الرئيسيثقافةغير مصنف

إقبال المرأة على السحر: وسيلة دفاعية ضد مجتمع ذكوري؟

مجتمع

 

في كثير من الأفلام التي تتناول السحر كموضوع لها، نلاحظ أن السحر مرتبط فيها بالمرأة، مثل  فيلمي “Bewitched  ” و”Maleficent” مثلا.

في الفيلم الأول تظهر الممثلة نيكول كيدمان كساحرة طيبة تحاول عبر السحر منع استغلال الرجل الذي عشقته لها ولتواجه أيضا نمط الحياة الصعب الاستغلالي للمرأة بصفة عامة.

وفي الفيلم الثاني نجد أنجيلنا جولى تلعب دورا نستشف من خلاله نفس الفكرة التي تتمحور حول علاقة السحر والتعاويذ بالانتقام الأنثوي من الرجل…

 

 

وفي ظل ماسبق ذكره تتصاعد الأسئلة والأفكار حول ماهية هذه العلاقة الغامضة بين المرأة والسحر، ان كان على مستوى الذهنية الجماعية العامة التي ترجمت في هذه الأعمال السينمائية وفي الخرافات الشعبية العربية كخرافة عجوز النحس  … أو على مستوى الواقع لاسيما واقع المجتمعات المغاربية أين تتفاقم ظاهرة إقدام النساء على عالم السحر، حتى ان الموضوع بات محلّ بحث علماء الإجتماع و الأنثربولوجيا..

فبما يمكن أن نفسّر هذا الارتباط بين السحر والمرأة ؟

 

السحر من منظور الإثنولوجيا

 

احتفت الأثنولوجيا منذ ظهورها بموضوع السحر، وركّز الأنثربولوجيون أثناء دراستهم لهذا الموضوع على جانبين إثنين في التحليل: الأول الوظيفي النفعي، والثاني العقلي.

ويعرض كل من الباحثين باميلا ستيوارت وآندرو ستراذيرن في ورقة بحثية حول السحر فكرة تُشكّل المحرك الرئيسي لهذه الظاهرة وهي  ” الدراما الاجتماعية” Social Drama..  وقياسا على هذا المفهوم بمكن تفسير عدة جوانب لظاهرة اقبال النساء على السحر…

يرى الباحثان أنه يمكن اعتبار أن ممارسة السحر والشعوذة مؤشرٍ ظاهري لهذه الدراما الاجتماعية، التي تتمثل في نزاعات ضمنية على القوة، تكشف بدروها مكامن الضعف والتوترات الكامنة في التنظيم الاجتماعي، وهو ما تبيّنه الممارسات السحرية التي تقوم بها المرأة في مجتمعاتنا المغاربية.

فهذه الظاهرة في حد ذاتها مقياس للصّراع القائم بين الضعف والقوة، بين المرأة والرجل …

 

وفق الباحث عبد الهادي أعراب” تتقوى علاقة الصراع بين الجنسين في دول المغرب العربي إذ يتصور كل منهما الآخر عدوًّا وخصمًا،لأنّ الذكر يُنَشَّأ على احتقار الأنثى وازدرائها وتبخيس أعمالها وإنجازاتها،أما الأنثى فتبادل ازدراءه، بسلوك “الكيد” وعدم الثقة والتخوين والهرع للسحر “.

وهو سلوك يذكرنا بقصص الجاريات اللاتي أقدمن على السحر لافتكاك مكانتهّن الاجتماعية نذكر من هذه القصص على سبيل المثال لا الحصر قصة الجارية شغب زوجة المعتضد بالله.

تعتبر مكانة المرأة بصفة عامة ومكانة المرأة العربية والمغاربية بصفة خاصة هشة مقارنة بالرجل من الناحية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ولو اعتمدنا التعريف الأثنولوجي للسحر بانه ليس مجرد اعتقاد في تحويل الأشياء أو التأثير فيها أو تغيير في طبائعها، وإنّما وقبل كل شيء، حاجة اجتماعية وثقافية ونفسية- لوجدنا أن في الإقبال علي السحر أو ممارسته في حالة “سحر المرأة” حاجة اجتماعية واضحة الملامح.

 

فعلى حد تعبير عبد الهادي أعراب يوفر إقبال المرأة على السحر “الحماية الإيمانية والواقعية أيضًا فالشعور بالحرمان والعجز عن مواجهة واقعه الاجتماعي وضغوطه المختلفة، يدفعان هذا الفرد إلى الاستسلام للمعتقدات السحرية وممارساتها العملية.  ولأنّ المرأة تعاني أكثر مما يمكن أن يعانيه الرجل وتمارس عليها كل أشكال الهيمنة الاجتماعية والسياسية والقانوني، فإنّها سرعان ما توجه إحساسها بالقهر إلى سلوك انتقامي من الزوج ومن المجتمع ومن نفسها أيضًا”.

السحر سلطة الأنثى الخفية

 

إن النزاع بين الرجل والمرأة متأصل الجذور في التنشئة الاجتماعية التقليدية التي تُعلي من دور الذكر وتحيطه بهالة من الدلالات الرمزية التي تدور حول معاني انه الأول والقوي وصاحب السلطة..

وفي المقابل، تستنقص من مكانة الأنثى وتربطها بشكل عام بكافة معاني الخضوع والاستسلام والدور الثانوي في الحياة، إضافة إلى المحاصرة التي تتعرض لها منذ سن صغيرة والرقابة التي تفرض على جسدها،…

وتحت وطأة اللا توازن الذي تعيشه في حياتها اليومية ومقارناتها اللا واعية بالرجل ” تلجأ للسحر كسلطة خفية لمواجهة واقعها المضطرب أو لاسترجاع ما ضاع منها في العلن بكيفية سرية.

وهكذا فإنّ السحر سواء للعلاج أو الانتقام..، يوفر لها قوة جديدة تمكنها من إعادة الاعتبار لذاتها سرًّا، كما يوفر لها سلطة رمزية تجابه بها سلطة الرجل وقهر المجتمع على السواء”

وللأسباب سابقة الذكر تحديدا يرهب الرجال سحر المرأة إيقانا منهم أنه في هذه الثقافة القائمة على التمييز بين الجنسين يكون السحر سلاحها الخفي ووسيلتها المثلى للانتقام من ذكورة تنصب نفسها سلطانا عليها.

لذا ترى الرجال متوجسين ومرتابين من فكرة ذهاب نسائهن إلى ساحر أو مشعوذ…

بعض حالات استنجدت فيها المرأة بالسحر تعكس غطرسة مجتمع ذكوري 

 

يسود التصور في المخيلة الشعبية عن الحماة بأنها تلك العجوز الرافضة لزوجة الإبن عادة.. بعد ان تتمتع أخيرا بالسلطة تمارس الاخيرة القهر على الفتاة الشابة لتعوض ما مورس عليها هي أثناء شبابها وكهولتها من سلطة ذكورية قاهرة.

لذا تلجأ الحماة إلى السحر لإبعادها عنه بعد ان خرج إبنها، ومصدر سلطتها في المجتمعات التقليدية، عن طاعتها ولم يعد يولي ذات الاهتمام لها، مستحضرا في الان ذاته كل الطاقة السلبية وكل صور القمع اللذين تعرضت لهما في الماضي..

كما يعد تأخر سن الزواج أو ما يسمى بالعنوسة التي تعتبر وصمة عار تلحق بالمرأة دون الرجل في مجتمعاتنا من الحالات التي تدفعها للالتجاء للشعوذة والسحر لفك تلك العقدة المسماة ب”التابعة” في الثقافة المغاربية والتي تعرقل الصيرورة الطبيعية لحياتها…

فالسحر عند النساء يتخذ جانبا دفاعيا تحتمي به المرأة من الشرور الاجتماعية المسلطة عليها رغم أنها لا تقوم بهذا وهي مدركة دوافع أفعالها.  تحاول بطريقة لاوعية التقليل من حدة سطوة الذكر، وحتى الانتقام من السلطة الجنسية التي بفضلها ينعم الرجل بتلك الحضوة الاجتماعية، عبر اعتمادها على مايسمى بسحر “الثقاف” ..

الثقاف (مواجهة العضو الذكري) والتضفيح (حماية عرض الأنثى)  

 

تحطيم الانتصاب الذكوري أو ما يعرف بالثقاف نوع من أنواع السحر في المجتمعات المغاربية تعتمده النساء للانتقام من الرجال.

ومن أشهر طرق العقد أو الثقاف تلك التي تقوم بها المرأة ليلة العرس عبر حمل علبة أو قفل وتنادي على العريس باسمه، فإن أجابها أقفلت العلبة أو القفل وتلت تعويذة فتلجم بذلك ذكورة العريس ويفشل في مهمته لاستحالة الانتصاب.

تقوم كذلك النساء في المجتمعات المغاربية بما يعرف بالتصفيح وهو طقس سحري يتم فيه جرح الفتاة وهي طفلة بسبع جروح صغيرة على ركبتها اليسرى من طرف إحدى العجائز بعد ذلك تُغمّسُ حبات الزبيب أو التمر بالدم وتردد الفتاة العبارات التالية: “أنا حائط وابن الناس خيط”. 

كما توجد طريقة أخرى وهي أن تتخطي الفتاة المنسج متمتمة بنفس العبارات. ويعتبر التصفيح بمثابة تعويذة تحمي الفتاة من فض غشاء بكارتها حتى لحظة زفافها حيث تفك هذه التعويذة بطريقة معكوسة …

سحر المحبة و العشق

 

ومن أنواع السحر الدفاعي الذي تلجأ لها المرأة أيضًا سحر المحبة، والهدف منه جعل الزوج متيما بها، وإبعاد كل إمرأة يمكن أن توقعه في شراكها.

هنا نلمس غياب الأمان العاطفي ازاء الشريك، ولا نغفل وهو ودة فعل لواقع يعطي للرجل الحق في الزواج من أربعة ويتيح له إقامة علاقات عدة قبل الزواج ويمنحه حرية التنقل والسفر حتى أثناء الزواج دون مساءلة، مما يخلق فرصا  لإقامة علاقات جديدة …

كل هذه الأسباب تضع المرأة في حالة حذر وتأهب فتهرع الى تأمين مستقبلها وأن كان بطريقة غير عقلانية..

ارتبط السحر بالمرأة عموما ويرجع ذلك إلى أنها ليست قادرة على مجابهة سلطة الرجل ماديا، فتلجأ الى حيل خرافية وهي تحسب أنها تتيح لها ان تحتمي من الذكورية السائدة وتقارعها، في أمل ان تتغلب عليها..

الوسوم

رحاب الخترشي

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في علم الإجتماع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.