الرئيسيثقافةغير مصنف

“السيّد الرئيس”.. بؤرة أستورياس السرديّة لمحاكمة النظم الفاشيّة

سلسلة أدب التحرر اللاتيني

 

“ليس هناك أمل في الحرية، يا أصدقاء، نحن محكومون بتحمل هذا إلى ما شاء الله، المواطنون الذين يتطلعون إلى سعادة الوطن بعيدون جدا، بعضهم يتسول الصدقة في أرض غريبة، بينما يتعفن الآخرون في مقابر جماعية، يوما ما ستنغلق الشوارع من الرّعب، ولن تثمر الأشجار ثمارا كالسابق، الذرة لن تغذينا، والماء لن يروينا، وقريبا يأتي زلزال ليسحق كل شيء، فليأت، لأننا شعب ملعون، تصرخ فينا أصوات السماء مع الرعود: أخساء نجسون شركاء الجور على جدران السجون، ترك مئات الرجال آثار أدمغتهم التي فجرتها رصاصات المجرمين، وما زال رخام القصور مبللا بدماء الأبرياء، إلى أين نولي وجوهنا لنرى الحرية؟”، عندما كتب ميغيل أنخل أستورياس هذه الكلمات على صفحات “السيّد الرئيس” لم يكن يخطّ أكثر من رسالة تحوّلت بفعل مضامينها إلى واحدة من أروع الروايات في العالم.

 

 

عام 1946 صدرت النسخة الأولى لواحدة من أروع البؤر السرديّة المقعّرة التي إستطاع صاحبها أن يحاكم نصيّا وأخلاقيا وأدبيّا النظم الشموليّة القاتلة لا فقط الرئيس الغواتيمالي مانويل استيرادا كابريرا الذي كتبت له شخصيّا، تمكّن أستورياس من الأدب والشعر والكتابة الصحفيّة حوّل الرواية إلى ملحمة حقيقيّة ضدّ الإستبداد تجمع بين الأحداث المرعبة والنقد الساخر وتراوح بين حدّي البقاء والفناء بأسلوب إنتقال رهيب من التوصيف المرعب إلى الأمل المبشّر، أسلوب ومضامين مكّنت الرواية من الحصول على جائزة نوبل للآداب سنة 1967 قبل أن تترجم إلى عديد اللغات وتمنع في أكثر من دولة من العالم.

 

 

 

 

الخادمة التي تعرّضت لأبشع أنواع التنكيل لتقول شيئا لا تعلمه قبل أن يتركوا رضيعها يموت بجانبها من البكاء ثمّ باعوها لبيت المومسات أو الجنرال الذي أعدّت له كلّ أركان جريمة بدقّة متناهية حتّى ينال الإعدام بسبب غضب الرئيس عليه لسبب مجهول وكذا إبنته التي إختطفوها بعد أن تمكّن من الفرار، قصّة عبور النهر ومواصفات شعب “ملعون”، كلّها تفاصيل تبدو كبيرة أحيانا وصغيرة أحيانا أخرى تحت ريشة أستورياس وهو يعرّي النظام الفاشي ويعرضه لمحاكمة يجلده فيها على مرّ التاريخ.

 

“وزن الأموات يجعل الأرض تدور ليلا، وفي النهار وزن الأحياء، عندما يفوق عدد الاحياء يصبح الليل أبديا، لن تكون له نهاية سينقص وزن الاحياء كي يعود الفجر”، ليس أكثر من هذه الصورة المعبّرة التي تختزل وجودا كالعدم سوى تلك التي يوردها الكاتب في محاكات للكوجيتو الديكارتي “أنا أفكّر مثل الرئيس إذا أنا موجود”، وسرعان ما يغادر تلك الدائرة إلى أخرى “ليس هناك أمل في الحرية، يا أصدقاء، نحن محكومون بتحمل هذا إلى ما شاء. المواطنون الذين يتطلعون لسعادة الوطن بعيدون جدا: بعضهم يتسولون الصدقة في أرض غريبة، والآخرون يتعفنون في مقابر جماعية. يوما ما ستنغلق الشوارع من الرعب، ولن تعطي الاشجار ثمارا كالسابق، الذرة لن تغذينا، والماء لن يروينا، وقريبا يأتي زلزال ليسحق كل شيء”، تلك بشائر التحرّر التي ينحاز لها الكاتب رغم “اللعنة” التي حلّت بشعبه.

 

 

في السجن يصنع الكاتب فضاءا للحريّة ويورد حوارا رائعا بين أربعة سجناء عن الإله والإيمان والحرية، ومع أن السجن كان مظلما، مخيفا ومرعبا، إلا أنهم استطاعوا أن يتغلبوا على الظلمة وعلى الفراق بالكلام للتشبث ببقية حياة ولقهر الخوف المخيّم بالصمت على طول الجغرافيا وعرضها، قال أحد السجناء مخاطبا زميليه في السجن بأن يبقيا مستمرين في الكلام، لأن الصمت يخيفه، ويبث في نفسه الرّعب قال: “لا تتوقفا عن الكلام، إنني أخاف من الصمت، إنني خائف”.

لقد كان من بين المسجونين طالب، وهو السجين الوحيد الذي لم يبح بسر القبض عليه، لأنه لم يرد أن يذكر وطنه بسوء “وكان الطالب هو الوحيد الذي لم يبح بسبب القبض عليه، وكان الحديث عن رئتيه المريضتين أهون عليه من ذكر وطنه بسوء”.

وبعد أخذ ورد في الحديث، اقترح عليهم أن يكون كلامهم عن الحرية، فرد عليه مساعد القس باستهزاء: “يا لها من فكرة! تصوروا أن نتكلم عن الحرية، ونحن في السجن”.

بيد أن مساعد القس بحكم قصوره ومحدودية مستواه، لم يدرك حقيقة في غاية الأهمية، مفادها أن الإنسان إذا فقد شيئا عرف قيمته، ولن تعرف قيمة الحرية إلا إذا ذقت حياة العبودية، في حين عرف الطالب ذلك، وأدرك أن المأساة التي يعيش فيها شعبه المقهور، ويعيش فيها هو ورفاقه في السجن، كانت بسبب غياب الحرية.

 

 

لا تغوص الرواية في قصص حزينة يوردها الكاتب بتدرّج فحسب بل وفي مقوّمات ومعالم حكم “السيّد الرئيس” الذي قدّمه كعالم موازي لأطوار الرواية ولكنه الماثل على الأرض ويقول “في عالم السيد الرئيس لا مكان للقانون، ولا للعدالة ولا لحقوق الناس، فالقانون يفسّر بحسب أهوائه والعدالة هي التي تتماشى ونزواته، والحق الوحيد للناس في عالمه هو أن يبقوا أحياء، ما داموا يقدمون له فروض الولاء والطاعة، وأي شك في مقدرة الرئيس، وفي جدارته، سيعرّض صاحبه للموت أو الجنون. كل شيء مزيف في نظامه، قضاة مزيفون، محاكمات مزيفة وصورية، تهم ملفقة، وشهادات زور وبهتان”.

 

من بؤرة سرديّة مقعّرة إستطاع ميغيل أنخل أستورياس أن يلج إلى عوالم الموت التي يفرضها الطغاة على ساكنة الأرض حيث لا مكان للعلم والعلماء ولا للفكر والحكماء ولا للحريّة، عالم من الموت المحقّق لا وجود فيه سوى لـ”السيّد الرئيس” فحتّى “الأخيار يدفنون لأنّهم رفضوا الصلاة للسيّد الرئيس بدلا من الله”، كلّ مقوّمات التألّه في الأرض التي تدوس على رقبة الإنسان وتنحره بأساليب وحشيّة، متجاوزا بذلك الدكتاتور الغواتيمالي نفسه إلى دكتاتوريات كثيرة على وجه الأرض فهاهو الطاغية الليبي معمّر القذّافي يصف شعبه بـ”الجرذان” وطاغية سوريا بشّار الأسد يصف شعبه بـ”الجراثيم” ومن قبلهم الطاغية التونسي زين العابدين بن علي يصف المنتفضين من الشعب بـ”العصابات الملثّمة” تماما كما يصف “رئيس الرواية” كابريرا شعبه بـ”البعوض” و”الدمى”.

 

رائعة “السيّد الرئيس” واحدة من أروع ما خطّت أنامل الأدباء في أدب التحرّر على مرّ التاريخ لذلك هي لا تزال رواية يقبل القرّاء على شراءها حتّى بعد أكثر من 70 سنة على صدورها فهي صيحة فزع من ضمن صيحات كثيرة يطلقها “الإنسان” ضدّ الطغيان على أمل حريّة يكتشف معها معنى الإنسانية نفسه وهي أيضا أثر إنساني آخر يكشف أن تفاصيل تاريخ الإنسانيّة يكتبها الروائيّون في ظلّ تنكّر المؤرّخين وإنحيازهم في الغالب للظلم والقمع وللحكّام ضدّ شعوبهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد