مجتمع

موسم “الخلاعة” عند التونسيين.. والنزوح السنوي لشاطئ البحر

 

يحلم التونسي بالعطلة الصيفية طوال السنة، ويمكن أن يطبّق سياسة التقشف ويحرم نفسه من عديد الملذات، في سبيل أن يقضي أياما تطول او تقصر على شاطئ البحر رفقة العائلة يبتعد فيها عن ضغوط الحياة اليومية وينعم “بالخلاعة” وهي الكلمة التي تطلق على الاصطياف لدى التونسيين.

 

لذا تبقى “الخلاعة” الموسم الأهم الذي في سبيله يوفر التونسيون المال ويصل الامر ببعضهم إلى الاقتراض والتداين من الأقارب لتوفير مصاريف كراء منزل او نزل قريب من البحر.

 

لكن في السنوات الأخيرة، تزامنت “الخلاعة” مع مناسبات أخرى تستنزف جيب التونسي وتزيد من الأعباء المالية عليه كعيدي الفطر والإضحى والعودة المدرسية، إضافة إلى أن فصل الصيف تكثر فيه الأفراح والمناسبات العائلية السعيدة التي يضطر التونسي إلى مواكبتها وتخصيص جزء من الميزانية الشهرية وحتى السنوية لتغطيتها.

رغم ذلك، لا يقف شيء في وجه الاستمتاع بأيام من الراحة رفقة العائلة بعيدا عن ضغوط العمل والتنقل والروتين اليومي.

الخلاعة باهظة ..لكن ضرورية

يعتبر التونسي الخلاعة من الضرورات الحياتية التي تسللت إلى الحياة اليومية وعادات الأشخاص والعائلة تدريجيا منذ عقود، وإن كانت تشهد تصاعدا في الإقبال عليها رغم تصاعد النسق المعيشي وغلاء الأسعار.

ولا يعد الترفيه حكرا على الفئات الميسورة في تونس بل يشمل أغلب فئات الشعب، الذين يقطنون في مدن ساحلية، لكنها بعيدة عن شاطئ البحر، رغم ذلك يتكبدون عناء التنقل إلى الشاطئ في وسائل النقل العمومية، ويحملون معهم اطعمة ومشروبات مختلفة كي يستمتعوا بقضاء يوم كامل على البحر بأقل التكاليف.

فالعديد من التونسيين لا يخططون مسبقا للاصطياف، ولا تسمح ظروفهم المادية باكتراء منازل قريبة من البحر، فكلفة كراء شقة مفروشة على البحر تبدأ من 100 دينار لليلة الواحدة وتصل حتى 300 دينار في المناطق السياحية، يعني أن عطلة 10 أيام قد تكلف الأسرة التونسية أكثر من ألف دينار معلوم كراء المنزل وحده، وهو ما يعادل مرتب شهر للإطار في الوظيفة العمومية.

 

 

تجعل هذه الأسعار الخيالية الاصطياف بعيدا عن متناول فئات عديدة من الشعب، وتحرمهم من طعم الاستمتاع بالعطلة، فلا يعرفون من الصيف سوى الحرارة وانقطاع الأبناء عن الدراسة، لذا ينتظر العديد عطلة نهاية الأسبوع للتحول إلى الشواطئ القريبة، رغم أن الطريق حافلة بالمغريات والفخاخ التي تستوجب الإنفاق كالعربات المتجولة المليئة بالأطعمة الخفيفة والألعاب المائية الخاصة بالأطفال والكبار، كل هذه الوسائل الترفيهية تتحول لكابوس من الإنفاق للتونسي الذي يحاول الموازنة بين ظروفه المادية والاستمتاع بيوم بعيد عن الإرهاق والضغط فلا يستطيع إلا بعد جهد.

شواطئ غير مهيئة

 

 

يصاحب ارتفاع درجات الحرارة توافد عدد كبير من التونسيين على الشواطئ، حتى لا تجد موطئ قدم على طول الشاطئ، ورغم أن السباحة في البحر لا تزال مجانية، إلا ان الكماليات الموجودة كالشمسيات او الكراسي البلاستيكية يتم كراؤها بأثمان باهظة لا تستطيع عائلة محدودة الدخل ووفيرة العدد أن تقبل عليها.

ولا تخضع أغلب هذه الممارسات لسلطة القانون، فيقع استغلال الشريط الساحلي عشوائيا من طرف أشخاص يفرضون أسعارا مشطّة ومآوي للسيارات دون رخصة، ما ينفّر المصطافين ويحرمهم من حقهم في الترفيه والاستمتاع بالبحر.

إضافة إلى مشكلة التحيل، تعاني عديد الشواطئ في العاصمة تونس خاصة من التلوث، ورغم ان السباحة مسموحة فيها إلا أنها لا تحظى بالعناية من طرف البلدية فلا توجد حاويات للقمامة، ولا يقع تنظيف الشواطئ بصورة دورية، ما يسبب تراكم الحشائش البحرية والاوساخ التي تزعج المصطافين وتنغص عليهم استحمامهم.

أعباء مالية جديدة

 

 

من جهة أخرى، يلجأ آخرون أغلبهم من الموظفين إلى الاقتراض والتداين لتلبية حاجيات الأسرة ومواكبة المعارف والجيران، من ميسوري الحال، فترقع تلك القروض الميزانية مؤقتا وتوهم التونسي بانه قادر على الاستمتاع بالعطلة الصيفية في سعة من العيش والإنفاق، لكنها ما تلبث أن تتحول إلى أعباء إضافية ما إن ينقضي موسم “الخلاعة” وتبدأ المصاريف الإضافية بالضغط على الميزانية المنهارة، خاصة مع موسم العودة المدرسية، ويندم التونسي الذي اختار الاستمتاع بأيام قليلة في السنة، على ان يدفع ثمنها لبقية العام من الضغوط النفسية والمادية بسبب الديون.

 

ورغم أن الترفيه حق لكل مواطن إلا أن الإمكانيات المادية تبقى المتحكم الأول والأخير في مدى استمتاع التونسي به، خاصة في ظل الارتفاع الجنوني لتكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة وتركيز القطاع السياحي على استقطاب السائح الأجنبي رغم كل ما يروّج عن تشجيع السياحة الداخلية إلا أنها تبقى مرتفعة التكلفة مقارنة بالمقدرة الشرائية لأغلب الفئات.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد