مجتمعغير مصنف

صدمة في الجزائر بعد تسليم جثة رضيع لوالده في “كرتون”

الجزائر – مجلة ميم _ ربيعة خريس

 

 

 فجر فيديو يوثق تسليم جثة رضيع, متوف عند الولادة, لوالده داخل علبة ” كرتون ” خاصة بحفظ الأدوية, جدلا كبيرا في الجزائر وأثار النقاش مجددا حول واقع قطاع الصحة في البلاد.

 

“كنت أظن أن الذي داخل عبلة الكرتون قط ميت”

تفاصيل الحادثة تعود إلى نهاية شهر يونيو / حزيران الماضي, عندما اقترب حكيم خنشاني, من مصلحة حفظ الجثث بمستشفى أول نوفمبر بولاية وهران, ثاني أكبر المدن بعد الجزائر, ليتسلم جثة طفله, الذي توفي عند الولادة, حينها صطدم بمشهد لم يكن يتوقعه. وخلال سرده لتفاصيل الواقعة قال المتحدث إنه ” كان يظن أن الذي داخل علبة الكرتون قط ميت “.

ويروي حكيم خنشاني, أنه تفاجأ بعد أن أعلمه عون المستشفى بأن الذي يوجد داخل الكرتون ابنه, وأضاف والد الرضيع أن عون المستشفى الذي سلمه جثة رضيعه أبلغه قائلا ” أنا لا دخل لي كما قدّموه لي سلمته لكم “, وأضاف ” بسبب الصدمة التي أصبت بها قمت بتصوير جثة ابني رغم أن العون حاول منعي من ذلك”.

واعتبر الوالد أن ما قاموا به في مستشفى أول نوفمبر بوهران، يتنافى مع الأخلاق ومع الكرامة الإنسانية, وقال ”  , نحن بالدرجة الأولى مسلمون, ولا ينبغي إطلاقا السكوت عن هذا الأمر “.

 

والد الرضيع المتوفي

 

غضب على مواقف التواصل الاجتماعي

أثار الفيديو جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي, وحقق نسبة تضامن عالية جدا, كما أثارت الحادثة صدمة في الشارع الجزائري, وعلق أحد النشطاء على الفيديو قائلا ” الإسلام هو دين الإنسانية وحسن المعاملة ولكن للأسف لم يعد للإنسانية وجود في مستشفياتنا وليس هنالك رحمة فالمرضى يعاملون بطريقة بشعة”.

وقالت الإعلامية الجزائرية فضيلة مختاري “مهما كانت الظروف لا يجب أن تموت الإنسانية فينا, ابنه توفي والموت حق, لكن لا يجب أن يسلم الرضيع في علبة كرتون, لهذه الدرجة رخصت قيمة الإنسان في هذا الوطن”.

ومن جهة أخرى، حاول بعض النشطاء تبرئة ذمة الأطباء وانتهزوا الحادثة للتذكير بمطالبهم, وقال أحدهم ” لما طالب الأطباء المضربون بتوفير الإمكانيات والظروف الملائمة لممارسة المهنة, اتهمهم البعض بانعدام الوطنية, فليتجرع إذا اليوم الشعب قطرة من الإنسانية التي يعمل في الأطباء يوميا “.

 

 

تمخض الجبل فولد فآرا 

وسارعت وزارة الصحة, بعد تصاعد حدة الجدل وتفاقم غضب الجزائريين, إلى فتح تحقيق في واقعة تسليم جثة رضيع لوالده في علبة ” كرتون “, لكن للأسف كانت نتائج التحقيق مخيبة للآمال, بعد أن كشف المكلف بالإعلام على مستوى مستشفى أول نوفمبر بولاية وهران, يوسف بوخاري, الثلاثاء الماضي, أن التحقيق أغلق وأعلن أن مصالح المستشفى لم تخطئ بتسليمها الجثة في علبة ” الكرتون “, ووصف الأمر أيضا بـ ” العادي ” والمعمول به في كامل المستشفيات عالميا.

وفي وقت اعتبرت الوزارة الوصية الأمر بـ ” العادي ” وقالت إن هذا الإجراء معمول به في كامل المستشفيات عالميا, رفض أهل القطاع السكوت عن القضية وأجمع أغلبهم في تصريحات لمجلة ” ميم ” إنه وللمرة المرة الأولى يشهد قطاع الصحة مثل هذه الحادثة.

واستفزت هذه التصريحات مشاعر الجزائريين, وقالت الإعلامية الجزائرية, سمية سعادة, في موضوع لها حمل عنوان ” لماذا أهنتم جثتي ؟” ” إذا كان المستشفى فعلا “يعرف” كيف يراعي المشاعر، فكان من باب أولى أن يراعي مشاعر الأب الذي فجع في ابنه مرتين ، يوم مات، ويوم سلم له في كرتون مثل قطة أو حمامة ميتة, فعن أي مشاعر تتحدث رئيسة قسم الولادة بواهرن، والصحة في الجزائر صنع لها “تابوت” منذ سنوات طويلة ودفنت في قبر عميق، فهل يرتجى من الميت عودة إلى الحياة؟”

 

طفل جزائري ميت في كرتونة

 

الحادثة شوهت سمعة المستشفيات الجزائرية

ويقول في الموضوع عضو سابق في التكتل النقابي المستقل للأطباء المقيمين سيد علي مروان, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن ما شهده مستشفى وهران ليس بحادث معتاد, فكان من الأجدر بالإدارة توجيه الاعتذار لعائلة الطفل المتوفي, ويوضح الطبيب المختص في أمراض الكلى أن هناك نوعين من الأجنة: أجنة في الأشهر الأولى وهي تلك التي لم تنفخ فيها الروح بعد أي أنها لا تصنف ككائن حي, وهذه لا تقام لها الطقوس المعتادة, أما تلك التي تتجاوز الأشهر الثلاثة الأولى سواء أجهضت أو توفيت عند الولادة فمن الناحية العلمية وأيضا من ناحية الشرع تقام لها صلاة الجنازة.

ويشير المتحدث إلى أن أغلب مصالح حفظ الجثث في الجزائر تسلمها لأهاليها في تابوت أو كفن سواء خاص بالمستشفى أو يجلب من طرف العائلة.

 

 

 

 

وأكد المتحدث أن هذه الحادثة لا يتحمل الأطباء مسؤوليتها, لأن الطبيب تنتهي مهمته عند كتابة شهادة الوفاة, وبقية الإجراءات إدارية محضة.

ويشير سيد على مروان, أن وزارة الصحة مطالبة بمعاقبة المسؤولين على هذه الواقعة التي شوهت سمعة المستشفيات الجزائرية, لكنها في الوقت ذاته فتحت المجال للحديث عن واقع قطاع الصحة في الجزائر, الذي يلخصه في كلمة واحدة: “واقع مر” لعدة أسباب أبرزها الهجرة الجماعية للأطباء الجزائريين، سواء نحو الخارج أو نحو القطاع الخاص، وأيضا انعدام ظروف العمل والإمكانيات اللازمة.

ويضيف أن الكثيرين يصنفون الأطباء في خانة المتهمين رغم أنهم أكبر المتضررين, وتساءل “كيف يُصور الطبيب كمجرم “.

 

إذا كان المستشفى فعلا “يعرف” كيف يراعي المشاعر، فكان من باب أولى أن يراعي مشاعر الأب الذي فجع في ابنه مرتين ، يوم مات، ويوم سلم له في كرتون مثل قطة أو حمامة ميتة, فعن أي مشاعر تتحدث رئيسة قسم الولادة بواهرن، والصحة في الجزائر صنع لها “تابوت” منذ سنوات طويلة ودفنت في قبر عميق، فهل يرتجى من الميت عودة إلى الحياة؟

 

ضياع حقوق المرضى والموتى في المستشفيات

ويقول الأمين العام لنقابة شبه الطبيين في الجزائر, غاشي الوناس, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن تصريحات مدير مستشفى وهران والمكلف بالإعلام تفتقد للمصداقية, فلم يسبق لأي مستشفى جزائري وأن سلم الجثث في علب ” كرتون “, وعادة ما تسلم هذه الأخير في قطعة قماش أو في تابوت.

 

الأمين العام لنقابة الشبه الطبيين

 

يضيف غاشي الوناس أنه كان أجدر بوزير الصحة فصل مدير المستشفى وتقديم الاعتذار لأهل الرضيع المتوفى, ويرى المتحدث, أن هذه الحادثة تدل بشكل قاطع على عدم احترام حقوق المريض وضياعها, كما شوهت سمعة المستشفيات الجزائرية, خاصة وأنها تحولت إلى مادة دسمة في  الإعلام الأجنبي.

 

مكامن الخلل

وأكدت الأمينة العامة للنقابة الوطنية للقابلات الجزائريات, رشيدة شطي, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن عون المستشفى تعمد تسليم جثة الرضيع المتوفي عند الولادة داخل ” كرتون ” مراعاة ”  لمشاعر النساء الحوامل وخوفا على وضعهن الصحي, فقاعات الولادة في المستشفيات الجزائرية يتواجد بداخلها 5 أو 6 نساء حوامل مقبلات على الولادة عكس المستشفيات الأوروبيةأين تخصص غرفة لكل حامل. وتضيف أن هذه الحادثة تعد فرصة لفتح النقاش حول واقع قطاع الصحة,الذي يواجه تحديات كبيرة رغم الإصلاحات التي تبناها أكثر من تسعة وزراء مروا على القطاع منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الحكم.

 

السيدة رشيدة شطي

 

 

واستدلت رشيدة شطي بتطلعات مهني القطاع خاصة القابلات, فالوزارة الوصية مطالبة بإعادة النظر في مشاكلهن, واتخاذ إجراءات من شأنها تحسين شروط التكفل بالأمهات أثناء الولادة, “قدرات التكوين تبقى غير كافية, ومن بين أكبر التحديات التي تنتظر  القابلات القضاء نهائيا على الوفيات عند النساء الحوامل وعند حديثي الولادة, مع حلول 2030, وتنظيم الولادات..”

 

 

 

انحطاط عن مستوى الآدمية

ومن جهته يقول النائب البرلماني عن حركة مجتمع السلم, ناصر حمدادوش, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن الحادثة التي شهدها مستشفى وهران,  استخفاف بصحة المواطن وتكريس للرداءة ووانعدام الحس المسؤول وعدم مراعاة أبسط حقوق المواطنة, “قطاع الصحة في الجزائر أصبح مريضا.. تسليم جثة مولود في علبة كرتون مساس بالكرامة الإنساني وانحطاط عن مستوى الآدمية واستهتار بالقيم الأخلاقية والأصل أن يعاقب المتسبب في ذلك فهو لا ينتمي إلى المهنة الإنسانية الشريفة”.

ويؤكد النائب البرلماني, أن المنظومة الصحية بكاملها في حالة فشل ذريع، وهي من الإخفاقات المدوية للحكومات المتعاقبة، ومثال بسيط على حجم الفساد الكبير الذي ينخر قطاع الصحة، “بالرغم من الإنفاق الحكومي الكبير على قطاع الصحة إلا أن ذلك لم ينعكس أثره الإيجابي عل المواطن, والدليل على ذلك تصريحات مهني القطاع, فهم يشككون في إمكانية وجود استراتيجية حقيقة لتطوير القطاع الصحي, وهو ما ساهم في تعميق أزمة القطاع، التي تضرر منه بشكل خاص المواطن العادي الذي أصبح يجد صعوبة في طلب العلاج في المستشفيات والمراكز الصحية”.

ويستدل ناصر حمدادوش ببعض المشاكل التي شهدها قطاع الصحة مؤخرا وأبرزها ازمة الاطباء المقيمين وانتشار وباء البوحمرون ووفاة عدد من النساء الحوامل عند وضع أبنائهن..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.