دين وحياة

القلصادي.. آخر علماء الرياضيات المسلمين المدفون بمدينة باجة التونسية

 

 

على مدى سنين طويلة، انحصرت معرفتنا بتاريخ علم الحساب والجبر على الخوارزمي، مبتكر مفهوم “الخوارزمية”،  في الرياضيات قبل 2000 سنة، غير أن التاريخ يحفل أيضا بمشاهير العلماء الذين نوروا و أناروا بعلمهم ورجاحة عقولهم الحضارة العربية الإسلامية، وما تزال ابتكارتهم تشع علينا إلى يومنا هذا.

 

من ذلك يذكر التاريخ “أبو الحسن القلصادي”، الذي يعد واحدا من أشهر علماء الرياضيات في القرن التاسع هجري، والذي يعتبر أول من ابتكر الإشارات والرموز الجبرية المستعملة في الجبر حتى الآن.

 

أندلسي المنبت

ولد “أبو الحسن القلصادي سنة 1412م،  في مدينة بسطة الواقعة شمال شرقيّ غرناطة معقل المسلمين الشهير في جنوب اسبانيا، وهو ينسب إلى  إلى مدينة قلصادة في الأندلس.

منذ صغره أقبل القلصادي على التعلم والمعرفة، فانطلق في دراسة العلوم الإسلامية والشرعية في مسقط رأسه حتى سن الرابعة والعشرين، فتعلم القرآن الكريم، كما تعلم التفسير والحديث والفقه والفرائض وأقبل أيضا على تعلم علوم علوم النحو والصرف وأسس اللغة العربية.

 

ما بين المغرب والمشرق

لم يكتف أبو الحسن القلصادي، بمصاطب العلم في غرناطة والأندلس، بل دفعه شغفه لطلب العلم والمعرفة إلى الإبحار نحو شمال إفريقيا وبلاد المغرب لمزيد نهل العلوم، أين قضى  15 عامًا، في مناقشة علماء عصره.

فكان أن استقر بأرض الجزائر سنة 1436م، مدة 8 أعوام، ثم تونس، التي كانت حينئذ تمثل مركزا علميا وقبلة العلماء، وقد قال عن رحلته إلى تونس”إن ينابيع العلوم على اختلافها مغدقة، فلا عليك أن ترى مدرسة أو مسجدًا إلا والعلم فيه يُبث ويُنشر”.

ثم انتقل إلى الشرق حيث استقر بمصر، حيث اشتغل بدراسة كتب عديدة في التفسير والبلاغة والعلوم العقليّة ثم مكة، أين أجيز برواية الحديث عن أبي الفتح الحسني المراعي وألف كتاب له بالفرائض يتعلق بـ”شرح فرائض ابن الحاجب”.

بعد رحلته العلمية، عاد القلصادي إلى مسقط رأسه في بسطة، غير أنه لم يلبث هناك إلا قليلا، حيث اضطرإلى النزوح عنها بسبب الفتن والاضطرابات السياسية سنة 1480، ومن ثمة  لجأ مع أسرته إلى شمال إفريقية إلى باجة، مدينة تقع في الشمال الغربي من تونس، التي استقر فيها إلى حين وفاته في آواخر القرن التاسع الهجري سنة 891هـ / 1486م ، ودفن بضاحية سيدي فرج.

 

كتاب رحلة القلصادي لأبي الحسن القلصادي

 

 

يرحج المؤرخون أن يكون القلصادي هو أول من رسم الكسور

الإبداع في الرياضيات

لم يقتصر الإبداع المعرفي لأبي الحسن القلصادي، على العلوم الشرعية واللغة والنحو، بل تجاوزه إلى الإبداع في علم الرياضيات، حيث برز في نظرية العدد، وشرح عمل ابن البناء في الحساب وأضاف إليه عدة إضافات هامة خاصة في نظرية الكسور، ويرحج المؤرخون أن يكون القلصادي هو أول من رسم الكسور.

كما شرح بدقة كبيرة طريقة إيجاد الجذور لأي عدد، وهي الطريقة المعروفة لدى علماء المسلمين المتقدمين، وأعطى القيمة التقريبية للجذر التربيعي للكمية (أ2 + د)، وقربها لأقرب ثلاثة أرقام عشرية.

 

 

 كان له الريادة في استخدام الرموز في الجبر، وذلك في كتابه ”كشف الأسرار عن علم الغبار“

 

 

وقد كان له الريادة في استخدام الرموز في الجبر، وذلك في كتابه ”كشف الأسرار عن علم الغبار“، فاستعمل لعلامة الجذر الحرف الأول من كلمة جذر (ج).

واستعمل للمجهول الحرف الأول من كلمة شيء (ش) يعني س، ولمربع المجهول الحرف الأول من كلمة مال (م)، يعني س2، ولمكعب المجهول الحرف الأول من كلمة مكعب (ك)، يعني س3، ولعلامة المساواة الحرف (ل)، وللنسبة ثلاث نقاط.

وقد نقل ”وبكه“ في منتصف القرن التاسع عشر الرموز الجبرية التي استعملها القلصادي من نسخة خطية موجودة عند أحد المستشرقين الفرنسيين، وأعطى القلصادي القيم التقريبية لبعض الكميات الجبرية، وهي عملية أبانت طرقًا لبيان الجذور الصم بكسور متسلسلة.

واستخدم رمزًا مشابهًا لعلامة equal كعلامة مساواة (مثل اليوم =) ، والعربية مكافئة للقيم المربعة مثل x2 (Ar. Māl) والمكافئ العربي لـ K للقيم المكعبة مثل x3 (Ar. ka ‘ب).

 

 

 

 

كان أول من أكد على أهمية طريقة التقريب المتتابع ، والتي تعتبر الآن أداة أساسية في حساب التفاضل والتكامل، والتي تعطي لنا القدرة على حل المشكلات التي لن نكون قادرين على حلها. كما لم يؤكد فقط على فائدة هذه الطريقة، بل أظهرها أيضًا من خلال استخدامها للحصول على جذور ساحة غير كاملة. كما كتب على نطاق واسع عن أسهم ثابتة (Ar. farā’id).

 

 

سنة 1487م توفي العالم أبو الحسن القلصادي، المالكي المذهب والذي اعتبر آخر العلماء الرياضيين في تاريخ الإسلام، بمدينة باجة التونسية، قبل سقوط غرناطة الأندلسية ب6 سنوات.

وخلف وراءه كنزا قيما من الكتب والمؤلفات، منها ماتلف ووقع إحراقه عند الإطاحة بالأندلس ومنها ما حفظ ومازال محفوظا إلى يومنا هذا، والتي ترواحت بين  الحساب والفرائض والفقه والنحو والعروض والمنطق والقراءات والحديث والفلك، ومن ابرزها “كشف الأسرار عن علم الغبار ” بالإضافة إلى أحد عشر مؤلفا آخر.

 

شرح الأرجوزة الياسمينية في الجبر والمقابلة

بغية المبتدي وغنية المنتهي

كشف الجلباب عن علم الحساب

رسالة في قانون الحساب

شرح إيساغوجي في المنطق

رسالة في معاني الكسور

شرح تلخيص ابن البناء (في الحساب)

تبصرة المبتدي بالقلم الهندسي

التبصرة الواضحة في مسائل الأعداد اللائحة

التبصرة في حساب الغبار

قانون الحساب

 

كما ترك القلصادي، كتبا قيمة في الفقه والمواريث، منها كتاب النصيحة في السياسة العامة والخاصة وكتاب الفرائض مع شرحه وأشرف المسالك إلى مذهب مالك وشرح هداية الإمام في مختصر قواعد الإمام والضروري في علم المواريث وتقريب المواريث ومنتهى العقول البواحث.

 

أشهر مؤلفات القلصادي
الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.