اختيار المحررينثقافةغير مصنف

هـــــادي علوي: سيرة مفكر مشاعي ومتصوّف

 

على وقع الاحتجاجات التي عاشها العراق في الآونة الأخيرة نستحضر المفكر العراقي هادي علوي الذي اشتغل كثيرا على جدلية القمع والحرية في التراث وتعتبر أعماله من أهمّ المراجع التي يعود إليها الباحثون في التراث الإسلامي خاصة وأنّ المواطن العراقي قد رفع شعارات اجتماعية تحررت من الطائفية التي تحكم البلد.

تعرّف الحرية ، بمضمونها التعددية والشورى وإحترام حقوق الإنسان ، كما تعرّف بأضدادها كالقمع والإغتيال والتعذيب ، في هذا الإطار تندرج أعمال المفكر العراقي هادي علوي، والتي تناولت التراث العربي والإسلامي برؤية مغايرة ، حاول فيها المفكر العراقي أن يجمع بين النقد للممارسة السياسية في الإسلام  وبين تثمين الجوانب المضيئة في التراث العربي الإسلامي بطريقة سهلة ومبسطة يفهمها الجميع  بعيدا عن الأسلوب المعقدّ وهو ما يتيح للجميع فهم كتبه وأفكاره .

تهتم أغلب مؤلفات هادي علوي ( 1932 _ 1998 ) “فصول من تاريخ الإسلام السياسي ” وشخصيات غير قلقة في الإسلام والمستظرف الجديد وغيرها من إصدراته القيّمة بجدلية القمع والحرية في التراث ، حاول فيها علوي معاكسة  التيّارات الفكرية السائدة حاليا ، فعوض الإرتكاز على قراءة النصوص الدينية كمرجعية أو معيار لفهم الواقع كانت لهادي علوي وجهة نظر أخرى تنطلق من إستعمال الحداثة لفهم كوامن التاريخ ، فبحث عن بؤر الحرية والقمع في التراث ، ليكتشف حدّة التباينات بين الحرية وبين الأنظمة والتجارب السياسية في التاريخ العربي والإسلامي.

 

 

ابتعد المفكر العراقي عن العمل لصالح الأجندات الخارجية رغم حجم الاغراءات  التي تقدمها للمثقفين العرب المشتغلين على نقد الإسلام السياسي وقد انتقد العلوي هذا الأسلوب منتصرا لدينه وحضارته رغم الخروقات المادية التي حدثت بها ضدّ القوى الكولونيالية  “تكتظ لساحة الثقافية أو بالأحرى السيا-ثقافية بالكتابة عن الإسلام السياسي أي عن الحركات المسماة أصولية أو سلفية أو دينية وتشتد وتتكاثف الكتابات حولها إلى حد أن بعض الكتاب ألقى عن نفسه كل عبء غير هذا العبء وجعل محور نضاله وغاية سعيه أن يتصدى لهذا الإسلام الذي يزيد خطره على غيره بل هو الخطر الوحيد الأوحد بعد أن أعاد هذا البعض ترتيب قائمة الأعداء لتستقل بالإسلام حيث يصبح أعداء الأمس إن كان هناك أعداء بالأمس، أحبابا… فلم تعد الرأسمالية الاحتكارية وغرستها الرأسمالية الكولونيالية – التابعة – ولا الاستعمار ولا سليلته إسرائيل من بين الأعداء بل هي في نهاية الأمر حلفاء في الحرب المصيرية على الإسلام”.

 

 

من أهمّ كتب هادي علوي الإغتيال السياسي في الإسلام وصدر هذا الكتاب عن مركز الدراسات الإشتراكية في العالم العربي سنة 1988 ، وقد واجه ردود فعل متباينة سواء من رجال الدين الذين نددوا وإحتجوا على إستعمال عنوان ” في الإسلام ” ودعوا إلى إستبداله ب ” في تاريخ الإسلام ” ، أو من بعض المثقفين والذين أثنوا على الكتاب باعتبار أنّ المؤلف قد تعامل بخط مستقل مع تاريخنا السياسي بعيدا عن العداء والولاء .

قام هادي العلوي بتقسيم كتابه ” الإغتيال السياسي في الإسلام ” إلى أربعة أقسام :
الحكم الشرعي وتجارب العهد النبوي
في الخلافة الراشدة
في الخلافة الأموية
في العصر العباسي

كما اشتغل هادي العلوي على التصوّف الإسلامي من خلال مؤلفه “مدارات صوفية” وذهب إلى القول في خلاصة عمله أن أقرب المذاهب إلى الصوفية الإسلامية هي التاوية الصينية إذ يجمع بين المتصوف المسلم  والمتصوّف التاوي الزهد والنضال ضدّ الدولة ورأس المال .

لم  يفصل هادي العلوي بين ما يكتبه وما يعيشه وما امن به  إذ كانت حياته منسجمة مع عقيدته وفكره لقد عاش  المفكر المشاعي متصوّفا يقتسم عائدات كتبه مع الفقراء والمشردين والذين تهتم بهم جمعيته التي أسسها “بغداد المشاعية ” مبتعدا عن كل مظاهر الترف والبذخ على عكس بعض المثقفين العرب الذين أبهرتم ثلاثية المال والجاه والجنس فسقطوا في فخاخها.

إنّ العودة لأعمال هادي علوي تكشف أن العقل الإسلامي بحاجة إلى مراجعة أسسه وإلى إعادة تشكيله من جديد فقد نزع المفكر العراقي صفة القداسة عن التاريخ وتعامل معه كنص قابل للنقد وهو ما يضيف للقارئ الذي يرغب اليوم في العودة إلى أصول التراث والبحث عنه لفهم التنظيمات الإسلامية المسلحة التي ارتبكت أبشع المجازر في القرن الواحد والعشرين ، فالعودة إلى قراءة التراث من أجل أخذ العبر وتجاوز المجازر والفظائع التي ارتكبت بإسم الدين وليس لرسم طريق للمستقبل والذي تتسع له النظرة إليه في أخذ التجربة الإنسانية في الحسبان على إختلافاتها لا سيّما تجارب  تلك الأمم التي إنتصرت فيها الحرية على الضرورة والإختلاف على الإقصاء .

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد