؛ كانت المقاعد مُكسّرة إلى درجة أن الطفل إذا وضع أصبعه يُجرح؛ استثمرت كل بلاطة وكل شبر في السقف؛ حتى الباب؛ لا مجال هنا لوضع خزانة؛ لذا علقت رفوفاً في الأعلى وفي كل مرة أحضر وسيلة أصعد على الكرسي لجلبها؛ هكذا هو ابن الصف الأول يحب الأشياء زاهية الألوان؛ علماً أن هذه الوسائل نرجع لها باستمرار؛ لأن المنهاج يرتبط ببعضه في أول السنة وآخرها؛ اتفقت معهم أن “هذه مملكتكم”؛ ومنذ ذلك اليوم والطلاب لا يمكن أن يتلفوا أي وسيلة؛ بل من أن المفرح أن يخبرني آذن المدرسة: “يمر أسبوع كامل دون أن أضع المكنسة في صفك”.

“ذلك أني علمتهم المحافظة على نظافة الصف؛ فإذا ما وقعت طبشورة أسارع لالتقاطها حتى لا أدوس عليها وألوث الأرض؛ و إذا ما حانت فقرة “اللعب بالصلصال” يرتبون بعدها الصف في “خمس دقائق” دون أن يبقى أثر للفوضى”.

وتولي ختام أهمية بالغة لإعداد الوسائل التعليمية؛ موضحة وجهة نظرها: “عاهدت الله عز وجل أن أبر والدايّ بأن أتبرع عن روحهما بصدقة لوجه الله تعالى؛ فهما من تعبا في تعليمي والله أكرمني بالنجاح؛ وتعاتبني المديرة أحيانا على شراء الجوائز من جيبي الخاص؛ وحينها أرد عليها : “إن ميزانية المدرسة فقيرة جدا؛ ولا يمكنني أن أحملها فوق طاقتها؛ وقد ألهمني الله لابتكار وسائل بسيطة لا مبالغة فيها ومميزة وتحقق الفائدة المرجوة؛ وكلما عرضت وسيلة ونشرت فيديو لها على صفحتي الشخصية في “فيس بوك” راسلتني معلمات تطلبن مني أن أوضح طريقة صنعها”.

وتضيف في هذه النقطة: “بذلت جهداً في هذا الجانب منذ اللحظة الأولى لتعييني؛ كان المشرفون يأتون من “المديرية” حتى يطلعوا على وسائلي؛ حتى أنهم أبدوا رغبتهم في أخذ عينات منها؛ بــ طِيب نَفس أمنح وقتي وأقدم المساعدة لأي أحد يستشيرني؛ إلا أنها عزيزة علي قلبي؛ ولهذا السبب رفضت أن أفرط في أي منها؛ وفي كل الأحوال لست معنية بالشهرة أو أي مقابل مادي قد أجنيه من المشاركة في معارض لهذا الغرض”.

 

 

حين يحدث المستحيل

تعتز المعلمة ختام بكلمة مأثورة لمديرة مدرسة “الفاروق” السيدة سحر أبو رجب: “المبنى ليس بجدرانه بل بسكانه أي بمعلماته وطلابه”؛ ففي كل صباح تنتظر الصغار كي تساعدهم على قطع الشارع بأمان؛ أي أن هذا لا يحدث فقط في “كوكب اليابان”؛ إذ تقع المدرسة “قديمة المبنى” في شارع ضيق جداً ويجاورها مصانع مما يعني أن الشاحنات تمر يومياً؛ وبالتالي تتحول المعلمات والمديرة في موعد الصباح والانصراف إلى “شرطة مرور”؛ حفاظاً على حياة الطلاب.. “نعمل جميعاً كــ خلية نحل؛ وزميلاتي في العطاء والتعاون مثلي بل أفضل مني” إنه بالمختصر سر مدرسة “الفاروق”.

و تضع “أم أحمد”- كنية ضيفتنا – ؛ مراسلةَ ميم أمام المشهد بوضوح؛ عبر قولها: “تحرص مديرتنا على استقبالهم بوجه بشوش؛ والطالب الذي يسلم عليها تحتضنه بحنان؛ إلى درجة أن الطلاب يسألوني: “لماذا نأخذ إجازة يومين؟”؛ وأحيانا تشكو لي أمهات بعضهم : “ما بسمع كلامي ولا بنام بدري؛ تحدثي معه أرجوكِ فإن “كلمتك عنده لا تنزل الأرض”؛ هم يسمعون كلامي ليس خوفاً مني بل حباً لي؛ وإن طلبت أي شيء منهم يسارعون إلى تلبيتي؛ أذكر أنه قررنا أن ننظم يوماً عن الفواكه الصحية؛ وصار الصف “سوق فاكهة”؛ ومكثت طوال اليوم أقشرها وأزينها؛ أكلوا وهم سعداء وحافظوا على نظافة الصف؛ وحسب تجربتي أؤكد أن المعلم الناجح هو من يكسب حب الطالب وأهله؛ حينها يحدث المستحيل ويتحسن الضعيف”.

في بداية العام يأتي الصغار دون أن يعرفوا قراءة حرف واحد؛ وفي نهاية السنة تستمتع بحصاد ما زرعته؛ إنهم بفضلها الآن يكتبون ويقرأون بطلاقة؛ حديثها يجعل المرء يشتهي العودة إلى مقاعد الصف الأول؛ فتقول:

“التعليم بناء وأنا أؤسس وغيري يكمل البناء؛ تخيلي أن في مدرستنا تدخل الواسطات من أجل قبول الطلاب الجدد؛ أي نعم أن المبنى في وضع سيء ومع ذلك فإن أغنياء مدينة الخليل يرسلون أبناءهم إلينا؛ وهذا لأنهم يعرفون مدى تميز طلابنا الذين يوصفوا خارج أسوار المدرسة بالعباقرة؛ إذ لا تتسع شعبتيّ الصف الأول لأكثر من 66 طالب؛ فيما يتقدم ما يزيد من 200 طالب للتسجيل ونضطر للرفض؛ لأنه يُسمح فقط بقبول قاطني المنطقة المجاورة للمدرسة؛ وإنه لشرف كبير حين يسأل أحد كبار البلد عن مدرسةٍ خاصة ليسجل ابنه فيها؛ فإنه يُنصح على الفور: “عليك بمدرسة الفاروق الحكومية”؛ وحين تستلم “أم” أوراق ابنها من الروضة؛ وتخبر المعلمات أنها ستلحقه بالفاروق؛ يأتيها الرد: “إن شاء الله يطلعله”؛ فمن يُقبل هنا يُغبط على حسن حظه؛ وهل هناك معنى أكبر من أن يزورنا الأهالي باستمرار حتى بعد تخرج أولادهم من المدرسة”.

 

قلب من طالب

 

قواعد جميلة

هي معلمة تُوصف بالشخصية الشجاعة القوية؛ وما أقرب دمعتها حين ترى الحزن في عيني طالب؛ إلا أن لها من التدبير والحنكة ما يثير الإعجاب؛ تسرد بعضاً من طرائقها الخاصة في التعليم؛ على النحو التالي:

“من أجمل الأفكار التي طبقتها أني أصنع من كل طالب “معلم صغير”؛ حين يقف أمام السبورة ليشرح أصوره فيديو وحينها يُسر أهله به ويساعدوه في التحضير؛ وبالتالي صار كل منهم يحرص أن يركز معي ويتمنى أن يقف مكاني؛ علاوة على ما سبق أمنحهم فرصة للحديث والتعبير عن آرائهم وأفكارهم؛ أو موقف في يومياتهم؛ والنتيجة شخصيات قوية؛ ولغة عربية متينة؛ ذات مرة دخلت المديرة ودُهشت من مقدار ما يعرفونه؛ قائلة بكل جدية: “بسم الله ما شاء الله يجب أن أرقيهم- الرقية الشرعية- “؛ فقد عوّدتهم على التوسع في المعلومات بحيث لا يقتصروا على المنهاج فقط “.

ومما تتبعه أيضاً في نظامها الخاص: “أحرص على أن التقط الصور لهم جميعا مهما بدا الموقف بسيطا؛ وأدلل الطالب الضعيف أكثر من المجتهد؛ وبحكم تجربتي فقد أينعت الثمار مع المقصرين؛ فمن الخطأ أن أشعر أياً منهم بأنه أقل شأناً من أقرانه؛ وبذلك أضمن أن يتحسن ويتجاوب معي طالما أنه أحبني”.

 

استثمرت كل بلاطة وكل شبر في سقف صف لا مقومات لديه

 

وتستمر في سرد ما يدور في أروقة مذكراتها: “أرفض أن يُدرّس الأهل الابن لأني ضد أن أرهقهم؛ باستثناء المراجعة السريعة؛ لأن ولي الأمر لا يقع على عاتقه تأسيس طفله؛ ولذا لا أعطيهم واجب نهائيا؛ وأنا ضد فكرة أن يحمل الصغير الكتب؛ إذ تبقى كتبهم معي؛ كما أني احتفظ بقرطاسية كاملة لأن ابن الصف الأول يضيّع أدواته باستمرار؛ كما أضع الحاجيات على الطاولة؛ وقد علمتهم الأمانة وألا يلمسوا ما ليس لهم والحمد لله أنهم تخلّقوا بالسلوكيات الحميدة؛ وهذه مهمتي أن أغرس القيم في كل نهار”.

وتضحك من قلبها وهي تقول: “أولادي في الصف حين يراهم أي أحد يحبهم؛ ولن أملّ من ترديد عبارة “أيها المعلم اكسب حب طالبك وسيحدث كل ما تتمنى”.

لم تنتهي قواعدها بعد؛ بل هنالك المزيد: “حين يصححوا لي خطئي لا ألومهم على ذلك؛ صحيح أني معلمة لكن جل من لا يسهو؛ أحيانا أنسى وأكتب شكل الحرف ليس كما علمتهم إياه؛ بصورته الصحيحة؛ على سبيل المثال حين أكتب عنوان درس الرياضيات؛ وبعد أن “يمسكوا علي غلطة” اتعامل مع الموقف على هذا النحو: “يا حلوين لقد تعمدتُ أن أخطىء حتى أرى مدى تركيزكم”؛ وكم يفرح التلميذ أنه صححَّ لمعلمته”.

 

لغة تواصل إبداعية

وتعطي ختام الخطيب أقصى طاقتها للعمل بقاعدة: (أسمع فأنسى؛ أرى فأتذكر)؛ وتشرح مقصدها: “السماعي لا يكفي؛ لكن “الوسيلة” فيها سمة التوثيق وبها أشرح دروس الحروف؛ وكل حرف جديد له يرحبون به وهم “فرحانين” يغنون وينشدون له وكأنه ضيف قادم من المريخ!؛ كم افتخرت بهم في “الحرف الأخير” حين حضّروا بأنفسهم وسائله وصوره ورسوماته؛ وما أمتعها من حصص والأهم أنهم لا ينسون الحرف الذي تعلموه في أجواء تجديد أضفيها تفوق جمال أجواء البيت”.

تنسى “ضيفتنا” هموم الدنيا حين تدخل فصلها؛ بل أنها بمجرد أن ترى الطلاب يصطفون في طابور الصباح تشعر أن الدنيا تضحك؛ وفي الإجازة تفتقدهم؛ وتكون في قمة سعادتها إذا ما رأت البسمة على وجوههم.

وعلاوة على ما سبق ترفض تماماً أسلوب الضرب؛ وتصب “الحنان” كله في عبارتها: “هم تعوّدوا على دلع الطفولة وجاؤوا من أحضان أمهاتهم؛ وإذا ما وجدوا معلمة صارمة حتماً سيكرهوا المدرسة؛ وعادة في الأسبوع الأول من العام لا أعطي دروسا؛ بل اهتم بتأهيلهم نفسياً حتى يتقبلوا المدرسة؛ أفرش السجادة لنقفز ونلعب و”نحجل” ونرقص معاً؛ وإذا رأيت طفلا جائعا أسمح له خلال الحصة بأكل ساندويشته حفاظاً على صحته؛ وبكل حب ألبي طلب طفل: “مِس اربطيلي بوتي- حذائي- “.

وتُبدي “ناصعة القلب”؛ حزناً لأن “أولادها” سينتقلوا إلى الصف الثاني؛ لقد جربت الأمومة مرتين؛ أولاً مع أبنائها الحقيقيين؛ وثانياً مع “قطع سكر” نجحت وبجدارة في خلق لغة تواصل معها؛ سألتها عما تعنيه بهذه النقطة؛ فقالت: “أثناء الشرح حين أرفع كف يدي يفهموا من هذه الإشارة “ولا رمشة” أي أني أريد الصمت والانتباه؛ وإذا ما رأيت أحدهم شارد أرمقه بنظرة يبادر على إثرها للاعتذار”.

 

أراعي الضعيف أكثر من المجتهد.. وأنا جزء من “خلية نحل” تعمل لمصلحة الطالب

 

ومثلها لا يتوانى عن التحفيز بكل الطرق الإبداعية التي قد لا تخطر ببال؛ والأمر أكبر من مجرد الألعاب والهدايا؛ تقول: “في بداية كل شهر ابتاع حاجيات لذيذة يحبونها؛ أفكر بهم في كل وقت حين أنام وأصحو؛ وعندما سافرت في العطلة إلى عمان جلبت معي المأكولات التي لا توجد لدينا في المدينة؛ من لبّان وملّبس ومصاص؛ ومن باب التشجيع أخبرتهم أن “من يفعل كذا سأعطيه من الحلوى”؛ لكني أحرص على إطعام جميع الأطفال حتى الضعاف منهم حتى لا يشتهوها؛ على سبيل المثال أقول: “فلان نظيف”؛ أو “فلان عالي التركيز”؛ إنني معنية لأبعد حد أن يشعر كل واحد فيهم أنه ولد محبوب؛ وحتى من أحبهم بشكل خاص لا أظهر ميلي لهم؛ وأسعى بشدة لأن أراعي الطالب الضعيف أكثر من المجتهد حتى يحبني ويبذل جهده”.

تفاصيل تدعونا للتفكر فيها؛ تختمها معلمة في وجهها “قمر حب لا ينخسف”؛ بالقول: “اسأل الله أن يشفع هؤلاء الصغار لنا يوم القيامة؛ لقد وهبني الله كرامة أن أصبح معلمة؛ ولا يمكن يوماً أن أفكر بمنطق “أعطي على قدر راتبي”؛ كل طالب هو أمانة في عنقي؛ أتخيل حفيدي في المستقبل هل أرضى أن تقصر معلمة في حقه؛ لا والله”.

النجاح الحقيقي بالنسبة لها أن تصادف طالبة سابقة لها في الطريق فتتهلل أساريرها بالفرح؛ لأنها وأخيرا التقت بــ “مس ختام” من جديد؛ لتخبرها بالبشارة: “تلميذتك أصبحت مهندسة أو طبيبة أو أم سعيدة”؛ النجاح في نظرها هو أن يتواصل معها معلمون من دول شتى يستلهمون أساليبها في التدريس؛ النجاح أن تقع عينها على منشور لوزارة التربية والتعليم”: اكتب اسم معلم أثرّ في حياتك”؛ فتجد “الإشارات” من طلابها تنهال على اسم “ختام الخطيب”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ختام الخطيب “معلمة حديدية” في مدرسةٍ بائسةِ الحال”

اترك رد