مدوناتغير مصنف

الذكريات: مقاومة الذاكرة  للزمن.. الذكرى صورة من صور اللقاء

مدونات

 

الذكريات:  مقاومة الذاكرة  للزمن

“الذكرى صورة من صور اللقاء”

جبران

 

نحن لا ننسى كلّ ما في الأمر أنّنا نكذب بصدق، نرتق خيباتنا الكثيرة بحيلة النسيان، نجمّل أحزاننا بعزاء النسيان، نحن لا ننسى حتّى وإن حادت ذاكرتنا قليلا فإنّها تعود بنا إلى أوّل لقاء، أوّل كلمة، وأوّل رعشة يد وخفقة قلب، نحن لا ننسى فالذكرى التي ندفنها في أعماقنا ونواريها عن الآخرين تستيقظ دائما في أوقات وحدتنا وفي أوقات نخال أنفسنا أننّا محاطون ومسيّجون بحضور الآخر فتهدم كلّ أوهامنا في النسيان، نحن ملك الذكرى وعبيدها في لحظات الضعف والحزن وفي لحظات الانتصار والفرح، إنّها تتملكنا حتى وإن أبدينا أنّنا تحررنا منها.

 

نخال في لحظات ما أنّنا امتلكنا الأشياء ولكن ما إن نشرد قليلا فنجد أننّا لم نمتلك سوى الذكريات، ذكرياتنا جزء منّا، تجري في دمائنا وبين مسام جلدنا، الذكرى هي الشيء الوحيد الذي كلما تقادم كلّما ازدادت قيمته، إننا نبحث من خلال حضورها عن كينونتنا، عن أجزائنا الضائعة، عن فرحنا المفقود، عن فرحنا الطفولي الذي ذهب برحيل الأحبّة، من فقد والده أو والدته، جدته أو حبيبته، طفله، صديقه أو رفيقه يدرك جيّدا أنّ شيئا ما فقده إلى الأبد وفقد معه شيئا من روحه، رغم أنّ غول النسيان حاضر بقوة كما نزعم أو كما يحكى لنا لعلنا نصبر ونتناسى مصابنا  إلا أنّ الذكريات تتسلل خفية عنه وتوقظ في النفس أشياء كانت نائمة مثل الحزن الخفيّ الذي لا يظهر إلا في حدّة التذكر والشعور بمرارة الفقد والفراق.

 

الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد

 

كلما انبعثت في الأرجاء أغنية تتحدث عن الذكريات، ننتبه إلى كلّ كلمة فيها، وكأننا نبحث فيما بين الأسطر عن متعلقات شخصية ضائعة لعلنا نجدها في أغنية تغني لنا نحن المهزومين بحيلة النسيان، الذكرى هشيم يسرى في أعماقنا لم تقدر السنوات عن ردعه، نار تحرقنا ولكننا ننتشي بها أحيانا في نفس الوقت، إنّها تعيدنا إلى مساحات الشوق أو الحزن واللوم والإحساس بالذنب.

 

نحن لا نعرف أعمارنا الحقيقية إلا بعدد الذكريات التي تسكننا، فقير من لا يملك ذكريات تحصنّ وحدته وتعلمه دروس الحياة وحزين من امتلك الذكريات فقد عجز عن امتلاك الفرح والسعادة، لكنّه تعلمّ من الحياة دروسا وموعظة لعلها تجنبه في السقوط في فخّ الخطأ  أو السقوط في الحبّ والتعلقّ مرّة أخرى.

 

الذكرى هشيم يسرى في أعماقنا لم تقدر السنوات عن ردعه، نار تحرقنا ولكننا ننتشي بها أحيانا في نفس الوقت، إنّها تعيدنا إلى مساحات الشوق أو الحزن واللوم والإحساس بالذنب

 

تخلق الذكرى النوستالجيا إلى الأزمنة الغابرة وإلى الأمكنة البعيدة، “الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد”، إنّها زاد الغرباء في غربتهم في منفاهم البعيد، إنّها تعيد بناء الذاكرة لتصبح الذاكرة وثيقة اللاجئ والمغترب، ذاكرتنا وثيقتنا وذكرياتنا هي بياناتنا، قل لي من أي وطن أتيت سأذكر لك أسماء الشوارع والشهداء وصوت أمّي في المساء ورائحة القهوة وصراخ الأطفال، كلّ تلك الذكريات هي وطني، إننا نحتفظ بالرائحة والصوت مع حواسنا، حواسنا جزء من ذاكرتنا، العين التي رأت والأذن التي سمعت واليد التي مسكت والأنف الذي يحتفظ بالروائح، حتى وإن تعطلت بعض الحوّاس إلا أنّها تحتفظ بما رأت وأحست لحظة ذروتها، ويمكن أن تصف لك بعد عقود طويلة رائحة ما أو صوتا وتجده كما تحدث صاحبها، حواسنا هي الوجه الآخر من ذاكرتنا.

 

الذكريات هي رفيقة المعتقلين في الزنازين الضيّقة، هي أغنية تغنى بلا سبب أو عناق بريء، إنّها شباك المعتقل على الخارج، نقطة الضوء في ظلمة الزنزانة، إنّها عينه وأذنه في مربع السجن، يعيش على ضفافها حتى لحظة الخروج، وخروجه سيمنحه ذاكرة أخرى ذاكرة بديلة تذكره بالسجن بالرطوبة، تمنح الذكريات مساحة الأمان حتى لا يشعر السجين بالوحدة أو الجنون، إنّها ذاكرته التي لم تنل منها عصا الجلادّ وتعذيبه.

 

لا شيء يبقى سوى الذكريات تتغيّر الأشياء وأسماء الشوارع وملامح الوجوه وتتبدل الأصوات ولكن ما يبقى في الذاكرة سوى الذكريات التي تعيد بناء علاقتنا مع الزمن والأشخاص والأوطان، نحن لا نعرف قيمة ما فقدنا إلا عندما يتحوّل إلى ذكرى، إنّ المفقود بتحوّله إلى ذكرى يصبح أثمن وأجمل وأنقى وكأننا لا ندرك قيمة ما فقدنا إلا في حضرة الغياب، غياب الأشياء حضورها، موتها حياتها، فقدانها امتلاكها هذه وظائف الذاكرة التي تعيد ترتيب الأشياء بما يلائم خيبتنا وأحزاننا، فتصبح الذكريات صوتنا الداخلي وحقيقتنا المغيبة في الواقع.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.