اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الخروج للنهار: بلاغة النصّ السينمائي‎

مهدي الغانمي-مجلة ميم

 

في العشريّة الأخيرة، ظهرت موجة من المخرجات العربيّات المتميّزات، نلن جوائز عالميّة في مهرجانات عريقة وطرحن إشكالات راهنيّة في الواقع العربي من خلال رؤية جماليّة ثوريّة ومعاصرة.

 

وعلى سبيل الذكر المخرجة السعوديّة هيفاء المنصور صاحبة فيلم “وجدة”، والمخرجة الفلسطينيّة آن ماري جاسر صاحبة فيلم “ملح هذا البحر” و”واجب” والمخرجة اللبنانيّة نادين لبكي صاحبة “هلّا لوين” و”كفر ناحوم” والمخرجة التونسيّة كوثر بن هنيّة صاحبة فيلم “الشلّاط” و”زينب تكره الثلج”.

وما يُحسب لهذا الجيل من المخرجات العربيّات، هو اتّجاههنّ لسينما المؤلّف ومحاولة تقديم مادّة سينمائيّة غنيّة على جميع المستويات، من خلال تناول قضايا كبرى ومثيرة للجدل بأسلوب واقعي ولغة سينمائيّة عالية. وإن كنّ هؤلاء المخرجات قد حقّقن شهرة نسبيّة في العالم العربي، فهناك مخرجة لم تنل هذه الشهرة رغم أنّها أثبتت بفيلم روائيٍّ طويل واحد، أنّها قامة شاهقة في عالم الفنّ السابع.

هذه المخرجة هي المخرجة المصريّة هالة لطفي صاحبة التحفة السينمائيّة “الخروج للنهار”، وهو فيلمها الصادر في 2012؛ وعمل فيه فريق متميّز يتكوّن من أخ هالة محمود لطفي كمدير تصوير ووهبة عثمان كمسؤولة عن المونتاج. وقد لعب الأدوار الرئيسيّة في الفيلم دنيا ماهر في شخصيّة سعاد وأحمد لطفي في شخصيّة الأب وسلمى النجّار في شخصيّة الأمّ.

 

 

وقد تحصّل “الخروج للنهار” على جوائز عديدة في مهرجانات عربيّة وأوروبيّة كبرى في عام 2012، من أهمّها التانيت البرونزي في أيّام قرطاج السينمائيّة وجائزة أفضل مخرج عربي في مهرجان أبو ظبي السينمائي، وجائزة الأسد الذهبي في المسابقة الرسميّة في مهرجان وهران للفيلم العربي، وجائزة أفضل فيلم أفريقي من مهرجان السينما الأفريقيّة في ميلانو، وجائزة الإخراج في المسابقة الدوليّة لمهرجان الإسكندرية السينمائي لأفلام البحر المتوسّط في عام 2013. كما تمّ إدراج الفيلم ضمن قائمة مهرجان دبي السينمائي الدولي لأهمّ 100 فيلم عربي في التاريخ.

تدور معظم أحداث الفيلم في بيت أسرة فقيرة تتكوّن من ثلاثة أفراد، ابنة في عقدها الثالث من العمر تقريبًا وتقضي وقتها في البيت لرعاية أبيها الشيخ المصاب بشلل الأطراف الأربعة، وأمّ تعمل ممرّضة في مستشفى حكومي لرعاية الابنة والزوج.

 

 

 

ينبني الفيلم في شكل محاورة بين شكليْن من المعاناة: معاناة مشتركة وهي الفقر والحاجة وانعدام السبل لتوفير أبسط متطلّبات العيش الكريم، ومعاناة ذاتيّة يرزح تحت وطأة هواجسها كلّ فرد من أفراد العائلة على حدة، فالابنة عاطلة عن العمل ومقيَّدة برعاية والدها، تعاني من الوحدة والروتين اليومي، وتعيش صراعًا حادًّا بين الرغبة والواجب، رغبتها في الخروج إلى الحياة وواجب رعاية أبيها الّذي يحتّم عليها البقاء قرب كيان شبه ميت طيلة الوقت.

 

الأمّ هي العائل الوحيد للأسرة بعد أن أُصيب الأب بالشلل الرباعي، وهي أيضًا ممزّقة بين الإنهاك الكبير الناتج عن كثرة المسؤوليّات الموكولة على عاتقها من جهة، وبين حبّها لهذا الزوج وعطفها عليه، الّذي يظهر كأروع ما يكون في مشهد عاطفيٍّ مبهر حين تعانق جسده شبه الميت كأنّه طفلها على إيقاع أغنية لأمّ كلثوم، “أنا وإنت ظلمنا الحبّ”.

 

أمّا الأب، فهو يعيش حالة رفض داخليٍّ قصوى، يرفض الأكل ويسقط نفسه من السرير في النهاية، رغبة منه في الموت، كي لا يعذّب ابنته وزوجته ويقيّد حياتهما برعايته، وهو ما يحيل إلى أنّه مسكون بالماضي، بصورة الأب المسؤول عن نفسه وأسرته، ويرفض تقبّل فكرة العجز وانعدام الحيلة.

 

هذه القصّة سطحيّة وعاديّة، لكن قوّة الفيلم تكمن في أن جعل هذا العاديّ استثنائيًّا والسطحيّ عميقًا ومربِكًا، وذلك من خلال بلاغة لغته السينمائيّة وحسن توظيف الأدوات الجماليّة لخدمة المعنى.

 

 

ومن عنوان “الخروج للنهار”، العتبة الأولى للفيلم تحيلنا المخرجة على التيمة الّتي يتمحور حولها هذا الأثر السينمائي: الموت. فالخروج للنهار هو عنوان الأصليّ لكتاب الموتى في الحضارة الفرعونيّة القديمة، الّذي يحكي أسطورة الإله أوزيريس الّذي قُتل على يد أخيه، فتصارع زوجته إيزيس وابنه حوروس لإرجاعه للحياة مرّة أخرى.

 

ويصف الكتاب أحداث هذا الصراع بين آلهة الخير والشرّ وتأثيره في عالم البشر، ودور حول فكرة أنّ الموت ليس نهاية بل هو بداية لحياة أبديّة تتحقّق فيها العدالة المنشودة ويُهزم فيها الشرّ إلى الأبد”.

 

هذا المناخ الجنائزي يهيمن على كلّ مفاصل الفيلم، دون أن تُذكر كلمة الموت ولو مرّة واحدة على لسان أيٍّ من الأبطال، ولكنّ المشاهد يشعر بوطأته في كلّ لحظة، إنّه موت مجازيّ متعدّد الأبعاد، موت الأحلام البسيطة لابنة تحلم بالزواج والعمل والانصهار في الحياة الاجتماعيّة، موت أمل الأمّ في حياة كريمة بعد أن أفنت حياتها في العمل في مستشفى حكوميٍّ لكنّها في المقابل بالكاد تستطيع توفير حاجيّات الأسرة.

 

 

وهذا ما يعلنه مشهد البداية بامتياز، حين تحاول الأمّ أن توقظ ابنتها من النوم، لكنّ هذه الأخيرة تنهض بعد إلحاح كبير، وعلى مضض تنظر متكاسلة إلى غرفتها، كأنّها ترفض “الخروج للنهار”، وترغب في النوم إلى الأبد. وهذا النهار الّذي يشبه غيره، لا يحمل في طيّاته جديدًا أو تغييرًا أو أملًا، تصوّر المخرجة أبرز أحداثه، بطريقة عبقريّة لتنقل إحساس الأبطال بالروتين القاتل وشبح الموت المخيّم في أرجاء المنزل متجسّدًا في الأب العاجز تمامًا، وفي برود العلاقات بين الأمّ وابنتها، في الصمت الّذي يشبه صمت المقابر، وفي الحوارات المقتضبة والجافّة.

 

وقد كان السيناريو متقنًا إلى حدٍّ بعيد، فلم يرد في الفيلم تفسير لأسباب شلل الأب، ولا تفسير لماضي الأسرة وكيف كانت حياتها سابقًا، ولا تفسير للعلاقة التي تربط الابنة بالشابّ الّذي هاتفته لكنّه تهرّب من لقائها، ولا تفسير لأسباب حضور قريبها الجنديّ الشابّ المتكرّر لمنزلهم وبرودها الشديد تجاهه، إلخ… وهذا الغموض ساهم في أن يكون الفيلم مولّدًا للتأويل ومحرّضًا عليه، من خلال الصورة وحدها وحركات الممثّلين وانفعالاتهم الصامتة.

 

 

ففيلم الخروج للنهار، ركّز على نقل المشاعر والأحاسيس الّتي يعيشها الأبطال للمتفرّج، بل يصبح المتفرّج مع مرور الوقت هو البطل الحقيقيّ الّذي يعيش لساعة ونصف حالة من الملل والرتابة والعجز؛ ويتلبّس بهذه الحياة المرهقة والبائسة لهذه الأسرة. فحركة الكاميرا بطيئة جدًّا، كأنّها عين سلحفاة تتنقّل في أرجاء البيت لتمرّر لنا هذا الشعور بالتمطّط الزمني الّذي يعانيه السجناء عادة لا الأحرار، لكنّ الأبطال في سجن أكبر، سجن وهميّ، هو هذا النهار الكاذب، النهار الطويل الّذي تنعدم فيه سبل الخلاص.

 

وقد أبهرني لعب المخرجة على علاقة الصورة بالزمن الخاصّ للشخصيّات، وهو ما أحالني على أعمال المخرج المجري العظيم بيلا تار (Béla Tarr)، الّذي نقل في أغلب أفلامه، الحياة بواقعيّتها ومللها وتكرارها دون تكثيف زمني.

 

ففي فيلمه حصان تورينو (The Turin Horse) يصوّر الحياة المتخيَّلة للفلّاح الّذي تسبّب في جنون الفيلسوف الشهير فريديريك نيتشه، حياة رتيبة ومملّة بسبب الفقر والعجز والظروف المناخيّة الصعبة، من خلال متوالية بصريّة بطيئة جدًّا، حيث لم يتجاوز عدد القطعات المونتاجيّة 20 قطعة في فيلم مدّته ساعتيْن ونصف تقريبًا، أي بمعدّل قطعة مونتاجيّة كلّ 8 دقائق.

 

هذا ما يشعر المتفرّج بزمن البطل الخاصّ، لأنّ بيلا تار عمل على نقله كما هو دون تكثيف ليشعِر المتفرّج حياة هذا الفلّاح البائس. وقد نجحت هالة لطفي في الاشتغال بهذا الأسلوب لتبيان عبثيّة الحياة الشبيهة بالموت، الخالية من كلّ طموح أو إثارة، والرازحة تحت وطأة العجز واليأس، من خلال حركة الكاميرا البطيئة وزوايا التصوير الممتازة إضافة إلى حسن اختيار مكان التصوير وبعض لمسات الديكور الساحرة، لإضفاء واقعيّة شديدة على الفيلم، حتّى أنّه يظهر في نصفه الأوّل قريبًا جدًّا من الفيلم التسجيلي.

 

 

ساهم في هذا انعدام الموسيقى التصويريّة والاعتماد على الأصوات الطبيعيّة، أصوات الحياة اليوميّة المتكرّرة، الّتي تسبّب شعورًا بالانزعاج، مثل أصوات السيّارات القادمة من الخارج.

ولكن هناك لحظات من الفيلم يخيّم فيها صوت أمّ كلثوم في مشهد يمثّل استنتاج الفيلم الرئيسي، حين تعانق الأمّ زوجها المشلول ليخرج الفيلم للحظات قليلة من الجوّ الخانق الرتيب والمناخ الجنائزيّ الّذي يسوده، وكأنّ المخرجة تقول: “إنّ الحبّ هو سبيلنا الوحيد للخلاص من وطأة الحياة ورتابتها، هو وسيلتنا لإعادة وهجها وإضفاء المعنى عليها حين تعلق في شباك العبثيّة”.

 

الصورة كانت بليغة جدًّا، فرغم أنّ الفيلم يصوّر مشاهد نهاريّة، إلّا أنّ المخرجة ومدير التصوير، عملا على إنتاج صورة تميل إلى الظلمة ذات ألوان باهتة وخافتة وإضاءة ضعيفة، ومشاهد منغلقة على نفسها، حتّى عندما دارت الأحداث خارج المنزل في النصف الثاني من الفيلم.

 

فالتصوير رغم واقعيّته الشديدة، إلّا أنّه نجح أن يكون ذاتيًّا بامتياز، فالكاميرا توهمنا بأّنّها صوّرت الواقع كما هو، لكنّها في الحقيقة كانت تصوّر الواقع كما تراه الشخصيّات، تصوّر عوالمهم الداخليّة. ويتّضح ذلك حينما خرجت الكاميرا لتصوّر العالم الخارجيّ، تنامى الشعور بضيق المكان والانغلاق، وذلك لأنّ شخصيّة الابنة تشعر بالضيق طيلة الفيلم بغضّ النظر عن المكان، فإن كان سجنها الصغير هو المنزل، فإنّ العالم الخارجيّ هو سجنها الأكبر في ظلّ ظروفها القاهرة ويأسها وهواجسها الّتي لا تنتهي.

مشهد النهاية مميّز، حيث ينتهي الفيلم بقطعة مونتاجيّة مفاجئة، ليترك مجالًا واسعًا للتأويل، ويحرّض المتفرّج على التفكير في آخر سؤال طرحته الابنة على أمّها: “إحنا ح ندفن بابا فين؟”، وكأنّها وهي تسأل عن مكان مقابر الأسرة، تبحث عن مكان مريح وآمن في هذه الأرض، عن خيط خفيٍّ يربطها بها، عن انتماء مّا، وأحيانًا تكون المقبرة وطنًا أفضل للّذين يمرّون بجانب الحياة دون أن تتوفّر لهم فرصة الولوج إليها.

لكنّ موت الأب أو خروجه إلى نهاره الخاصّ (الموت كراحة من معاناة المرض والشلل) يمثّل في النهاية بارقة أمل من زاوية نظر أخرى، فهي فرصة لأن تخرج الابنة إلى نهارها الخاصّ، الحرّية ومحاولة بداية حياة جديدة.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد