مجتمعاختيار المحررين

مجوهراتهم وقصورهم مازلت تثير الجدل..  متى نتصفح تاريخ بايات تونس؟

الذكرى 61 لقيام الجمهورية

 

التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار وفي باطنه نظر وتحقيق” هكذا علمنا الكبير عبد الرحمان بن خلدون.

غير أن تاريخ تونس المعاصر لازال نقطة استفهام كبرى حتى اليوم ولم يتم فك شفرة عديد المراحل على غرار تلك المتصلة بالحركة الوطنية او حكم البايات.

 

يعود ذلك إلى أن التاريخ التونسي المعاصر يكتب تحت رقابة الفاعل السياسي ومن هنا كان يقد على مقاسه ويلغي كل خصومه ويقزمهم ويعلي من شأنه باعتباره الزعيم المتفرد صانع التاريخ.

كما أن الوقائع والأحداث التاريخية يتم التعامل معه بانتقائية مقصودة كأن يحتفي بالبعض منها رغم انه هامشي وغير مؤثر في صيرورة التاريخ التونسي وعلى العكس يتم تهميش أحداث كبرى شكلت نقطة فارقة في المسار الاجتماعي والسياسي في البلاد.

ثم ان الرموز التي أسهمت في صنع الظاهرة التاريخية تتم الإضاءة على بعضها والتعتيم على البعض الآخر لغايات معلومة في نفس الساسة ويتم ذلك على قاعدة   القرب و وفق منطق الولاء سواء كان حزبيا او جهويا او شخصيا أو عائليا.

ولأن للساسة حسابات أخرى فإن عديد الأحداث أسقطت سهوا من غربال التاريخ ولازلنا إلى اليوم لم نفهم العديد من المحطات المهمة والفارقة.

من الأدلة على ذلك أن تاريخ الحركة الوطنية افرد الزعيم الحبيب بورقيبة  بالحيز الأكبر على حساب النخبة التونسية التي قادت دولة الاستقلال وأسهمت في بناء أركان الدولة الوطنية.

 

عودة الحبيب بورقيبة إلى تونس سنة 1955

 

كما أن خصوم بورقيبة من مختلف الأطياف السياسية ” اخرجوا” عنوة من التاريخ ولا يتم ذكرهم.

أما الوقائع فتروي من وجهة نظر واحدة وبصوت واحد ولعل الصراع البورقيبي اليوسفي وما حف به من أحداث دامية أودت بحياة الكثير من التونسيين الذين ذاقوا الويلات في ما عرف ب” صباط الظلام”  وعرف أوجه مع مقتل الزعيم صالح بن يوسف في مدينة فرنكفورت بألمانيا.

 

صالح بن يوسف واقفا إلى جانب الحبيب بورقيبة

 

 

وبالنسبة لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي جدت في مطلع الستينات فهي أيضا من المحطات التاريخية التي لازال يلفها الغموض إلى اليوم.

أما معركة الجلاء فهي تثير الكثير من الجدل أيضا باعتبار أن هناك من اعتبرها حرب بورقيبة وانه أساء التقدير فيها وان دماء التونسيين كان يمكن أن تحقن لوتم إدارة الصراع وقتها بشكل مغاير في حين يعتقد بعض المؤرخين والساسة أن ما حدث لم يكن منه بد.

 

 

 التاريخ التونسي كما أسلفنا الذكر وعلى رأي ابن خلدون يحتاج إلى النظر والتحقيق وخاصة التمحيص  لأنه غالبا ما التبس بالظروف والسياقات التي كتب فيها وغابت عنه الموضوعية المنشودة وتقاذفته الأهواء والنزوات الفردية للفاعل السياسي.

والحقيقة أن طرح هذا الموضوع الإشكالي حرضها تنامي الحديث في الفترة الأخيرة عن البايات التونسية وعن ثرواتهم وقصورهم واتخذ الحديث صبغة سطحية في بعض وسائل الإعلام وهو ما جعلنا نتوقف عن طرائق التعاطي مع التاريخ عموما في تونس والتوقف عند تاريخ البايات الذي آن الأوان ليفتح وينظر فيه بالعمق والدقة اللازمين.

وتطلق عبارة البايات على ملوك تونس  الذين ينحدرون من أصل تركي  عثماني وحكموا الايالة التونسية في المرحلة الممتدة ما بين بداية القرن الثامن عشر وأواسط القرن العشرين.

امتد حكم البايات الحسينيين في تونس حوالي ثلاثة قرون ويبلغ عددهم حوالي عشرين بايا تداولوا على السلطة في ما كان يعرف بالايالة التونسية في مراحل وفترات تاريخية مختلفة.

ومنهم من يشهد له التاريخ بالوطنية والنزاهة والالتصاق بمشاغل الشعب ومنهم من كان مغرقا في اللهو والملذات مترفعا عن عموم الشعب التونسي وبعيدا عن معاناته.

وكان حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية سنة 1705 وأول من أرسى دعائم حكم  بدأ بالاستقلال تدريجيا عن العثمانيين.

لكن سرعان ما عصفت الصراعات العائلية ونوازع الاستفراد بالسلطة بالأسرة الحسينية وآثرت سلبا على الوضع داخل البلاد وخارجها حتى تجرأ عليها دايات الجزائر وقاموا  بغزوها.

إلا أن الإيالة نجحت في استعادة قوتها وتمكنت من الاستقلال نهائيا وعرفت عصرها الذهبي مع حمودة باشا بن علي الذي امتد حكمه حتى بداية القرن التاسع عشر.

ورغم محاولة القيام بإصلاحات على الطريقة الأوروبية في فترة حكم احمد باي والصادق باي إلا أن نهاية القرن التاسع عشر شكلت منعرجا خطيرا في تاريخ البلاد بعد أن انتصبت الحماية الفرنسية على تونس بمقتضى معاهدة باردو التي أمضاها الصادق باي سنة 1881.

 

 

وكانت هذه بداية الاستعمار الفرنسي الذي بسط نفوذه على تونس واستنزف خيراتها وقلص من صلاحيات  الباي الذي كان  خاضعا لسلطة المقيم العام الفرنسي.

وتحتفظ الذاكرة الجماعية التونسية بشخصية المنصف باي كأحد رموز النضال والوطنية وهو الذي خلعه الفرنسيون من السلطة عام 1943 عقابا له على ذلك بعد عام من تسلمه لمقاليد الحكم.

أما نهاية العرش الحسيني فكانت بإعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 وبعد الاستقلال التام.

وكان لمين باي آخر من اعتلى العرش قبل أن يتولى بورقيبة مقاليد السلطة.

 

 

تقول الوقائع التاريخية المتناثرة في بعض الكتب والشهادات الشفوية التي استقاها بعض المؤرخين من عائلة البايات أو المقربين منهم ممن كانوا شهودا على نهايتهم أنه بعد أن تم إبعادهم عن السلطة وضعوا تحت الإقامة الجبرية وفي ظروف سيئة جدا كما صودرت كل أملاكهم من قصور واقامات وأراضي إلى جانب المجوهرات الثمينة والأوسمة والنياشين والهدايا القيمة التي كانوا يمتلكونها.

تختلف الآراء والشهادات حول مآل تلك الأملاك المصادرة التي يقول حكام دولة الاستقلال إنها وضعت في خزينة الدولة في حين يعتقد خصومهم أنها ذهبت إلى حوزة أصحاب السلطة الجدد وفي هذا السياق تروى الكثير من الحكايات عن وسيلة بن عمار عقيلة الزعيم بورقيبة التي تقول بعض أميرات العرش الحسيني أنها استولت على المجوهرات الثمينة التي كانت بحوزتهن.

وعودا على بدء يمكننا أن نمضي في القول بأن هناك صفحات من التاريخ التونسي يلفها النسيان وان تصفحها بقدر ما  يفتح جراحا قديمة بقدر ما من شأنه أن ينصف الجميع خاصة إذا قاربنا الظاهرة التاريخية بأدوات المؤرخ الموضوعي وبعيدا عن رقابة الفاعل السياسي سواء تعلق الامر بمرحلة حكم البايات او ما تلاها. 

  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد