الرئيسيثقافةغير مصنف

فلاسفة من الكاميرون.. إفريقيا و”الخروج من الليل الكبير”

سلسلة أدب التحرر العالمي

 

 

رغم أهميّتها وتنامي الحاجة والطلب عليها في السنوات الأخيرة لا تزال دراسات مابعد الكولونياليّة لا تجد طريقها إلى القرّاء خاصّة أولائك المعنيين بشكل مباشر بنفس القضيّة وهي التحرّر من “العبوديّة الجديدة” لأسباب عديدة أهمّها على الإطلاق ما تمارسه “الإمبريالية الثقافيّة” من هيمنة تعزل الجمهور (جمهور الضحايا بالأساس) الشرقي عن
هذه الفتوحات المعرفيّة لتوطين “النظرة/الرؤية الغربيّة” يضاف إلى ذلك عامل اللغة ووسائل المعرفة المتعدّدة.

 

لم يجانب الفيلسوف الإيراني حميد دبّاشي الصواب عندما طرح السؤال بشكل مباشر “هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟” فمنذ سبعينات القرن الماضي بدأ فلاسفة من الهند وأمريكا اللاتينية وإفريقيا نقد الإستشراق وأرسوا معالم دراسات مابعد الكولونياليّة، ثمّ تطوّر التيّار ليتحوّل إلى الديكولونياليّة بإستحضار العناوين السياسية والثقافية والتاريخية والجغرافيّة والإقتصادية مجتمعة، دفاعا عن حقّ “الآخر غير الغربي” في الوجود، وخاصّة في التعبير عن نفسه إنطلاقا من خصوصياته، لا إنطلاقا من وجهة نظر غربيّة.

 

بروفيسور حميد دباشي

 

تركّزت الكتابات في هذا التيّار في الهند وأمريكا اللاتينيّة بالأساس، قبل أن تنتقل إلى إفريقيا،

ولكنها عربيّا وإسلاميّا لا تزال كتابات متناثرة من هذا الجانب وذاك، دون خيط ناظم أو قدرة على الإلتقاء لهدف مشترك أو لفكرة أكثر إنتصارا للإنسان.

فكتابات الباحثة التركيّة ميدة يعينوغلو مثلا، وخاصة كتابها “خيالات كولونيالية: نحو قراءة نسوية للاستشراق” الذي تناولت فيه قضيّة “الحجاب” في الفكر الغربي لا تزال مجهولة للأغلبية الساحقة وكذا كتابات أخريات وآخرين.

 

 

في إفريقيا يبرز جيل كامروني متمكّن من الأسلحة المعرفيّة التي أتاحتها له دراسات مابعد الكولونياليّة، ليقدّم أطروحات قويّة في هذا الخصوص لـ”الخروج من الليل الكبير” كما عنون الفيلسوف آشيل مبيمبي كتابه سنة 2010 أو لـ”الأمل الذي ينبغي أن يأتي من مصادر ذاتيّة” على حدّ عبارة الأنثروبولوجي ديفين فوه مدافعا عن حجّة أن تكون إفريقيا هي مركز العالم، بعد أن تدحرج الغرب عن المكانة تلك التي ظلّ يحتلّها لعقود.

 

 

الكاميرونيّان مبيمبي وفوه يقدّمان صورة أخرى عن إفريقيا بعيون إفريقيّة تراوح بين ماهي “قارة منفتحة ومتعدّدة الإنتماءات” كما يقول مبيمبي وبين الحاجة إلى “مقاومة المتخيّل الذي يصنّف أفريقيا كقارة للبؤس والوحشية، وصياغة فلسفة جديدة تنبني على عدم اليأس من الحاضر”.

ويلتقيان عند نقطة مهمّة مفادها أن “نقد المتخيّل الغربي يشمل نقد متخيّل الأفريقيين عن أنفسهم” في إشارة واضحة إلى موقع  وصورة إفريقيا في الفلسفة والكتابات الغربيّة، لا فقط كقارّة متخلّفة وبدائيّة بل وفي حاجة دائمة إلى “الإنقاذ” الذي يؤمّنه الغرب.

 

 

الأنثروبولوجي ديفين فوه الذي تجوّل بين عدد من الدول الإفريقية والغربيّة في إطار بحوثه يدافع بشدّة عن فكرة “الأمل في التغيير” ويعتبر أن أبرز العقبات التي تعترض ذلك تتمثّل في علاقة المواطن الإفريقي بالدولة.

يدافع فوه  عن أطروحة جوهرها قدرة الشعوب على التنظّم دون الحاجة إلى “دولة مفترسة” وما يحتاجه ذلك من ضرورة التعامل مع مسائل كهذه بمنطق مضاد للنخبوية، وضخّ الحياة اليومية بالمفاهيم التحرّرية، مشيرا إلى أن “النخبوية تجعل من المثقفين يتصرّفون نفس تصرّفات الدولة ويصلون إلى نفس نتائجها”.

 

إذا كان فوه يركّز بشكل كبير على المصادر الذاتيّة للأمل والتغيير، فإنّ مواطنه آشيل مبيمبي يذهب بعيدا إلى تفكيك “العقل الزنجي” وإلى رسم “سياسات العداء” (كتاب آشيل مبيمبي الصادر سنة 2016) كما صنعتها الكولونيالية والتفكير العرقي متتبّعا العلاقة التي ربطت “الزنوجة” بالخيال البيولوجي للعرق.

يبني مبيمبي نظرية حول تركيبة “العقل الزنجي”، باعتباره نتيجة لمجموعة من الخطابات والممارسات التي ساوت الزنوجة بما هو ليس بشريا، وكان هذا القالب الذي حمل كلّ أشكال القمع بل إنه يرى أن ثمة استمرارية لهذا القالب والذي سيكون حاملا لأشكال جديدة من القمع والاستبداد والاستغلال.

 

 

بين أفكار “الأفروبوليتانية” (صياغة مستقبل أفريقي على أساس مركزية كونية خاصة بالقارة الإفريقيّة) التي يطرحها مبيمبي ونقد متخيّل الإفريقيين عن أنفسهم الذي يطرحه فوه أكثر من نقطة إلتقاء فالكاميرونيّان ينطلقان في النهاية من واقع يعيشانه بشكل شخصي إلى واقع معقّد لشعوب إفريقيّة ترزح تحت أشكال جديدة من الإستعمار لغاية واحدة لا تستثني أو تقصي من هم خارج إفريقيا بل تستهدف بناء عالم أكثر عدلا وحريّة.

 

 

“دراسات ما بعد الاستعمار” ، التي تجد جذورها في سياقات تاريخية عاشتها بلدان جنوب شرقي آسيا بعد تخلّصها من الاستعمار أو تصوّرات تصفية الاستعمار في بلدان أميركا اللاتينية تيّارات فكريّة حديثة النشأة، ترجمت رغبات حركات التحرّر الوطني وعبّرت عنها بأساليب وأشكال وحتى على حوامل مختلفة.

هذا المجهود المعرفي بدأ لتوّه يشقّ طريقه داخل إفريقيا، في إنتظار أن تتشكّل ملامحه عربيّا وإسلاميّا، لا فقط لأنّ الغرب لم يعد مركزا للعالم،  بل ولحاجة “الشرق” و”شعوب العالم الثالث” للتعبير عن أنفسهم وعن تطلعهم لعالم أكثر عدلا يرون أنفسهم حاليا في مرآته.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.