اختيار المحرريندين وحياةغير مصنف

مفاهيم مركزية في فلسفة مالك بن نبي الإصلاحية

مفكرون مجددون

 

 

من القامات الفكرية العظيمة التي لا يمكن إغفال أهميتها في تشكل الفكر العربي الإسلامي المعاصر نجد الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي شاهد القرن العشرين وخير من فكك، في زمانه، عوامل الضعف والهزيمة في المنطقة العربية والإسلامية.

هذا المفكر الكبير الذي انفق ما يقارب النصف قرن باحثا وكاتبا ومحللا في مواجهة خصمين من أعتى أعداء التحرر والفكر واعني بهما المحتل الفرنسي الذي احتل بلاده وعاش هو تحت نفوذه لما يقارب الخمسة عقود من جهة والمؤسسات والبنى المجتمعية المتخلفة التي تحفظت على فكره وطرق بحثه وتحليله.

 

ولد مالك بن نبي سنة 1905 بمدينة قسنطينة بالجزائر، غير أنه عاش غالب طفولته في مدينة تبسّة، وجمع في صباه بين التعليم النظامي في المدارس الرسمية ونال قدرا من التعليم الديني من خلال تأثره بمشائخ الحركة الإصلاحية الجزائرية وأبرزهم الشيخ مولود بن ميهوب وأيضا بجهوده الخاصة وقراءاته المتنوعة حيث ساهمت كتابات متنوعة في إنضاج وعيه المبكر ولعل من أهمها كتاب “أم القرى” للكواكبي، والذي اكتشف من خلاله إمكانية الإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي انطلاقا من المقومات الحضارية للأمة وفي المقابل كان لكتاب “في ظلال الإسلام الدافئة” لصاحبته إيزابيل ايبرهارت (وهي غجرية من أصل روسي جاءت الى الجزائر وأسلمت وتزوجت من احد أهلها) اثر لما يحمله من طباع إيمان صاحبته التي كانت تميل الى نمط من الإسلام الشعري خارج المعتاد وبروح مغامرة تبحث عن الجديد.

ومن الجانب الآخر ساهم تعليمه وفق المناهج الفرنسية الى تأثره بالمناهج العقلية الغربية وخاصة المنزع العقلي الديكارتي، وخلافا لمجايليه من المشارقة الذين رحلوا الى فرنسا أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم وزكي مبارك وغيرهم لم ينبهر مالك بن نبي بالرومانسية الغربية وإنما اتخذ توجها عقليا ساعده عليه نمط تكوينه الأكاديمي (كان يدرس الرياضيات والهندسة الكهربائية).

 

 

مشكلات الحضارة

من خلال عمق وعيه الفلسفي أدرك مالك بن نبي أن أزمة المجتمعات العربية الإسلامية لا يمكن حصرها في قضية الاستعمار (على خطورته) وإنما تتعداها نحو ما سماه مشكلات الحضارة. فالاحتلال الغربي هو جزء من أزمة اشمل تتعلق بما تعانيه الإنسانية من أزمة حادة (كانت فترة ما بين الحربين في أروبا هي إحدى أكثر المراحل تجليا لازمة الفكر الأروبي وكانت موضوعا مطروحا بحدة لدى فلاسفة الغرب ذاتهم).

أدرك مالك أن المجتمعات المعاصرة بأسرها سواء التي تسمى متقدمة أو التي تنعت بالتخلف تعاني مشكلات بالغة التعقيد وانه إذا كانت الدول الغربية تحاول عبر إمكانياتها الكبيرة حل أزماتها فإن المطلوب من رجال السياسة والفكر في الدول المستعمَرَة أن تبذل جهدا مضاعفا للخلاص من أزماتها. فهناك فرق كبير حسب مالك بن نبي بين المجتمعات فالأعباء التي يتحملها مجتمع متقدم ناضج ليست هي ذاتها التي يعانيها مجتمع ناشئ غض أو مجتمع هرم سبق وإن خرج من حلبة التاريخ ومن هنا فلا يمكن استيراد الحلول ولا تطبيق ذات المناهج على مجتمعات وشعوب متفاوتة ومختلفة حضاريا.

 

إن إدراك مشكلات الحضارة وأزماتها المتصاعدة تتطلب فهم جذورها وعناصر تشكلها ذلك “أن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها” ولهذا يعتبر بن نبي في كتابه “شروط النهضة” أن  الحضارة حاصل جمع العناصر الثلاثة، وهي الإنسان والتراب والوقت. و لكن هذه العناصر لا تجتمع وتتآلف وتتكامل إلاّ بفعل الدين الذي يركّب فيما بينها.

إذ يقول في ذلك “فدورة الحضارة إذن تتم على هذا المنوال، إذ تبدأ حينما تدخل التاريخ فكرة دينية معينة أو عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين (Ethos) على حد قول ”كيسرلنج” كما تنتهي حينما تفقد الروح نهائيا الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكـبوتة والمكبوحة الجماح” ويفسر ذلك بأن “الفكرة الدينية تتدخل إما بطريقة مباشرة، وإما بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها، في التركيبة المتآلفة لحضارة ما وفي تشكيل إرادتها“.

 

 

 

بين رفض الجمود وثقافة الفاعلية

يؤكد بن نبي أن من أسباب الأزمة الحضارية في المنطقة العربية الإسلامية هي هيمنة فكر التقليد والجمود وغياب الوعي العميق بطبيعة المشاكل الملحة والميل الى التسطيح. ويمكن تلخيص ملامح هذه الأزمة في عوامل محددة:

 

أولا: الاستمرار في تمجيد الماضي والانفصال عن الحاضر والاعتقاد انه ليس بالإمكان أفضل مما كان لا يمكن أن تصنع تقدما أو أن تحل أزمة ” إننا عندما نتحدث الى فقير لا يجد ما يسد رمق اليوم عن الثروة التي كانت لآبائه وأجداده إنما نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدر يعزل فكره مؤقتا وضميره عن الشعور بها، قطعا لا نشفيها“، فلا يمكن حل أزمات الحاضر بترحيلها الى الماضي في كل الأحوال.

 

ثانيا: هيمنة النزعة الكمية على الفكر العربي السائد وفكرة التكديس والتجميع دون قدرة على الفهم والتحليل وإيجاد الحلول المبتكرة، فهذه النزعة الكمية كما يسميها مالك بن نبي “تعوّد المرء النظر الى فاعلية الشيء والى قيمته من خلال الكمية او العدد فنجده يقوّم كتابا ما بعدد صفحاته المكتوبة” وربما هذه النزعة ذاتها هي التي أفقدت التعليم في المنطقة العربية جدواه من حيث هو يقوم على الكم وعلى التكديس وغياب روح الاكتشاف والمبادرة.

 

 

 

ثالثا: إن أزمة التقليد وغياب الفاعلية لا تشمل أصحاب النزعة المحافظة فحسب بل يؤكد مالك أنها لدى جموع المثقفين المتفرنجين اشد خطورة فهم في نظره لون آخر من المقلدين الفاقدين للفاعلية والتغيير وامتداد لذات الشخصية التي يطلق عليها مالك بن نبي مصطلح “ما بعد الموحدين” (ويعني بها الشخصية التي تشكلت ما بعد ظهور دولة الموحدين بالمغرب الكبير والتي تتميّز بغياب الوعي التاريخي وانعدام الفاعلية والميل الى الحلول الجاهزة والمطالبة بالحقوق وترك أداء الواجبات) ويرى بن نبي أن هيمنة هؤلاء المتفرنجين زادت في تعميق أزمة العالم العربي والإسلامي وأنه كلما زادت الفئة المتخرجة من مدارس الغرب عددا كلما زادت السطحية في العالم الإسلامي ذلك أنه “لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلاً مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولاً من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعًا للجهد، ومضاعفة للداء، إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار“.

 

فشرط النهضة الأساسي والتغيير الجذري لتحقيق التقدم هو إعادة تشكيل عقل الإنسان العربي والمسلم ليصبح أكثر فاعلية وقدرة ذلك أنه “إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ. إن المسلم لا يفكر ليعمل وإنما يفكر ليقول“.

 

 

وكل هذه العوامل التي ذكرها مالك بن نبي ساهمت في تردي الوعي العربي الإسلامي وخلق ما اصطلح على تسميته بالقابلية للاستعمار والذي يعتبره المقابل الموضوعي لعامل الاستعمار الذي أسهم بشكل كبير في ضرب البنية المجتمعية والثقافية للشعوب التي وقع احتلالها.

ويقدم بن نبي تصورا مختلفا لطبيعة العلاقة بين الاحتلال الأروبي والعالم العربي والإسلامي وتحديدا الجزائر حيث لا يعيد الهزيمة الى الوهم الذي يتصوره البعض عن تفوق حضاري غربي انتصر على التخلف فلم تكن الجزائر اقل ثقافة وتعليما من فرنسا عندما وقع الاحتلال بل إن الوقائع التاريخية تكشف أن الشعب الجزائري حينها كان يتمتع بمستوى ثقافي وبانتشار للتعليم المتاح أكثر مما لدى الفرنسيين أنفسهم ولا علاقة للهزيمة العسكرية بالمسألة الحضارية، فالاحتلال هو الذي قاد المجتمع الجزائري الى مستنقع التخلف قبل أن يشرع المحتل في خلق آليات استمراره عبر وسائل تجعل “الفرد يستبطن مفاهيم المستعمر عنه ويقبل بالحدود التي رسمها المستعمر لشخصيته، ليس ذلك فحسب بل يدافع عنها ويكافح ضد إزالتها”.

من هنا يظهر مفهوم القابلية للاستعمار لدى أفراد الشعب الخاضع للاحتلال وخاصة لدى نخبه المصطنعة والتي تقبل أن تحمل تسمية “الأهلي” ويضيف قائلا “إذا لم نكن شاهدنا خصياناً يلقبون أنفسهم بالخصي فقد شاهدنا مراراً مثقفين جزائريين يلقبون أنفسهم بالأهلي”.

وتظل الرؤية الفكرية العميقة التي قدمها الفيلسوف مالك بن نبي مجالا لمزيد البحث والتأويل خاصة وأن الوقائع تثبت دقة هذه التحليلات والرؤى حتى بعد رحيل صاحبها بعقود فالأزمة الحضارية لازالت مستفحلة وغياب الفاعلية واستمرار العجز عن بناء نموذج حضاري يضاهي النموذج الغربي في ظل هيمنة أنظمة الاستبداد وسيطرة الانغلاق الفكري.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد