اختيار المحررينثقافةغير مصنف

إيديت بياف : “حياة وردية “على حافة الأوجاع

خديجة بن صالح-مجلة ميم

 

حياة مكثفة قصيرة مليئة بالأحداث والوقائع هكذا يمكن بإيجاز اختزال عبقرية الغناء الفرنسي التي عاشت الحياة حتى الثمالة ومن غيرها : ايديت بياف.

 

ورغم أنها صاحبة أغنية الحياة الوردية التي تعد إنجيل العشاق وسلافة العشق التي تبرز تجليات السعادة والفرح اللامتناهي في الحب إلا أنها ظلت دائمة خارج دائرة هذا الفرح المنشود.

 

لم تشف ايديت بياف من جراح الطفولة التي تركت كدماتها في قلبها وروحها كما أن أوهام الحب وأوجاعه ظلت تلاحقها كقدر لات فرار منه. وربما كانت علاقتها الأكثر متانة ونجاحا وصدقا ووفاء ليس مع أشخاص حقيقيين في حياتها الخاصة وإنما مع جمهورها الكبير الذي أهدته حياتها وفنها بمنتهى السخاء.

ولعل هذا ما جعل تراثها الغنائي يخلد في الزمن وهي تعد واحدة من أهم الأصوات النسائية التي طبعت القرن العشرين ولازالت أغانيها تسكن في ذاكرة الناس ووجدانهم.

فأغاني لا أندم على شيء أو الحياة الوردية او نشيد الحب كلها لازلت راسخة في الوعي الجمعي لعشاق الغناء الفرنسي .

 

 

وبقدر ما كان الجمهور العريق منبهرا بصوتها الكبير وأغانيها الجميلة بقدر ما كان متأثرا بمسار حياتها التراجيدي جدا.

هذه المسيرة الحياتية الموجعة تستحق التوقف عندها وتأملها.

 

طفلة الشوارع  التي لم يعرف الأمان طريقا إليها

في البدء لابد من تأمل تلك الطفولة التي غاب فيها السند والأمان لهذه الإيقونة وهي المشاعر التي سترافقها على امتداد حياتها القصيرة.

فقد رأت عيناها النور في عائلة ممن يطلق عليها فنانو الشوارع الذين لا مأوى لهم وفي حي بالفيل أي حياة جميلة   الذي لا يشبه اسمه أو ربما يتعارض معه فقدت كانت هذه الضاحية الباريسية مقرا للمهاجرين القادمين من كل أصقاع الدنيا في اتجاه عاصمة الأنوار والذين غالبا ما كانوا يصابون بالخيبة ويتوهون في أضواء باريس المبهرة.

 

 

وجاءت ايديت جيوفانا إلى هذا العالم الصاخب ذات شتاء كان ذلك عام 1915 لم تعرف هذه الصغيرة ما معنى حياة عادية حتى لا نقول مستقرة فلم تعرف سوى التمزق منذ أن بدأت تخطو خطواتها الأولى في حياة متعثرة وصادمة.

وواجهت الوحدة والإحباط عندما تخلت عليها والدتها وتركتها لمصيرها ونأت عنها بحثا عن تأمين حياتها.

ولم يجد والدها بدا من أن يتركها لدى والدته المقيمة في  منطقة نورماندي  وكانت هذه الجدة مختلفة عن صور الجدات المعتاد باعتبارها كانت تشرف على بيت تمارس فيه أقدم مهنة في التاريخ.

أصيبت الطفلة التي بلغت سن الثامنة من عمرها بمرض في عينيها أثر كثيرا في بصرها.

بعد الحرب العالمية  وعندما عاد والدها من الجبهة انخرطت في حياة بوهيمية تشبه حياة والدها بهلوان الشوارع. وفي مرافقتها لوالدها اكتشفت موهبتها الغنائية وكان صوتها النادر طريقها إلى عالم النجومية والمجد.

 

الحب الأول وبداية تلمس طريق المجد

لكن ايديت ضجرت من حياة الشوارع  والترحال و حلمت بالأمان  والراحة  عندما بلغت سن الخامسة عشرة وهو ما وجدته في حضن حبها الأول لويس ديبون  الذي كان لقاؤها به إيذانا بدخولها حياة جديدة ومنحته عاطفتها بسخاء وأمومة حتى أنها كانت تناديه ” صغيري لويس” وكانت ثمرة هذا الحب مارسيل ولكن هذه السعادة كانت سحابة صيف سرعان ما انقشعت وحل خلفها الألم برحيل الصغيرة.

 

 

احتضنت ايديت وجعها الكبير وعادت إلى حياة الشوارع في باريس مرفوقة هذه المرة بصديقتها الحميمة سيمون ومعا سيغرقان في الحياة المضطربة حتى الثمالة.

وكانت لعبة الأقدار قد وضعت في طرقها لويس لوبلي صاحب احد الملاهي الليلية الكبرى في باريس وهو الذي اكتشف موهبتها ومنحها الثقة لتغني ويسمع الجمهور صوتها.

وانطلقت في عالم الغناء وحلقت كعصفور صغير وهي التي امتازت بقوة صوت وقوة شخصية تتناقض مع ضآلة حجم جسدها وهو ما جعل الجميع يطلقون عليها اسم ” الصغيرة بياف ” وانتشر صوتها الاستثنائي في عاصمة النوار وخطت أولى خطوات المجد لتصبح أسطورة الغناء الفرنسي.

 

 

ولكن لعبة الأقدار تتواصل في حياة ايديت بياف التي انفتحت الأفاق أمامها لكن قتل مكتشفها لويس لوبلي جعلها تدخل دائرة الحزن والمرارة والإحباط من جديد.

وكان الحب الكبير في الموعد لينقذها من الكآبة التي تردت فيها عندما التقت ريمون اسو الذي منحها أملا جديدا وأصبح كاتب أغانيها ومدربها وعشيقها واختفت منذ تلك اللحظة الصغيرة بياف او لاموم وولدت النجمة ايدت بياف.

 

ولادة نجمة من رحم المعاناة

في عمر 23 سنة فحسب أصبحت بياف نجمة بكل المقاييس مستفيدة من توجيهات المدرب العاشق ريمون اسو.

والى جانب الغناء انفتحت أمامها أفاقا  أخرى في التمثيل  وانطلقت في بدايتها المسرحية مع  بول موريس . ثم استهوتها الشاشة الفضية فقدمت مجموعة من الأفلام من بينها نجوم الضوء.

وطوال هذه المسيرة كانت ايديت بياف تمزج بين علاقاتها المهنية والعاطفية فكل الذين أسهموا في صناعة مجدها تركوا بصمتهم على قلبها أيضا.

 

 

وكما تميزت أسطورة الغناء الفرنسي في الأداء غناء وتمثيلا نجحت في ان تخط كلمات في غاية الروعة عندما صاغت أغنية الحياة الوردية التي لازالت الى اليوم من روائع الغناء العالمي وكان ذلك عام 1945.

ولم تكتف بياف بهذا النجاح ولم تحقق الإشباع المطلوب فانطلقت بحثا عن أفاق جديدة في ارض جديدة وكانت وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية .

 

 

لكن صاحبة الأجراس الثلاثة لم تحقق سوى نجاحا جزئيا لم يرض غرورها الفني ووجدت نفسها مضطرة للإقامة فترة أطول هناك.

 

وولجت عالم مانهاتن وتمكنت من احتلال قلوب الجمهور الأمريكي  تدريجيا. ولكنها نجحت في ان تعثر هناك على حب حياتها وصداقة عمرها وذلك عندما التقت مارلين ديترش التي ظلت وفية لها وبقربها حتى آخر رمق في حياتها وأيضا التقت مارسيل سيردون حب العمر وهكذا كانت رحلتها الأمريكية منعرجا فنيا وشخصيا.

 

تراجيديا العشق الكبير

وكانت قصة حبها لهذا الملاكم الفرنسي  واحدة من أهم قصص العشق وأكثرها سحرا و  تراجيدية  أيضا في القرن العشرين . ورغم انه كان متزوجا إلا أن حبه لبياف كان أقوى من الرباط المقدس.

 

 

لكن وفاة العاشق في حادث طائرة عندما كان يريد اللحاق بايديت في نيويورك دمر قلبها ورغم ذلك واجهت  الجمهور من الغد وغنت رائعتها نشيد الحب التي أهدتها لعشقها الضائع.

وسترافق الكآبة والمرارة التي خلفها هذا الحادث الأليم أيام بياف.

 

 

التي واصلت مسيرتها الفنية التي تدعمت بلقاء شارل ازنافور التي غنت معه ” أكثر زرقة من زرقة عينيك” وبات احد المقربين منها ومن اقرب الذين تثق بهم. وواصلت نجاحاتها الساحقة.

 

نهاية الأسطورة

ولعل تعرضها لحادثين أثر بشكل كبير على صحتها بعد أن باتت خاضعة للمسكنات التي ستدمن عليها مثل إدمانها على الكحول.

 

 

وعندما غنت بياف عام 1955 على مسرح الاولمبيا في باريس  كانت في أوج المجد رغم الخيبة وانطلقت من جديد في اتجاه أمريكا حلمها القديم ولتثأر من بدايتها المتعثرة. وكان لها ما أرادت خاصة وان حاولت أن تشفى من الإدمان.

 

 

لكن قصة حبها لجورج موستاكي جعلتها أكثر هشاشة هذه المرة أيضا وعندما اعتلت ركح الاولمبيا عام 1961  لتغني رائعتها ” لا أندم على شيء”. كانت حقا نموذج المرأة التي  تقاطع في حياتها الفشل العاطفي التراجيدي بالمجد الفني المذهل.

 

 

ورغم كل ذلك أحبت بياف للمرة الأخيرة في حياتها وقبيل رحيلها فنانا شابا هو تيو سارابو وتزوجته لترحل عن الدنيا خريف 1963. تاركة خلفا إرثا من العذاب والدموع يضاهي مدونتها الفنية الغنية.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.