الرئيسيثقافة

امرأة من هذا العصر: رحلة مريضة بسرطان الثدي في عوالم المرأة الحميمة

سلسلة الأدب النسائي

 

أصبح سرطان الثدي لعنة النساء في هذا العصر بل شبحا يتربص بهنّ ، تصاب المرأة بهذه اللعنة أي -هذا المرض الخبيث- فتنهار في اللحظة الأولى وتحاول الرجوع إلى الماضي فتستعيد بذاكرتها عوالمها الحميمة المهددة ، إنّها في الماضي أنثى مكتملة وفي الحاضر أنثى يهددها المرض باستئصال إحدى رموز فتنتها ” النهد “.

تخاف المرأة أن تعيش وقد انتقص من فتنتها، من أنوثتها، تخاف أن تلبس الصدرية بعد المرض محشوة بالقطن أو أن تتخلى عنها للأبد وتودع معها قوتها وثقتها بنفسها.

من هذا المنطلق، تناولت الروائية السورية هيفاء بيطار  في روايتها “امرأة من هذا العصر ”  مرض سرطان الثدي من خلال حكاية مهندسة ناجحة في عملها أصيبت بهذا المرض، مما استدعى استئصال ثديها.

 

 

“كيف يطاوعك قلبك على أن تقطعيني وترميني خارجك “، جملة موغلة في الوجع الأنثوي في خضم مأساة لا يعرفها سوى من عاشها، حاولت الروائية هيفاء البيطار الولوج إلى عالم النساء وكسر الصمت حول معاناة المرأة المصابة بسرطان الثدي والمرأة بشكل عام.

وقد اتسمت أغلب أعمال البيطار بالشجاعة في تناول قضايا النساء المسكوت عنها في أعمال مثل  رواية ” امرأة في الخمسين ” أو  مجموعاتها القصصية ” الساقطة ” و”ضجيج الجسد ” وغيرها من أعمالها الغزيرة. ويعود هذا إلى انفلات الكاتبة من تقاليد الشرق وتحررها وهو ما انعكس بشكل مباشر على نصوصها.

 

 

اعتمدت هيفاء البيطار في روايتها “امرأة من هذا العصر ” تقنية المونولوغ الداخلي لتتحدث البطلة عن تجاربها العاطفية السابقة، فلم يكن مرض السرطان سوى الخطوة الأولى في تعرية التابوهات أو حيلة اعتمدتها الكاتبة لتلج إلى موضوع الماضي العاطفي للنساء وعلاقتهن بالرجل والمجتمع.

في العادة يتحدث الرجل عن ماضيه مع النساء بمباهاة وفخر شديد فيما تتخفى المرأة من البوح عن الماضي العاطفي، فهي تخشى ان تفقد سمعتها وأن تتهمّ بالعهر في مجتمع مازال يبجل الرجل على حساب المرأة ولا يتعامل معهما بسواسية.

 

 

تروي “مريم”  بطلة رواية “امرأة من هذا العصر ” ماضيها مع الرجال الذين ارتبطت بهم، لقد تعرّت البطلة من عقد الخوف، فتحدثت عن جسدها الذي عرف رجالا قبل زواجها وبعد طلاقها من زوجها الذي حوّلها إلى جارية دون كرامة أو حريّة فتخلت عن الزواج من أجل أن تكسب حريتها.

كان العلاج الكيمياوي فرصة لمريم أن تستذكر عشاقها السابقين، وأن تعترف بالهوّة السحيقة بين عالم الرجال وعالم النساء، من خلال مناضل نسوي يدعي الدفاع عن النساء وهو في الحقيقة ذكوري ورجعي فضحته مريم من خلال علاقة عابرة معه ” أهذا هو المدافع الغيور عن حقوق المرأة ؟ هل يفهم حقا نفسية المرأة ؟  هل يحترم الإنسان فيها؟ أم أنّ المرأة عنده مجرّد لافتة ليبرز من خلالها شهوته؟”

عاشت مريم بطلة الرواية عدّة علاقات عابرة واكتشف  في نهاية تجربتها العاطفية أن الأمومة هي أفضل مكاسبها وأن ابنها الوحيد الذي افتك من حضانتها  بعد طلاقها هو حضنها الدافئ في هذا العالم الذكوري،

قلت له وأنا أمسح دموعه عن وجهه: كم يسعدني أنك تحبني يا لؤي، كثيراً جداً يا ماما. أتعرف يا لؤي، لم يمرّ يوم إلا ولديّ إحساس بأني أنتظرك وأنني سأواجهك بالحقيقة كما نفعل الآن. لو تعرف الليالي الطويلة التي قضيتها أبكي لبعدك وأنا أضم صورتك إلى صدري. أتعرف، أحس بأني راغبة في شكر الله لأنه ابتلاني بالسرطان كي يعود ابني إليّ.” 

 

 

جنبتنا الروائية هيفاء البيطار من الأحكام الأخلاقية على مريم، فمريم ليست سوى صوت  امرأة شجاعة امتلكت القدرة على البوح بما  تعرضت له الآلاف من النساء اللواتي يعشن في ظل الصمت والخوف من المجتمع والتقاليد، يعشن بشخصيات مختلفة حتى لا يخسرن مواقعهن في الفضاء الاجتماعي، حتى لا يتهمن بالعهر فيقتلن أو يلفظن فاخترن الكذب والإخفاء.

كيف يمكن أن يتقبل القارئ كلّ هذا البوح من امرأة مصابة بالسرطان، امرأة مهددة من الموت وأن يتعاطف معها رغم ماضيها الموصوم؟ امرأة تتحدث عن الجنس والشهوة والأمومة والرجال وعلاقاتها الكثيرة؟

 

 

يبرز  هنا ذكاء هيفاء البيطار التي استطاعت أن تحوّل تجربة مريم إلى شهادة عن معاناة المرأة في المجتمعات الذكورية،  وأن تحوّل هذه المعاناة إلى شكل من أشكال المقاومة والتحدّي

” في أعماق قلبي نداء. نداء حار لكل ما هو ممتع وجميل ودافئ. أريد أن أعيش. بي لهفة للحياة. للعيش، ما أحلى أن نعيش، أتحوّل لشدة ما أحب الحياة إلى شعلة حب في كائن من لحم ودم.”

انتصرت مريم على السرطان وإن خرجت بثدي مستأصل، ولكنّها خرجت أقوى من معاناتها من المرض ومن عالم الذكور المقيت، تحلم ان تصبح أكثر شجاعة وقوة من الماضي، وان تكمل حياتها مع ابنها، وتحمل مشاريع كثيرة تتوق لانجازها.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد