مجتمعسياسة

الازمة بين الشاهد ونجل الرئيس واستعادة التوازن بين قرطاج والقصبة

 

حظي وزير الداخلية المقترح هشام الفوراتي بتزكية البرلمان التونسي بعد أن صراع بين أجنحة السلطة في قصري قرطاج والقصبة دام أسابيع، وانتهت هذه الجولة الجديدة من الحرب الباردة بين رئيس الحكومة والمدير التنفيذي لحزب نداء تونس حافظ قايد السبسي بفوز الشاهد وإعلان انتصاره بحصول وزيره على أغلبية أصوات النواب في جلسة التصويت.

 

ليس هذا الصراع بجديد على المشهد التونسي فكل فترة تتفجر خلافات جديدة في شكلها متكررة في جذورها، بين القصبة وقصر قرطاج، فالصراع على النفوذ بين الطرفين على أشده منذ سنوات، واشتد مؤخرا حتى عاشت البلاد على صفيح ساخن أججته وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن هدأت الأمور نسبيا بعد ان سجل الشاهد انتصارا سياسيا وحزبيا على منافسه وتحول البرلمان من الانقسام إلى التوافق حول الدفع نحو الاستقرار الحكومي والسياسي.

الشقوق والصراع حول السلطة

لم تكن المعركة هينة هذه المرة، وتم الحشد لها منذ أسابيع، وكان أساسها الدفع برئيس الحكومة نحو الاستقالة أو التوجه نحو البرلمان لتجديد الثقة. عوّل حافظ قايد السبسي على ولاء نواب الحزب المساندين لتوجهه في أن تسحب الثقة من رئيس الحكومة الحالي لكن الشاهد أثبت توسع نفوذه داخل نداء تونس وفشلت الخطة الأولى.

من جهته، لم يستطع رئيس الجمهورية الحفاظ على الحيادية في تعامله مع الصراع الذي يشق حزبه، وانضم الى جانب ابنه، في حركة اعتبرها سياسيون ومحللون في الشأن التونسي محاولة معلنة لتمرير السلطة وتوريثها لنجله خاصة مع تنامي نفوذ الشاهد داخل الدولة والحزب، وتجاوزه للمربع  الذي رسم له حين أتي به بدلا عن رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد.

احتدام الصراع بين الطرفين حسمته حركة النهضة، صاحبة الأغلبية البرلمانية، التي انتصرت للإستقرار الحكومي “لأن البلاد لا تحتمل المزيد من الإضطراب” كما أعلن رئيسها، الذي طالب في الآن ذاته بإجراء تحوير وزاري في حده الأدنى لسد الشغور الحاصل في مواقع عدة بالحكومة مع المحافظة على رأسها.

 

 

قبة البرلمان تحسم الصراع

بعد رفضه الاستقالة وفشل محاولات إقالته، نقل الشاهد المعركة للبرلمان بإعلان تعيين وزير جديد للداخلية خلفا للطفي براهم المقال.

بهذا تحول الصراع إلى زاوية أخرى، عنوانها وزير الداخلية المقترح، هشام فوراتي. وبينما صرح رئيس الحكومة أن تعيين الفوراتي جاء بعد استشارة رئيس الجمهورية والكتل البرلمانية المساندة للحكومة،  سارع مستشار الرئاسة نور الدين بن تيشة  لتكذيب ما ورد عن رئيس الحكومة، وقال إن التعيين جاء دون علم الرئيس.

أحرج الصراع القوي بين القصبة وقرطاج النواب من مختلف الكتل وسبب انشقاقا داخل صفوف البرلمان، فقد قاد حافظ قايد السبسي الجناح المعارض لمنح الثقة للوزير الجديد، لعرقلة العمل الحكومي وإطالة أمد الصراع بينه وبين الشاهد.

فطيلة سبع ساعات من المداخلات، تداول النواب على الكلمة معبرين عن مواقف متباينة، فمنهم من دفع نحو تحييد وزارة الداخلية عن الصراعات الحزبية وعدم توظيف البرلمان داخل توازنات السلطة، ورأى اخرون أن هذه الحقيبة الوزارية السيادية أصبحت هي المحرار لقياس تفوق قوة على أخرى.

حركة النهضة تمسكت بالتصويت لصالح التعيين من منطلق الحفاظ على استقرار البلاد والامن القومي الذي من الممكن ارباكه بسبب حالة الشغور الحالية.

وشكّل موقف كتلة نداء تونس مفاجأة قلبت الموازين، فبعد الانقسام بين نوابها بين مؤيد لمنح الثقة ومعارض، غيرت الكتلة موقفها نحو التصويت بالموافقة على الوزير الجديد، ما خوّل للشاهد كسب جولة أخرى من الحرب الباردة بينه وبين المدير التنفيذي لنداء تونس.

 

يوسف الشاهد، الباجي قائد السبسي و محمد الناصر، 5 جويلية في قصر قرطاج

 

 عودة التوازن بين القصبة وقرطاج

جاء انتصار رئيس الحكومة الحالي و توفقه في تجميع المواقف المتضادة و توسيع دائرة حلفائه في البرلمان ليعيد للحكومة مكانتها مقابل قصر قرطاج، بعد ان شهدت-حسب محللين- محاولات للاستيلاء على صلاحياتها ونفوذها وإدارة شؤون البلاد، وهو ما يتناقض مع النظام الذي أقره الدستور وهو النظام البرلماني المعدل الذي يوازن بين السلطات مع تقديم أفضلية ونفوذ أوسع للحكومة والبرلمان في تقرير شؤون الدولة، مقابل تضييق مساحة النفوذ الرئاسي وحصرها في الشؤون الخارجية وإقرار ضرورة التنسيق مع رئاسة الحكومة في الشأن الداخلي.

فدستور 2014 للجمهورية الثانية جاء ليؤسس للديمقراطية ويمنع عودة ديكتاتورية الرئيس التي اعتمدها بورقيبة وبن علي، ويضمن توسيع ذائرة الحكم وتمثيلية الشعب في السلطة ممثلة في البرلمان الذي يجسد  إرادته، بدل حسابات الفرد الحاكم وحاشيته.

ورغم تذمر الرئيس التونسي المستمر من النظام الحالي، ورفضه لمحدودية صلاحياته ورغبته في تغيير النظام السياسي المعتمد حاليا، والذي وصفه “بالشاذ”، وتعلله بأنّه شلّ العمل الحكومي أو كاد، وزعمه بأن ”طابعه الهجين لا يساعد الحكومة على القيام بواجباتها في تسيير الدولة” تبقى المعركة الأخيرة نقطة جديدة تضاف لسجل الانتصار لمبادئ الدستور والمسار الديمقراطي في البلاد.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.