الرئيسيثقافةغير مصنف

قاهرة محمد خان.. يهمني الإنسان ولو ملوش عنوان

في ذكرى وفاته

 

أحمد خليل- القاهرة- مجلة ميم

 

ربما لم تحظ القاهرة باهتمام مخرج سينمائي كما اعتنى بها مخرج لطالما حلم أن يكون أحد مواطنيها. فثمة علاقة خاصة بين المخرج البكستاني المصري محمد خان “أكتوبر 1942- يوليو 2016” والعاصمة المصرية، ما جعله يصنف بأنه مخرج القاهرة الأول، ولصقت به ألقاب كسارد المدينة.

 

إذا كنت مصريا وغير متابع للسينما المحلية أو أجنبيا ولم تزر مصر من قبل، فأنت لا تحتاج وقتا لاكتشاف أن هذا الفيلم من إخراج محمد خان، حيث يقحمك بكاميرته شوارع وأزقة القاهرة وتغوص معه في شخصيات ناسها.

قاهرة محمد خان هي القاهرة الحقيقية التي تبدو لنا كقاطنين فيها منذ عقود طويلة خلت، التي لا تخلو من قصص معاناة يومية للفقراء وأحلامهم، والموهوبين الذين يفرطون في عطايا الخالق، وللبنات الباحثة عن قصص حب في مصانع الملابس.

نقدم هنا ملامح لقاهرة محمد خان الذي مرت علينا ذكرى رحيله الثانية منذ أيام قليلة.

 

 

خان.. من السكاكيني إلى لندن

خان ابن حي السكاكيني الشعبي القاهري ولد يوم 26 أكتوبر 1942 لأب باكستاني وأم مصرية، ثم سافر إلى إنجلترا عام 1956 لدراسة الهندسة المعمارية، لكنه تأثر بصديق نمساوي يدرس السينما فترك الهندسة من أجل عيونها.

أنهى دراسته في السينما عام 1963، ثم عاد إلى القاهرة، ليدخل في تجارب سينمائية، حيث عمل بقسم السيناريو في شركة إنتاج سينمائي تحت إشراف المخرج صلاح أبو سيف، ثم ما لبث أن غادر إلى لبنان وعمل مساعد مخرج هناك، لكنه آثر العودة إلى إنجلترا مجددا، وهناك أنشأ دار نشر، وأصدر كتابين عن السينما المصرية والتشيكية.

 

 

ضربة شمس.. الكاميرا تطارد الصحافة والشوارع

تعب قلب خان من المشاوير وقرر أن يمكث في القاهرة بعد رحلة طويلة خارج الديار، ليبدأ مشواره الفني في بلد أمه التي ولد في أحيائها الشعبية، ليعلن عن نفسه في فيلم “ضرية شمس” إنتاج 1978، لبطله نور الشريف. شعر خان أن الفيلم يستحق المغامرة فقرر تحمل تكاليف إنتاجه كاملة، لكن الشريف أبى ذلك وقرر تحمل التكاليف رغم أنه كان يتوقع فشلا ذريعا له.

نجح الرهان الأول لخان بعد أن تزاحمت الجماهير أمام سينمات القاهرة لتشاهد صحفيا يجوب الشوارع على دراجة نارية لتقفي آثر جريمة كشف سرها بالمصادفة.

في “ضربة شمس” تجول خان بكاميرته خلف البطل في الميادين الرئيسية كالتحرير ومحطات مترو الأنفاق ومدينة كحلوان على أطراف العاصمة. تفاصيل مشبعة وموسيقى تصويرية ملائمة للغاية لحالة المطارد والباحث عن الحقيقة عوامل أنجحت تجربته وقربته أكثر إلى الجمهور المصري الذي تعرف لتوه على اسمه

 

 

 

الحريف.. البحث عن مواهب الفقراء

هذه المرة لا يطار خان صحفيا إنما لاعبا موهوبا يعيش حياة صعبة. فارس الحريف الفقير الذي يعمل في ورشة صناعة أحذية هو عادل إمام الذي قرر أن يخوض المغامرة في فيلم “الحريف” إنتاج 1984.

ينتقل خان بسلاسة شديدة إلى عوالم لاعبي الكرة في الأحياء الشعبية. أجاد المخرج الراحل استخدام كاميرته في تتبع قصة الحريف في شوارع القاهرة، أسفل الكباري وفي الحدائق منزوعة الخضرة.

نتابع في “الحريف” القاهرة في عيون فقرائها الذين يسهرون الليالي على المقاهي للتنفيس عن همومهم بلعب الدومينو.

خان أخرج عملا عظيما من وجهة نظره للحياة، أما بطل الفيلم عادل إمام فكان يرى أنه فرغه من مضمونه الشعبي الذي اعتاد الزعيم تقديمه في أفلام كالمشبوه وحنفي الأبهة. إمام اعترض أيضا على نهاية الفيلم وتحديدا الأنفاس السريعة التي كانت يزفرها في مباراة الاعتزال لفارس أسفل كوبري عبدالمنعم رياض، إلا أن العمل اعتبره سينمائيون كثر من ضمن الروائع التي جسدت لاعبي الكرة الشراب والطريقة التي سلط بيها خان الضوء على العلاقات الإنسانية التي تدور على أسطح المدينة.

 

 

فارس المدينة.. خان هو العنوان

ارتباط خان بالقاهرة واسم فارس الذي اعتمد عليه في “الحريف” لعادل إمام، و”طائر على الطريق” لأحمد زكي، جعله يختار اسم فيلمه “فارس المدينة”.

أسند خان البطولة فيه لمحمود حميدة للمرة الأولى، بجانب حسن حسني وعايدة رياض وعبد العزيز مخيون، وكان يتناول قصة فارس الذي كون ثروة بوسائل غير مشروعة، ويعيش حياة مدمرة.

المخرج البكستاني المصري رشح أحمد زكي، بطله المفضل، لتمثيل فارس، لكن النجم الأسمر اختفى قبل بدء التصوير واعتذر عنه محمود عبدالعزيز أيضا، لتقع البطولة من نصيب النجم الصاعد محمود حميدة، وهي من قصص مغامرة محمد خان الذي يصنع الأبطال.

 

 

بنات وسط البلد.. أحلام الفتارين

يتحدث اسم الفيلم عن مضمونه، يقتحم مخرجنا فتارين وسط البلد لالتقاط قصص فتيات مغامرات يحلمن بالارتباط. منة شلبي وهند صبري فتاتان يتجولن في شوارع وسط البلد بمقاهيها ومحالها. البطل هنا ليس الشارع أكثر منه فتيات القاهرة، اللواتي وجدن أن الثنائي النسائي يعبرن عن قطاع كبير.

 

فتاة المصنع.. حب الكادحات

يداعب خان مجددا أحلام فتيات القاهرة، لكن هذه المرة من قلب مصنع ملابس يشغله النساء وليس الفتارين التي تعرضها.

ياسمين رئيس فتاة كادحة تعيش في حي شعبي فقير تحلم بالارتباط من مهندس المصنع هاني عادل، قصة ليست ثقيلة لكن خان اسخدام ملكاته بإيجاد طريقة لإقحام سعاد حسني في حياة الفتاة الحالمة.

يظهر الشارع من خلال سور مترو أنفاق السيدة زينب الذي يسكن بجواره البطل هاني عادل، ما يؤكد تصميم خان على ظهور المترو في معظم أفلامه، كونه الوسيلة الأكثر شيوعا في حياة المصريين.

 

 

خلال 28 فيلما قدمهم خان للسينما المصرية، اهتم بالمواطنين الذين تدور حولهم الحياة في العاصمة. لكن تكن القاهرة هي البطل لكنها رفيقة الطريق التي لجأ إليها الراحل لإظهار الحكايات الاجتماعية وتسليط الضوء على ناسها الذين يعيشون أعلى الأسطح ويقضون لياليهم على المقاهي الشعبية وينحرون صحتهم في ورش ومصانع وفتارين.

“لو أصبح محمد خان مخرجا في الخمسينيات، لكانت أفلامه أقرب إلى عالم هنري بركات وعز الدين ذو الفقار منها إلى عالم صلاح أبو سيف وتوفيق صالح، ولكنه نضج واستوى في الستينيات، حقبة التغيرات الاجتماعية الهائلة، وزمن صعود الطبقة الوسطى، وعصر الاحتفاء بالغلابة والبسطاء، وأيام الشهد والدموع، فأصبح، مثل كل أبناء جيله، شديد الحساسية لتفاصيل الواقع، لديه رادار داخلي يرصد انقلاب الأحوال والظروف” يقول عنه الصحافي محمود عبد الشكور في كتابه التحليلي لسينما محمد خان “البحث عن فارس”.

 

 

ويقول عبدالشكور لـ”ميم” إن الراحل خان ظل يبحث دوما عن الفروسية داخل الإنسان، وظل مخلصا للشخصيات العادية، يقدمها بحب شديد، ويحتفى بأحلامها وصبرها وحبها للحياة.

بالنسبة لعبدالشكور، فإن سينما خان تميزت عن زملائه من مخرجى الواقعية بأنها كانت واقعية ذات ملامح رومانسية، سواء من حيث شخصيات أبطاله الذين تحركهم قلوبهم، أو من حيث حفاوة خان بعاطفة الحب التى يرى فى غيابها كارثة الكوارث.

يختتم حديثه: “ليتهم يدشنون شارعا باسم محمد خان فى مدينته القاهرة التى عبر عنها كما لم يفعل أحد من قبل. هذا حقه الذى يكرم اسمه، ويكرم جيله أيضا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.