مدوناتغير مصنف

أيّهما تفضل: ذكيّة ومثقفة أو جميلة وجذابة؟

مدونات

 

 

يبدو عنوان هذا المقال وكأنّه ضمن قائمة يقدّمها  لك نادل لتختار أيّ النساء تختار، تصوّر هذا الأمر  أن تجلس في مكان ما ويأتيك نادل يرحب بك بشدّة ويبدأ في عرض نساء عليك لتختار إحداهن لتشاركك في مشوار الحياة، بيضاء، سوداء،سمراء، حنطية، وعندنا أيضا صفراء وحمراء من قارة آسيا، والحقيقة أنا أنصحك بتجريب هذه ويوريك النادل صورة المرأة في القائمة التي يحملها : “إنّها رائعة جرّبها ولن تندم أبدا”، يبدو الأمر سرياليا ولكن في الحقيقة هناك من يتمنى أن يحدث هذا طبعا بشرط أن لا تمسّ نساء عائلته.

 

للأسف، لعنا سخرنا من سريالية المشهد السابق ولكننا نتغاضى على تشابه هذا الأمر مع الواقع وإن لم يكن بنفس الحدّة وبشاعة المشهد الأوّل.

في المدّة الأخيرة انهمكت في مراقبة بعض  الأصدقاء من الذكور على صفحاتهم الافتراضية كعيّنة بحث، أصدقاء يكتبون في السياسة والأدب وينشرون في نفس الوقت الأغاني وأيضا صور النساء كما تنشر صور الفاكهة والورد، كان أحدهم كلّ صباح ينشر صورة امرأة مختلفة عن الأخرى التي سبقتها ويكتب صباح الخير للجميع، نساء ذوات قوام ممشوق ونهود بارزة، سمروات، وشقروات، بشعور طويلة.. كانت أغلب التعليقات حول هذه الصور شهوانية، وكأنّي أستمع إلى أشخاص في الولائم، تصبح صورة المرأة بمثابة وليمة جنسية يتحلق الكل حولها، ويبدي انبهاره بجسدها ومفاتنها البارزة.

ربّما يهرب بعض الرجال من الإفصاح عن رؤيته للمرأة، وتهرب النساء أيضا من الاستماع إلى آراء الرجال لأنّ أغلبهن لا تمتلك المواصفات التي تحدثوا عنها، أحدهم يرغب في امرأة سمراء مستديرة، وآخر يرغب في شقراء ناعمة، ويفصح رجل عن رغبته الشديدة في سوداء لتحقيق فانتازم جنسي يسكنه منذ بدايات مراهقته..

 

إذا كان الرجل ينظر  إلى المرأة كوليمة جنسية ويحدد مقاييس الجمال والشكل قبل الثقافة والذكاء، فإنّ المرأة قد ساعدته كثيرا في النظر إليها هكذا، فهي مازالت إلى اليوم تعتمد على الإغواء الجنسي كأخطر أسلحتها في الإيقاع بالرجل

 

أما حلاوة الروح فهي للسخرية من القبيحات والثقافة والذكاء لا يجب الإعتراف بهما في المرأة التي سيختارها شريكة فهي تزاحمه فيما بعد في وظائفه وفي أدواره طبعا حسب المخيال الذكوري.

إلى اليوم، مازالت نظرة بعض الرجال هكذا لم تغيّرها السنوات ولا تحرر المرأة ودخولها إلى قطاعات عملية وفكرية راقية هذا الواقع حتّى وإن أخفينا هذا أو تغاضينا عنه، وكأننا نخاف أن ننكأ الجرح بعود، فيتعفن ونتأذى، نحن الحالمون بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء ونحن الذين نؤمن أنّ الإنسان فكرة قبل أن يكون شكلا.

إذا كان الرجل ينظر  إلى المرأة كوليمة جنسية ويحدد مقاييس الجمال والشكل قبل الثقافة والذكاء، فإنّ المرأة قد ساعدته كثيرا في النظر إليها هكذا، فهي مازالت إلى اليوم تعتمد على الإغواء الجنسي كأخطر أسلحتها في الإيقاع بالرجل، ومازالت بطريقة ضمنية تستبطن أنّ الرجل لا يمكن ترويضه إلا بالجنس، دون أن تشعر في المقابل أنّها دمية جنسية..

باعتمادها على الإغواء الجنسي تلغي شخصيتها وذكائها وثقافتها، وتقدّم للرجل ما يرغب فيه دون حاجة أن يبحث عن الأشياء العميقة في شخصيتها، تقبل على آخر صيحات الموضة وتعمل كثيرا على تجميل نفسها بالمساحيق، تمارس الحميات الصحية حتى تتمتع بالوزن المثالي، تقلد نجمات السينما العالمية والفنانات العربيات حتى باتت صورة المرأة متشابهة رغم بعض الفروقات القليلة.

 

باعتمادها على الإغواء الجنسي تلغي شخصيتها وذكائها وثقافتها، وتقدّم للرجل ما يرغب فيه دون حاجة أن يبحث عن الأشياء العميقة في شخصيتها

 

مازالت بعض النساء يستثمرن في صورتهن الخارجية على حساب إنسانيتهن في المقام الأوّل لعلهن يوقعن بالرجال ويجدن شركاءهن، دون أن تعمل المرأة على تطوير الصورة العامة وتحفر عميقا في الذهنية المتكلسة حول المرأة علها تنجو من شراك الصورة الحسية التي ما تزال متقدمة بأشواط عن صورتها الباطنية، ودون أن تحاول تثقيف نفسها وكأنّ الثقافة وظيفة ذكورية لا تهمّ النساء.. نحن هنا نتحدث عن نموذج معمم ولا نرمي التهمة على جميع النساء.

هل ترغب فيها جميلة أو ذكية ومثقفة؟ سؤال لا يجيبك عنه الرجل بل ستجيبك عنه المرأة إذا آمنت بنفسها بمعزل عن شكلها الخارجي وبدأت في التحرر من الصورة القديمة المتهالكة التي أبدتها لقرون في وضعية الدمية الجنسية التي يستمتع بها الرجل..

فما يبقى طويلا هو ثقافة المرأة وذكاؤها، هما فقط من سيعمران في مشوار الحياة ويجنبانك الوقوع في شراك جميلة تتباهى بصورتها على حساب عقلها، فإما سيكون الحديث حول الملابس والعشاء في المطاعم الفاخرة والتسوّق، أو أن يكون الحديث حول الأدب والسياسة والشعر وذكريات مشتركة كان قادحها نقاش فكري عميق انتهى إلى ارتباط متين..

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.