مجتمعغير مصنف

“سلطة” الجنس اللطيف: كيف تعيش نساء الشرطة في مصر؟

نادية محمد- مجلة ميم

 

أيدي ناعمة لا يفارقها السلاح، زي أنيق، نظارة سوداء، عصي غليطة، تُشهر في أوجه المتحرِّشين، حتى يبدو قسم البوليس النسائي في مصر حكرًا على مواسم التحرش. لا تُذكر الشرطة النسائية إلا في الأعياد المصرية التي ينتشر فيها الشباب – بأعداد ضخمة – في الشوارع باحثين عن علاقة عابرة أو لمسة فاجرة، أعياد الأضحى والفطر وشم النسيم والحب، التي تتحوَّل – دومًا في مصر – إلى منافسة بين الشباب الطائش و”النسر والكاب”. هذا ما تعرفه عن الشرطة النسائية في مصر، لكن تفاصيل أخرى، خاصة وسريّة أحيانًا، تحيط قصة الجنس اللطيف في الزي الميري.

 

 

 

لا لاعتداءات “الأيدي الناعمة”

تبع عدّة حوادث تحرش بوسط القاهرة انطلاق ظاهرة الشرطة النسائية في مصر، دفعت الشرطة عددًا ضخمًا من أفراد الشرطة النسائية إلى الشوارع لتأمين احتفالات المواطنين بشكل عام، وتحديدًا ضد جرائم العنف ضد المرأة.

 

 

كان وجود الشرطيات للقبض على المتحرشين، ظهوراً فاجأ الكثيرين، إذ كان يقتصر دورهن داخل المؤسسات الإدارية في الدولة. واختلفت وجهات النظر في تلقي الفيديوهات التي تم تداولها للشرطيات وهن يقبضن على المتحرشين، خصوصاً على المشهد الذي تم تداوله لشرطية تصفع أحد المتهمين على وجهه، فضلاً عن توجيه شتائم قاسية تنال من عرض المتهم وشرفه.

 

 

ظهور الشرطيات للقبض على المتحرشين فاجأ كثيرين؛ فقد كان دورهنّ يقتصر على العمل داخل المؤسسات الإدارية بالدولة، إلا أن الأمر تطول حتى بلغ التحاق بعضهنّ بالقوات الخاصة، وتداول متابعون فيديوهات لشرطية تصفع متحرشًا على وجهه، وأخرى تسبّ بألفاظ بذيئة بما يخالف القوانين التي تجرم انتهاك حقوق المتهم الإنسانية، فانفتح باب الجدل.

لفت حضور الشرطة النسائية النظر، فقد كان منظمًا وكثيفًا يواجه الذكورية المصرية الأصيلة، سواء بين أفراد الشرطة الرجال، أو بين المتحرّشين، الذين قبضت عليهم دوريات نسائية، فكانت الإهانة – بالنسبة لهم – مضاعفة، وبعضها ابتكر أساليب فورية للعقاب.

اخترعت بعض الشرطيات، بالتعاون مع مبادرات وجمعيات معادية للتحرش، طرقًا من بينها الكتابة على ظهر المتحرش بـ”اسبراي” أنه متحرش لوصمه، أو رشّ وجهه بمساحيق تؤدي للعمى المؤقت.

 

 

تعارض الباحثة النسوية سارة جمال ذلك الاتجاه بقولها إن صورة المرأة لن تتغير بعنف الشرطيات، أو ظهورهنّ بمظهر “الكوماندوز”. واستنكرت سارة: “عدم التعامل مع المتهمين بالتحرش طبقًا للقانون، والاعتداء عليهم لن يغير أي شيء.. التغيير سيحدث فقط حين تظهر الدولة مسؤولية حقيقية تجاه قضايا المرأة”.

 

 

وتحلل الباحثة النسوية ذلك الاعتداء نفسيًا: “الدافع ليس كونها امرأة تدافع عن امرأة، إنما لأنها شرطية.. وهناك سوابق لشرطيات اعتدين على نساء في مظاهرات عامي 2009 و2010، وفي حوادث أخرى، فالتي تعتبر الاعتداء أسلوبًا في المواجهة لا تعتدي على المتحرشين فقط”.

 

 

رغم ذلك، تعتبر السلطات المصرية الدفع بعناصر نسائية للتأمين رسالة طمأنينة إلى الفتيات، فالقاهرة تعاني من اتساع ظاهرة التحرش منذ سنوات، وقدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن نسبتها في البلاد بلغت حدا قياسيا إذ طال التحرش حوالي 99% من النساء في عام 2017.

وغلظت مصر العقوبة على جريمة التحرش الجنسي لتصل إلى الحبس 6 أشهر وغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه (170 دولارا).

 

“باشا” صباحًا.. و”هانم” في المساء

لا تستسلم العقيد منال عاطف لسَطوة البدلة الميري ليلًا، فهي “باشا” – كما ينادونها باعتبارها مدير إدارة مكافحة جرائم العنف ضد المرأة بوزارة الداخلية – صباحًا، وفي الليل، تتحوّل إلى “هانم” تمارس دورها زوجةً وأم. لكن، كيف صعدت العقيد منال إلى منصب قيادي في عالم يحكمه الرجال؟

تقول: “التحقت بالدفعة السادسة في قسم الشرطة النسائية بأكاديمية الشرطة بعد تخرجي في كلية الحقوق، عملت لفترة في إدارة الآداب حتى أنشأت إدارة مواجهة العنف ضد المرأة عام 2013، وتلقيت تدريبًا في الولايات المتحدة على مكافحة جرائم التحرش الجنسي”.

كيف نجحت؟.. تكمن إجابة السؤال في الحزم، الذي يبدو جليًا على ملامحها، طوال ممارسة عملها، كشخصية مهمتها الأولى حِفْظ الأمن والأمان، لكن ذلك لا يأتي على حساب دورها كأم وزوجة.

تعمل العقيد منال، كما تصف دورها، طبيبًا نفسيًا لضحايا التحرش الجنسي، لإعادتها للتواصل مع المجتمع مرة أخرى، وهذه “رسالة جهاز الشرطة”، وتروي قصص إحدى الحالات التي تعرّضت لها: “صيدلانية تعرَّضت للاغتصاب، أبلغت، وبعد وقت حاولت التراجع خوفًا من الفضيحة، إلا أننا نجحنا في إقناعها باستكمال القضية حتى ينال المجرم عقابه

 

ماذا تفعل حضرة الضابط في السجن؟

بالقرب من السجناء والسجينات أيادٍ أكثر نعومة؛ انضمَّت، مؤخرًا، إلى قطاع السجون أعداد هائلة من نساء الشرطة، خاصة السجون التي يتواجد بها سجينات.

 

 

يعتبرهنّ المتابعون لمسة جمالية على العمل الشرطي، لكن الحقيقة أن “تنظيم مشكلات السجينات، وضبط الأمن، والحفاظ على النظام داخل السجون ومراعاة السجينات، والإشراف على استقبالهنّ لأطفالهن في حدائق السجون، وتنظيم زيارات السجينات لمكتبات القراءة والعمل في المصانع، وخدمة المرضى” كما تقول النقيب مها صبحي أبو العلاء، ضابط العلاقات العامة بسجن طنطا.

 

 

لم تنسَ الشرطة أن ملائكة الرحمة، مهما بدت الرحمة غائبة في تلك السجون، لا بد أن تكون أغلبهنّ من النساء، فهذه نقيب طبيب ديانا جميل عزيز، ضابط بسجن ليمان طرة الشهير، تقول إن أصعب مشهد يمرّ بها يوميًا، هو ولادة السجينات، فمهما بدا الأمر “ولادة عادية” يحمل بداخله حزنًا كبير: “صعب جدًا بالنسبة للأم أن يولد الطفل في مستشفى السجن”.

فيما شاركت النقيب بنادير عبد الهادي، ضابطة بسجن المنصورة، في تنظيم مباراة جرت بين فريق السجناء ونادي الاتحاد السكندري، فكان دورها أكبر من الإشراف على التفتيش، إنما “مساعدة السجناء في حل المشكلات العابرة وضبط الأمن بالقوة إذا لزم الأمر”.

 

من القوات الخاصة.. كيف تصبحين “لواء”؟

بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، خرجت شرطيات مصر من دوامة العمل المكتبي بالداخلية إلى الشارع، فضّت مظاهرات، وواجهت اشتباكات، ومنعت التحرش. كان عليها أن تخوضَ تجربة جديدة، لا بد أنها أصعب، فكان المعهد القومي لتدريب القوات الخاصة، الذي شهد تخريج الدفعة الأولى من القوات الخاصة النسائية في الخامس عشر من مايو 2018، وهو، كما وُصف حينها، “تطور ملحوظ”.

 

 

وتتلقى العناصر النسائية تدريبًا قاسيًا، كما هو حال التدريبات البدنية التي تتعمّد تهميش المرأة باعتبارها “ضعيفة التحمل”؛ لا تبدأ القفز بالحبال والغوص في المياه والمطاردات الساخنة، ولا تنتهي بالقفز بالمظلات والاشتباكات بالذخيرة الحية.

ويكشف اللواء بهاء حلمى، مساعد وزير الداخلية المصري خلال ثورة يناير، سرّ “القوات النسائية”: “فكرة إنشاء القوات الخاصة النسائية، جاءت بعد العام 2011، حينما كانت هناك تظاهرات نسائية، كان من الواجب التصدي لها عبر قوات نسائية، بدلا من مواجهتها بالأمن المركزي، وهو ما دفعنا للتفكير في تكوين قوات شرطة نسائية بكفاءة عالية”.

 

 

تدريبات قاسية.. حياة صعبة.. انقطاع عن الحياة الناعمة.. لكن ما يجبر الشرطيات على التحمُّل هو حلم الترقّي، فرتبة “لواء”، أعلى الرتب في عالم البوليس، أصبحت متاحة بعد أن كانت النساء درجة ثانية بين طموحات الرجال، بعدما ترقَّت إليه اللواء عزة الجمل.

لأول مرة في التاريخ، تحصل سيدة على رتبة لواء. تشغل اللواء عزة منصب مدير مستشفى الشرطة في القاهرة الجديدة، وهي خريجة كلية الطب جامعة عين شمس، التحقت بكلية الضباط المتخصصين، وتدرَّجت من رتبة ملازم أول حتى عشَّش على كتفيها نسرٌ بجوار سيفين (علامة اللواء).

ما أعان عزة حتى أصبح لها الريادة بين نساء البوليس في مصر، وفق قولها، أنها “تتسم بالانضباط والالتزام بالمواعيد وتنظيم والعمل وتحديد الأولويات، فلا يطغى شيء على شيء حتى لا تفسد الحياتين، العملية والأسرية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد