مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

أكبر فضيحة في تاريخ الكنيسة المصرية.. راهب مقتول وآخر منتحر وثالث متهم بالاغتيال

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

 

 

لم يكن هذا الدير هادئًا أبدًا. في ساعة متأخرة من ليل 29 يوليو، وصلت الأحداث إلى ذروتها، حين سقط رجل دين مسيحي غارقًا في دمائه أمام غرفته داخل الدير دون أدلة تشير إلى هُوية القاتل الذي هشَّم رأس القتيل. بعد ساعات الارتباك الأولى، أعلنت الكنيسة المصرية الخبرَ عبر صفحتها بموقع فيسبوك: “تنيح في ساعة مبكرة من صباح اليوم الأب الناسك والعالم الجليل نيافة الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير القديس مقاريوس بوادي النطرون”.

 

 

وبدأ غموض الجريمة ينشر خيوطه على جميع من مرّوا بالدير. قالت مديرية أمن البحيرة، إنها تكثف جهودها لكشف لغز الحادث وضبط مرتكبيه. كان ولا يزال لغزًا بحق. بعدما استجوبت قوات الأمن والمباحث الجنائية عددًا من الرهبان والعمال حول جريمة القتل الغامضة، خرجت بشهادة واحدة تزيد القضية غموضًا وحيرة، وهي أن “الأنبا أبيفانيوس ليست لديه خلافات مع أحد في الدير”.

 

من قتل راهب وادي النطرون؟

أشار عددٌ لا بأس به من أصابع الاتهام إلى أن الحادث إرهابي، يسير على وتيرة ما جرى خلال السنوات الماضية، منذ زوال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، إلا أن أغلب المصادر استبعدت تلك الاحتمالية، فالحادث وقع في وقت مبكر، وهو الوقت المحدد للصلاة بكنيسة الدير، حيث يخرج الراهب من قلايته (غرفته) ويمشي دقائق معدودة حتى يصلَ. لا أحد باستطاعته معرفة تلك المعلومات الدقيقة إلا إذا كان زائرًا مستديمًا للدير، أو أحد المقيمين داخل أسواره، وكلهم معروفون. السبب الثاني لاستبعاد احتمالية الإرهاب أن الجماعات تستهدف أعدادًا كبيرة، ولا تهتم بشخص بعينه.

كان النفي التام نصيب احتمالية الإرهاب، لينفتح الباب أمام الاحتمالية الثانية.. الاغتيال.

توعَّد البابا تواضروس، بطريرك أقباط مصر، القاتل، مبشِّرًا: “انتظروا نتائج التحقيقات”. وفي تلميحٍ إلى أن القاتل بين الحاضرين، الأساقفة والرهبان، قال: أخرجوا من بينكم أي انحراف بعيدًا عن الرهبنة.. اتركوا أجسادكم طاهرة للرب.. الأسقفية ليست جاهًا أو سلطة.

 

 

وتأكيدًا لتلك الرواية قال بيان الكنيسة فيما بعد: “نظراً لأن غموضاً أحاط بظروف وملابسات رحيله، تم استدعاء الجهات الرسمية وهي تجري حالياً تحقيقاتها حول هذا الأمر، وننتظر ما سوف تسفر عنه نتائج هذه التحقيقات”.

جنائيًا، يحتل دير أبو مقار موقعًا معزولًا عن بقية أديرة وادي النطرون، وهو ما يجعله بعيدًا عن الأيدي، يستحيل على أحد دخوله لارتكاب جريمة، وهو ما يحصر الاتهامات في الرهبان الموجودين داخل أسوار الدير.

خلافات قديمة بين رهبان ينتمون لأصول ومدارس مختلفة في الرهبنة أدَّت لانقسام عنيف داخل الكنيسة لم يظنّ أحد أنه سيصل إلى حد اغتيال راهب، لكن هذا ما جرى. تقول مصادر كنسية لمجلة ميم إن الانقسام العنيف داخل الكنيسة بين رجال البابا شنودة، والتيار المجدد من تلاميذ الأب متى المسكين، يمكن أن يفضي إلى القتل العَمد. يلخّص أسباب الانقسام: “مسائل مالية، وقضايا سياسية ودينية” ثم يفصّله: “فريق البابا شنودة متشدِّد، يرفض المصالحة مع الكنائس الأخرى (الإنجيلية تحديدًا) والفريق الثاني مع التقارب”.

البابا تواضروس ينتمي لمدرسة متى المسكين، وكان تنصيبه انقلابًا على رجال البابا شنوده حتى إنه سار خطوات واضحة في الاعتراف بالكنائس الأخرى ووقف التكفير بين الكنائس المختلفة. الأب أبيفانيوس كان رجل البابا تواضروس في الدير، ظلّ، وحده، في المواجهة مع فريق البابا شنوده، الذي كان يرى في مسار البابا تواضروس كُفرًا واضحًا.

 

 

من هذا الباب، فسَّر البعض اغتيال الأنبا أبيفانيوس، الذي مثَّل أكبر فضيحة داخل الكنيسة المصرية على مر تاريخها الطويل. وكان الأنبا إبيفانيوس، المولود في 27 يونيو 1954، في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، تعرَّض لحملة تشويه من جانب مجموعة رهبان من فريق البابا شنودة، بلغت وصفه بالهرطقة، وكان الحرب مستمرة بحقه، لكن سِريّة الكنيسة المصرية لم تسمحْ بكشف ما يجري بداخل الأديرة حتى فضح حادث الاغتيال كل شيء.

 

 

المتهم الأول

تسرَّبت على مواقع التواصل الاجتماعي ورقة صادرة من لجنة الرهبنة والأديرة، التابعة للمجمع المقدس، تفيد بتجريد الراهبين يعقوب المقاري وأشعياء المقاري من الرهبنة، وعودتهما إلى أسماءهما المدنية، وذلك بسبب مخالفات تعارض قوانين الرهبنة. شكَّك ذلك القرار، الذي تبع مقتل الأنبا أبيفانيوس باحتمالية تورطهما في الجريمة، لكن ساعات لم تمضِ حتى خرج المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية القس بولس حليم، قائلًا إن لجنة شؤون الرهبنة بالمجمع المقدَّس “لم تصدر أي قرارات تقضي بتجريد الراهبين حتى الآن”.

 

 

عاد الاتهام إلى المربع صفر حتى صدر قرار رسميٌ صباح الأحد، 5 أغسطس، يفيد بتجريد أحدهما، وهو الراهب أشعياء المقاري، من رهبنته.

من هو إشعياء المقاري؟

التفتيش وراء اسم إشعياء المقاري، الذي أصبح اسمه بعد تجريده من الرهبنة وائل سعد، يكشف أن الأنبا المقتول “أبيفانيوس” قدم بحقه شكوى، وطلبًا لنقله من الدير، بسبب تصرفات لا تليق بالرهبنة، قيل إنها تتعلق باختلاس أموال من تبرعات الدير، إلا أن الراهب جمع توقيعات من 45 راهبًا بالدير يطلبون الإبقاء عليه بينهم، وبالفعل، ظلّ الراهب متواجدًا بين أسوار الدير.

ربما حمل الضغينة في قلبه حتى يوم 29 يوليو، ربما شارك في الاغتيال، لا أحد يعرف لكنه أحد القاتلين المحتملين؛ خاصة أن تقديم راهب للمحاكمة الجنائية يتطلب تجريده من رهبانيته مسبقًا، وهو السبب الذي دفع الكنيسة لتجريده.

الأمر الذي دفعه، طبقًا لصحف القاهرة، إلى الانتحار بتناول مادة سامة، صباح الاثنين، 6 أغسطس. ونقلت صحف القاهرة أنه تم احتجازه بالعيادات الطبية بدير الأنبا مقار قبل تسليمه للنيابة العامة.

 

المتهم الثاني

فلتاؤس المقاري. طفا ذلك الاسم على السطح أمس، راهب شاب في الثلاثينيات من العمر، باحث متخصص في التاريخ الكنسي وأصدر عددًا من الدراسات والأبحاث عن تاريخ آباء الكنيسة كان من بينها بحث راجعه الأنبا القتيل.

حاول فلتاؤوس المقاري الانتحار بقطع شريان يده، وفي محاولة لإنقاذه، غافل الطبيب المعالج وألقى نفسه من أعلى مستشفى وادي النطرون العام، ولا تزال حالته خطيرة، ثم إلى مستشفى أخرى بالقاهرة ليبقى تحت متابعة طبية وأمنية أفضل، حيث تجري أجهزة الأمن تحقيقًا في أسباب إقدامه على الانتحار في وقت مريب، يشهد تحقيقات مقتل رئيس الدير، وهو ما أدخله دائرة المتهمين. وأشارت صوره تجمع الراهب المنتحر بالراهب المطرود من الدير إشعياء المقاري، إلى شبهة تآمرهما لقتل رئيس الدير، وهو ما زاد موقفهما صعوبة، وسهَّل مهمة حلّ لغز حادث القتل الغامض.

 

 

المتهم الثالث

تحوم الشكوك، الآن، حول أحد العمال الذين يعملون في المزارع الملحقة بالدير، وهو أحد الخيوط التي يتتبعها الآن أفراد الشرطة والنيابة لحل اللغز. يبلغ عدد العمال 500، يعملون في ورش وحظائر المواشي والدواجن والمخازن. تشير الاتهامات لهم؛ لأن التحريات تقول إن القتيل سقط بضربة تمت بواسطة آلة حادة أدّت إلى خروج أجزاء من المخ، لكن أغلب الأصوات الآتية من الدير تبرئ العمال، نظرًا لكونهم، طبقًا لما يقوله الأنبا باسيليوس، الشخصية البارزة بالدير، في تصريحات صحفية بالقاهرة، “ليس من مصلحتهم أن يقوموا بذلك”. ويوضح: “نحن نطلب العمال بالاسم من بلادهم في الصعيد، ونعرفهم جيدًا، وهم يحاولون المحافظة على عملهم، فلم يسبق أن ضبطنا حادث سرقة واحد أو أي حادث إضرار بممتلكات الدير من جانبهم”.

 

 

من يقتل الأساقفة؟.. “3 قضايا ضد مجهول”

نتيجة خلافات خفيّة، تعرض ثلاثة أساقفة ومطارنة للتقل في السنوات الماضية، إلا أن القضايا قيّدت ضد مجهول، وهم الأنبا ثاؤفيلس، مطران القدس والشرقية ومحافظات القناة، وقتل بطلق ناري، والأنبا مرقس، وهو أول أسقف مصري لجنوب إفريقيا، ووجد مقتولًا داخل سيارته المسجلة باسم دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، قبل وصوله للدير، والثالث كان الأنبا يوأنس، مطران الجيزة والقليوبية وسكرتير المجمع المقدس، عام 1963، وهو في طريقه لحضور زفاف بـ”سم في زجاجة”، لكن يبدو أن قضية الأنبا إبيفانيوس لن تُقيَّد ضد مجهول كما سابقاتها.

 

صورة تجمع متى المسكين والبابا شنودة

 

قرارات البابا تواضروس لإنقاذ الأديرة

أصدر البابا تواضروس 12 قرارًا – اعتبر ثوريًا – في محاولة من البابا تواضروس لإصلاح الرهبنة، التي بات فسادها واضحًا للجميع، بعد الحادث الأخير، الذي مثَّل فضيحة لن يسهل محوها من تاريخ الكنيسة المصرية، خاصة إن الحياة الرهبانية تقوم على الانقطاع والانعزال والزهد.. بينما ما جرى كان قتلًا واغتيالًا مع سبق الإصرار لأسباب ودوافع دنيوية زائلة.. بعدما انخرط الرهبان في حياة ناعمة.. مليئة بالأموال والمصالح والتنابذ بالأقوال والفضائح على فيسبوك.. وبيزنس الأديرة.. كما أن خلافات وقعت بسبب رغبة بعضهم في إنشاء أديرة “ملكية خاصة” على أراضي تابعة للكنيسة لأسباب يقال إنها دينية لكنها في الحقيقة محاولة لكسب عدد أكبر من الغنائم.. وهو ما لا يليق برهبان من المفترض أن تموت قلوبهم عن العالم.

والقرارات الـ12 هي: وقف رهبنة أو قبول أخوة جدد لمدة عام، وتجريد من قام بإنشاء أديرة لم توافق الكنيسة عليها من رهبنته، وتحديد عدد الرهبان في كل دير، وإيقاف سيامة الرهبان في درجة القسيس أو القمص لمدة ثلاث سنوات، والالتزام بعدم حضور علمانيين على الإطلاق في الرسامات الرهبانية، وتقليل الزيارات والرحلات بالأديرة لغير الرهبان، والاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير، ومنع الرهبان من الظهور الإعلامي أو التورط في تعاملات مالية أو التواجد خارج الدير بدون إذن مسبق من رئيس الدير، أو حضور الجنازات أو حفلات الزفاف، ومنح الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أكبر فضيحة في تاريخ الكنيسة المصرية.. راهب مقتول وآخر منتحر وثالث متهم بالاغتيال”

  1. كنت أبحث عن معلومات حول احداث الكنيسة المصرية الحالية،ومن عنوان الموضوع فتحت الصفحة ،لأجد موضوع تفصيلي واضح خبري بامتياز،ألم بالموضوع بشكل علمي مرتب ذو مراجع متعددة،حيث يمكن للقارئ الرجوع إليها والتثبت من صحة المعلومات،بالإضافة إلى الإلمام بجوانب متعددة للقضية،والاهم الجانب السياسي والأمني،وان كان الموضوع يحتاج لتحليل اكثر عمقا حول القضية من الناحية السياسية والأمنية والدينية،إلا أن هذا التقرير الخبري – و التحليل ليس من وظائفه – قد قام بامتياز بسرد القضية بأسلوب متميز مختصر مفيد .وفي النهاية نشكر القائمين على التقرير. هذه اول مرة ادخل للموقع ده ويبدو انني سأتباعه .

اترك رد