الرئيسيثقافة

“خارج الخدمة”: حينما يتحوّل الإنسان إلى مسخ

أفلام

 

     

من الأفلام المهمّة الّتي صدرت في فترة ما بعد الثورات العربيّة، الفيلم المصري “خارج الخدمة” الصادر في عام 2015، وأخرجه محمود كامل عن سيناريو لعمر سامي. وقد أدار التصوير أرتورو سميث فيما قامت هبة عثمان بعمليّات المونتاج، وألّف تامر كروان الموسيقى التصويريّة للفيلم. وقد أسند المخرج محمود كامل بطولة الفيلم للممثّل أحمد الفيشاوي الّذي تألّق كأبهى ما يكون في تقمّص شخصيّة المدمن والمتشرّد سعيد، والممثّلة شيرين رضا الّتي جسّدت شخصيّة هدى: أرملة وحيدة تقودها المصادفة إلى أن تعيش علاقة غريبة مع سعيد وتشاركه عالمه الموؤود في هاوية الإدمان.

 

 

مشهد البداية قويّ، معبّر وصادم، حيث تظهر يد البطل سعيد وهما تبحثان في كيس بلاستيكيّ عن شيء مّا، يتّضح أنّه كيس قمامة من محتوياته البالية وعديمة الفائدة، ثمّ تظهر يده الأخرى وهي تمسك بسيجارة حشيش.

إنّ وظيفة اليد هي العمل والخلق والمساهمة في البناء والمحافظة على الحياة، نجدها في المشهد الافتتاحي تنبش في القمامة، أي في أقصى مواقفها ضعفًا وعجزًا، فقد غُيّبت عن البطل منذ الوهلة الأولى هذه الصفات الإنسانيّة من خلال حركة يده، ويتّضح هذا التغييب في حركة يده الأخرى، الّتي تمسك بسيجارة حشيش، وتشير إلى غيبوبة العقل. نحن منذ مشهد البداية، أمام شخصيّة تعطّل لديها العقل والساعد، وهُما ما يكون به الإنسان إنسانًا، ولذلك نستنتج أنّ البطل سعيد سُلبت منه إنسانيّته. ثمّ يجد صورة قديمة لجمال عبد الناصر في الكيس البلاستيكي، وهنا فتح باب آخر للتأويل، فعبد الناصر ارتبط اسمه بحقبة مهمّة في تاريخ مصر الحديث، وما وجود صورته في مكان منسيٍّ كهذا وتفاعل البطل مع الصورة بأن جعل ينفض عنها بعض الغبار في حركة لامبالية، إلّا دليل على انعدام أهميّة موضوع الصورة بالنسبة إليه، أو أنّه يجهل محتواها، وهذا يقودنا إلى استنتاج ثانٍ وهو أنّ البطل سعيد سُلب منه ماضيه وتاريخه، فكيف سيكون حاضره؟

 

 

يركّز الفيلم في المشاهد الموالية، على حاضر البطل، فهو متشرّد وأسير الغيبوبة الّتي لا تنتهي، تحت تأثير كلّ أنواع المخدّرات، ولا هدف له سوى جمع بعض المبالغ الزهيدة من بيع بعض ما يجده في أكياس القمامة، ليبتاع الحبوب المخدّرة والحشيش.

يجد في كيس القمامة، شريحة لحفظ الملفّات الإلكترونيّة، (Memory card)، وحين يفتحها بدافع الفضول، يجد فيها فيديو لجريمة قتل فتاة صغيرة، والقاتلة ليست إلّا جارته الأرملة هدى.

يستغلّ سعيد هذا الفيديو لابتزاز جارته، وإن كانت هدى تملك منزلًا وجراية شهريّة تكفيها حاجة الحرمان، فإنّها تدخل مع مرور الأحداث في علاقة غير مفهومة مع البطل سعيد. ولكن هناك مشترك كبير بين الشخصيّتين رغم تباينهما، يظهر تدريجيًّا، ألا وهو مناخ اليأس واللامبالاة اللّذان يخيّمان على الشخصيّتيْن المحوريّتيْن. هذه اللامبالاة التامّة بالعالم تتجسّد في انغماس كلّ منهما في تعاطي المخدّرات حدّ الذهول والتفسّخ. ويظهر هذه اللامبالاة أيضًا في أنّ معظم الأحداث تتكرّر في عبثيّة مقيتة، داخل فضاء مغلق وهو منزل هدى، دون اهتمام بما يدور في العالم الخارجيّ، ودون انتظارات كبرى للبطليْن.

 

 

ورغم أنّ أحداث الفيلم تدور في فترة سياسيّة متقلّبة وحسّاسة، فإنّ هذه المتغيّرات السياسيّة قُدّمت من خلال نشرات الأخبار في التلفاز، وبالكاد يمكن سماع التقارير حولها بوضوح، في ظلّ الثرثرة المتواصلة للبطليْن، وبذلك يبرز الفيلم أنّ التغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الكبرى تحدث على هامش اهتمامات سعيد وهدى، كأنّها تحدث في بلد آخر في قارّة أخرى؛ وهو ما يعكس حالة الغيبوبة الّتي يعيش فيها هاتيْن الشخصيّتيْن، ليأسهما الشديد وبحثهما المتواصل عن الهروب من الواقع بأيِّ شكل، وهي استعارة كبرى لرسم ملامح المواطن المصري والعربي المُغيَّب عن المشاركة الواعية والمسؤولة في الشأن العامّ في ظلّ مصاعب الحياة اليوميّة، وتغلغل مفهوم اللامبالاة والوصاية في الذهنيّة العربيّة.

في أحد المشاهد إلى شاشة التلفزيون، يضحك سعيد وهدى عند مشاهدتهما لمجموعة من رجال الأمن وهم يعنّفون أحد المتظاهرين في ميدان التحرير، ثمّ يسحبون جسده ويلقون به في حاوية القمامة. إنّه مشهد مُربِك يجسّد اللامبالاة الّتي تصل حدّ الاستهتار بكلّ شيء، فاليأس يجرّد الإنسان من إحساسه وهمومه، يمسخ كيان الإنسان، ويضعه في منطقة وسطى بين الجنون والموت، إنّه أكبر الشرور. وهذا ما ذكّرني بما قاله بطل رواية “الشيخ والبحر” للأديب إرنست هيمنغواي:”إنّ من الحماقة أن يسيطر اليأس على الإنسان، وأعتقد اعتقادًا تامًّا أنّ اليأس في حدّ ذاته خطيئة لا تُغتَفر”.

 

 

إنّه اليأس الّذي يقود إلى العبثيّة المطلقة، ولعلّ النهاية أكبر دليل على ذلك، فهي عبثيّة بامتياز، لا تحمل أملًا في طيّاتها ولا تفتح أفقًا، حيث يكتشف سعيد أنّ هدى لم تقتل الطفلة، وأنّ شريط الفيديو المصوَّر ما هو إلّا مقطع في فيلم جسّدت فيه دور قاتلة، فتتحطّم كلّ آماله، ويغضب ويحطم أثاث الشقّة. فتعود هدى لتدرك أنّه اكتشف الحقيقة وتبدأ في إصلاح ما أفسد في مشهد صامت، ليأتي مشهد الختام وهما جالسان في المطبخ، يشربان الشاي ويدخّنان سجائر الحشيش، ويعودان إلى غيبوبتهما مجدّدًا.

 

 

لقد نجح الفيلم نجاحًا باهرًا في نقل حالة الإحباط الّتي تمسّ شريحة كبيرة من المواطنين في البلدان العربيّة اليوم، من خلال السيناريو المُفرَغ من الأحداث الّذي يُشعِر المتفرّج بحالة الخواء والعطالة الّتي يعشيها بطلا الفيلم، إضافة إلى اختياره الموفّق لإضاءة خافتة وضبابيّة، وألوان الباهتة لرسم ملامح العالم النفسي لهما، فكأنّنا أمام شبحيْن وهو ما يحيل إلى صورة موتهما المجازي من خلال غيابهما التامّ عن الوعي والواقع.

 

 

ولعلّ من مكتسبات الفيلم هو حضور الممثّليْن الرئيسيّيْن المبهر، فشيرين رضا جسّدت دور هدى بطريقة ملفتة للانتباه، حيث وظّفت النظرات الشاردة والحركة البطيئة والصوت الخافت لترسم ملامح المرأة الخاضعة للواقع واليائسة منه.

أمّا أحمد الفيشاوي، فقد قدّم أحد أعظم أدواره، بحركات يده ولكنته الشبيهة بلكنة طفل يتهجّى الحروف، وحركات وجهه الّتي تعكس صورة حقيقيّة لعنوان الفيلم، فقد كان خارجًا عن الخدمة بامتياز.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد