اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الموجة الجديدة: “بين التأثّر والتأثير”‎

سنيما

 

تُعدّ الموجة الفرنسيّة الجديدة (La Nouvelle Vague) إحدى أهمّ التيّارات السينمائيّة الّتي أحدثت تأثيرًا كبيرًا في السينما العالميّة في الخمسينيّات والستّينيّات، ومازالت مرجعًا هامًّا لكلّ من يرغب في دراسة السينما أو ممارستها.

وقد كان لهذه الموجة خصوصيّاتها وروّادها وروافدها الفكريّة والفنّية وطابعها الجمالي الخاصّ. وكان روّادها فرانسوا تروفو وجان لوك غودار وكلود شابرول وجاك ريفيت وايريك رومر، هؤلاء كانوا أشهر مخرجي الموجة، نظّروا لسينما جديدة في ذلك العصر وجسّدوا هذه النظريّة في أفلامهم الّتي بلغ عددها أكثر من 400 فيلم لأكثر من 200 مخرج. ومن أبرزها Les Quatre Cents Coups (1959) لفرانسوا تروفو و A bout de souffle (1960) لجون لوك غودار و Cléo de 5 à 7 (1962) لأنييس فاردا و Ma nuit chez Maud (1969) لإيريك رومر، إلخ..

 

ازدهرت في فرنسا بعد الحرب العالميّة الثانية ظاهرة تأسيس نوادي السينما، حيث تأسّست ثقافة عرض الأفلام لمناقشتها والوقوف عند خصائصها الفنّية وأبعادها الفكريّة والفلسفيّة، ومن هذه النوادي خرج أغلب منظّري الموجة الجديدة ومخرجوها.

كما ظهرت عديد المجلّات المختصّة في النقد السينمائي، وكانت في ذلك الوقت التجربة الأولى من نوعها في العالم، ونذكر على وجه الخصوص “الدفاتر السينمائيّة” (Cahiers du Cinema)  الّتي ظهرت إلى النور في عام 1951 على يد الناقد السينمائي أندريه بازين (André Bazin) الّذي كانت لآرائه دور كبير في بلورة مفاهيم الموجة الجديدة، وكان بمثابة الأب الروحي للمخرجين الشباب الّذين سيؤسّسون هذه الموجة. ورغم أنّ ظاهرة المجلّات السينمائيّة وُجدت قبل “الدفاتر السينمائيّة”، إلّا أنّ هذه المجلّة كانت رائدة في النقد العلمي للأفلام الّذي نعرفه اليوم. ومن خلالها، نضج جيل الموجة الجديدة الّذين بدؤوا نقّادًا في هذه المجلّة، قبل أن يدخلوا غمار الإخراج ووضع أفكارهم حيّز التنفيذ، فكانت المجلّة حافلة بمقالات رومر وغودار وريفات وشابرول وتروفو، الثوريّة في ذلك الوقت باطّلاعها على مختلف المدارس السينمائيّة في العالم، وتحليل مساراتها وتوجّهاتها وطرح بدائل كانت أهمّ مميّزات هذه الموجة فيما بعد.

 

 

ورغم أنّ الموجة الجديدة جاءت كثورة على السينما الفرنسيّة في النصف الأوّل للقرن العشرين، إلّا أنّها لم تقطع معها تمامًا، فقد تأثّرت بتيّار معيّن في السينما الفرنسيّة، ألا وهو تيّار الواقعيّة الشعريّة، الّتي اقتبست أغلب أفلامها من أعمال أدبيّة، وكانت -على عكس السينما السائدة في ذلك الوقت- تعكس رؤية ذاتيّة لمخرجيها، على رأسهم المخرجيْن الفرنسيّين كلود رينوار ومارسال بانيول.

كما تأثّر روّاد الموجة الجديدة بالمدرسة التعبيريّة الألمانيّة، وخصوصًا المخرج فريتس لانغ، في فيلمه الشهير Metropolis والمخرج فريديك مورنو في فيلمه Nosferatu، خاصّة في نقطة توظيف التقني لخلق عالم رمزي يعبّر عن أفكار المخرج المجرّدة.

أمّا الرافد الثالث، فهو حركة الواقعيّة الجديدة في إيطاليا، وخاصّة روّادها الكبار، المخرجيْن روبرتو روسلّيني وفيتّوريو دي سيكا، في استلهامهم الأفكار من الواقع المهمّش، ويختارون ممثّلين غير معروفين وغير محترفين يشبهون شخصيّات الأبطال، للتقليل من تكلفة الأفلام الباهظة، هذا بالإضافة إلى استخدامهم الكاميرات المحمولة للتصوير على أرض الواقع، دون الرضوخ لإكراهات المنتجين ومالكي استوديوهات التصوير.

 

فرانسوا تروفو وهيتشكوك

 

أمّا على المستوى الفكري، تأثّر مخرجو الموجة الجديدة بالأطروحات الفلسفيّة الوجوديّة، ولعلّ حضور سارتر وكامو كان واضحًا في الأفكار الّتي تدور حولها أفلامهم، فالشخصيّات الرئيسة في أفلام الموجة الجديدة هي شخصيّات مهمّشة تخوض صراعها في العالم بأسلوب فرداني وبمعزل عن الآخرين، لمحاولة إيجاد معقوليّة للذات المتشظّية في عالم عبثي. كما يظهر بوضوح، نقد الموجة الجديدة للفاشيّة وللهيمنة الاستعماريّة لفرنسا في الجزائر والفييتنام؛ كما كانت سينما الموجة الجديدة وعاءً فنّيًّا لحركة ماي 1968، واستشرافًا لها.

لعلّ أهمّ فكرة قامت عليها سينما الموجة الجديدة هي إعادة النظر في دور المخرج، بإعطائه مسؤوليّات أكثر وحرّية أكبر في تنفيذ أعماله الفنّية، فالفيلم حسب هذا التيّار السينمائي هو انعكاس لنظرة المخرج الذاتيّة، ولذلك يجب أن يكون مستقلًّا تمامًا ومسؤولًا عن العمل الفنّي في أدقّ تفاصيله. وهذا ما يساهم في إبراز أسلوبه الخاصّ وأفكاره الّتي يرغب في إيصالها إلى المتفرّج. وهذا ما ساهم في زهور في مفهوم سينما المؤلّف. وفي سينما المؤلّف لا يكون المخرج مجرّد تقني في الفيلم كما هو الحال في السينما الهوليوديّة في ذلك العصر، بل يرتقي إلى مرتبة الخلق الإبداعي. ورغم ثورة الموجة الجديدة على السينما الهوليوديّة، إلّا أنّها ثمّنت خصوصيّة بعض مخرجيها الّذين كان لهم أسلوبهم الخاصّ وحرصهم على أن تكون أفلامهم انعكاسًا لذواتهم بوقوفهم على كلّ تفصيلة فيها؛ وخاضوا صراعات مع شركات الإنتاج الهوليوديّة لفرض استقلاليّتهم وإن كانت نسبيّة، ومن هؤلاء المخرجين نذكر ألفريد هيتشكوك الّذي حاز إعجاب كثير من روّاد الموجة الجديدة في فرنسا.

 

غودار أثناء التصوير بكاميرا محمولة في الشار 1960

فالسينما الهوليوديّة الّتي تعتمد أساسًا على تكلفة الإنتاج الكبيرة وفرق العمل الضخمة والاستوديوهات الشاسعة والمجهّزة بأحدث التجهيزات الإلكترونيّة، وهو ما يحدّ من دور المخرجين العاملين فيها. ولذلك قامت الموجة الجديدة بضرب المفهوم الهوليودي للسينما، وكخطوة أولى وضع رائدوها نصب عيونهم إنجاز أفلام بميزانيّات إنتاج ضعيفة، والاستغناء عن التصوير في الاستوديوهات الكبرى وتمّ نقله إلى الفضاء الخارجي ليكون أقلّ كلفة وأقرب للواقع وأكثر حريّة. ونتيجة لهذه الخطوات الثوريّة على مستوى الإنتاج والتصوير، أصبح مخرجو الموجة الجديدة يستخدمون الكاميرا المحمولة باليد ويستعملون الإضاءة الطبيعيّة ويقومون بتسجيل الصوت مباشرة. وعلى صعيد المونتاج، فقد تمّ التقليل منه بالاعتماد على المقاطع المشهديّة الطويلة.

على صعيد السيناريو، ثارت الموجة الجديدة على بنية الفيلم الهوليودي، من خلال الاعتماد على النهايات المفتوحة وإرباك المتفرّج بكسر أفق انتظاره، فالأحداث لا متوقَّعة والسرد لا يحكمه سوى خيال المخرج.

على مستوى التمثيل، فقد أعطى مخرجو الموجة الجديدة الممثّلين مساحة أكبر للارتجال وعدم تقييدهم تمامًا بالحوار المكتوب، والتركيز على المونولوغ كوسيلة للحفر في باطن الشخصيّات وكشف أعماقها الدفينة. كما مخرجو الموجة الجديدة قيمة كبرى للمرأة في أفلامهم بضرب صورة المرأة/السلعة، ورسم صورة بديلة تتميّز بالعمق والإنسانيّة؛ فأصبحت تحوز أدوار البطولة المطلقة في الأفلام على غير عادة أغلب الأفلام الهوليوديّة، وظهر جيل من الممثّلات مثل برناديت لافون وكاترين دونوف وجين مورو وآنا كارينا وبريجيت باردو، إلخ…

أثّرت الموجة الجديدة في السينما العالميّة أيّما تأثير، خاصّة في سينما شرق أوروبا (بولونيا وتشيكوسلوفاكيا). وتجذّر مفهوم سينما المؤلّف في مختلف التجارب السينمائيّة الناشئة آنذاك، خاصّة في البلدان الإفريقيّة والعالم العربي. كما وُلدت من رحمها مدارس سينمائيّة كبرى مثل سينما النوفو (cinema novo) في البرازيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد