مجتمعالرئيسيغير مصنف

جولة بين عدسات تلتصق بحياة الناس في غزة

الصورة "رزق جميل" وبمليون كلمة

 

 هديل عطا الله- فلسطين- مجلة ميم

 

ثمة صور تتربع في قلب مصورها حين يلتقطها لا سيما إن كانت في منطقةٍ ساخنة مثل قطاع غزة؛ وفي كل صورة حكاية إنسانٍ عرف القهر أو الحزن أو الفراق؛ و ربما الفرح أيضاً؛ وتبقى “النواعم” بطلات في كثير من هذه المَشاهد؛ فهذا قدرهن المحتوم.

مراسلة “ميم” وقفت على بعض الصور التي حملت قصصاً مختلفة لأصحابها؛ فكانت هذه الجولة الممتعة.

 

 

رائحة النار عطر المكافحات

أولى الخطى بدأت من عند عبد الرحمن زقوت وهو مصور يعمل بنظام “فري لانسر” وتنشر وكالة الأناضول التركية صوره باستمرار؛ هذا الشاب الغزي لديه عدسة جميلة تحكي قصصاً من قلب الوجع؛ ومن الواضح أنه يلتقطها بقلبه وليس بكاميرته؛ يستهل حديثه لــ “ميم”: “مرت عشرة أعوام على عملي في هذه المهنة؛ وخلالها أدركت شيئاً مهما؛ وهو أن صورة واحدة كفيلة بقلب موازين حياة إنسان ما؛ ويوماً بعد يوم اقتنعت أكثر بقدسية الصورة ومدى تأثيرها”.

 

المصور عبد الرحمن زقوت

 

 

تعلم عبد الرحمن في هذه الرحلة المضنية أن يحترم الوقت بشدة؛ أن يحترم “الثانية” التي تمر؛ وقد نضجت شخصيته على هذا النحو: “بتُ شغوفا بالتفاصيل والعمق في النظرة حتى وأنا بعيد عن الكاميرا؛ لقد اكتشفت أن الصور كالحب نتعثر بها ولا نعثر عليها”.

و كما يقول حتى وإن حالف المصورُ الحظَ يجب أن يبذل الجهد ليلتقطها بالشكل الفني المطلوب لتعكس روح من ضغط على الزر؛ فيما يحتفظ في أرشيفه الزاخر بعدد من الصور التي تجعل المرء يتسمر أمامها دون أن ينبس ببنت شفة؛ من بينها صورة لاقت انتشاراً واسعاً لامرأة تناشد بالسماح لها بالسفر عبر معبر رفح البري؛ حتى أنها اُستخدمت في إطلاق حملات ضخمة للدعوة لفتح المعبر في حينها وفك الحصار عن غزة.

بحرقة يتحدث عن صورته: “هذه السيدة المسنة تقف وسط الزحام الشديد رافعة يديها تتضرع لواحدٍ أحد يُفرج الكربات؛ بعد أن تخلى الجميع عن أهل غزة؛ إنها حقبة زمنية لم يتبقى فيها أحد معهم إلا الله عز وجل”.

 

سيدة مسنة تتوسل للسماح لها بالمرور عبر معبر رفح

 

ويضيف: “كل ما أرادته “الحجة” أن تسافر لتلقي العلاج في جمهورية مصر العربية؛ ومن الملفت للانتباه أن كل وجه في الصورة يحمل قصة مختلفة؛ عنوانها الثابت “ألم ومعاناة وظلم”.

وعن المشاعر التي تنتابه حين يصادف صوراً على هذه الشاكلة: “نحن المصورين لا نجيد الكتابة والصورة لغتنا البليغة؛ لذا نمنح كامل مشاعرنا لآلة الجماد “الكاميرا” كي تنقل ما نشعر به”.

ومن أجمل ما أخبرنا به عبد الرحمن أن “الصورة الجميلة رزق كما ترزق الطيور كل صباح؛ وأن التوكل على الله هو مفتاح هذا الرزق مع تطوير “الذات” في الجانب الفوتوغرافي؛ ومواكبة التطور والبحث الجيد ومتابعة مجريات الأحداث لحظة وقوعها وما بعد ذلك”.

وبالانتقال إلى بطلة حكايةٍ أخرى؛ وهذه المرة لــ “الطفلة الأم” وهو اللقب الذي اختاره “ضيفنا الأول” للصغيرة أميرة أبو كميل

 

الأم الطفلة

 

بعد أن اعتقلت قوات الاحتلال أمها نسرين أبو كميل على حاجز إيرز؛ يقول عنها: “أثرت بي نظرات عينيها وحسرتها؛ وفي الوقت نفسه أدهشني أنها فتاة واعية ورزينة تحملت مسؤوليات ليست مطلوبة منها”.

ويتخطى عبد الرحمن بحسن التصرف عائق “ثقافة الجمهور” المراد تصويره؛ حين لا يقبل بعض أن يتجه فلاش الكاميرا نحوه؛ بسبب العادات الاجتماعية ونحوه.

أما المقعد فادى أبو صلاح الذي كان أحد شهداء مسيرة العودة فله قصة طويلة أخذت المنحى الشخصي مع هذا المصور؛ يبتسم عبد الرحمن بحزن؛ راوياً: “ربطتني صداقة مع فادي؛ اتصل بي قبل استشهاده بأيام؛ وطلب منى أن أساعده عبر علاقاتي في تركيا لتركيب طرف صناعي؛ وأن أجد طريقة مناسبة لسداد ديونه التي تراكمت عليه؛ حين اتصل كنت غارقا في النوم؛ ويا للأسف أني نسيت طلبه؛ ثم تذكرت كل شيء بعد استشهاده؛ وجدت أن أقل ما يمكن تقديمه لروحه أن أنتج فيلما عن قصة حياته انتهت بمشهد تشييعه”.

 

الشهيد المقعد فادي أبو صلا- تصوير عبد الرحمن زقوت

 

ألا يقال إن الصورة بألف كلمة؛ ولكن ثمة صورة لديه هي بمليون كلمة؛ قالت صاحبتها التي تعيش وضعا مأساويا في قطاع غزة وتفتقد لأبسط مقومات الحياة الكريمة؛ جملة واحدة فحسب: “إن رائحة النار هي عطر النساء المكافحات”.

ويعقّب على هذه “التحفة البصرية”: “بحكم احتكاكى مع الفقراء بشكل كبير؛ فهمت معنى أن يكون الإنسان بحاجة للقليل كي  يصبح سعيداً؛ ورغم بشاعة الفقر؛ فإن هؤلاء الناس تفرحهم أبسط الأشياء”.

ويحلم عبد الرحمن بتأسيس أكاديمية ضخمة للتعليم؛ يقدر من خلالها على منح شهادات عليا في التصوير الفوتوغرافي بمختلف أنواعه؛ والتوعية بأهميته البالغة في نصرة البسطاء”.

 

أن ينهار مصور من البكاء

غزة التي لا يخمد فيها بركان الأحداث؛ تستدعي أن نتحدث مع المصور الصحفي صابر نور الدين؛ الذي مارس مهنة التصوير منذ نعومة أظفاره؛ متأبطاً كاميرته أينما حل وارتحل؛ وقد عمل صابر مع وكالة الأنباء الفرنسية لخمس سنوات؛ ثم انتقل للعمل في وكالة الأنباء الأوروبية للصورة الصحفية؛ وأكثر ما ميزه هو تغطية الحروب التي اندلعت في قطاع غزة.

 

 

يتحدث لـ “ميم” بروح الإقدام؛ قائلاً: “عاهدت نفسي أن أكون قناصاً لأي صورة التقطها؛ لأن المشهد لا يمكن تكراره بنفس المقاييس مرة أخرى؛ وهذا ما أفعله بالضبط؛ إنني اقتنص اللحظات المؤثرة التي تخدم موضوع الحدث الذي أعمل على تغطيته أياً كان موضوعه ومضمونه، لا سيما أن عملي في منطقة ملتهبة ومع وكالات أنباء عالمية صقلني كثيراً؛ وما زلت مستمرا في أداء واجبي”.

 

في الحرب

 

وهذه صورة عن نبل الأخلاق يعتز بها صابر؛ قائلاً: “حاول مصور برازيلي أثناء تغطيته لأحداث مسيرات العودة إنقاذ فتاة؛ كان يرتدي وقتها  “قناع الغاز” لحمايته من استنشاق الغازات السامة بعد أن أطلقت قوات الاحتلال مئات قنابل الغاز؛ فيما كنت منهكا من التعب بعد استنشاقه بسبب عدم ارتداء “القناع”؛ حقاً هذا الرجل قمة في الإنسانية؛ فقد فضل إنقاذ الفتاة على التقاط الصور؛ ثم حملها و خرج من المنطقة بلمح البصر”.

 

الصحفي البرازيلي ينقذ الفتاة

 

وإن سألتم هذا المصور عن الحكاية التي لا ينساها؛ فإن رواية القصة ستكون على النحو الآتي: ” أثناء تغطيتي للحرب الإسرائيلية على غزة في صيف 2014 سمعت دوي انفجار قوي اتجاه الغرب بالقرب من مخيم الشاطئ لللاجئين، توجهت مع الزملاء إلى هناك؛ الشوارع مخيفة وقصف الصواريخ من الطيران الحربي لا يتوقف؛ كان ذلك في أول أيام عيد الفطر؛ عيد مفجع بمعنى الكلمة، وجدنا الركام يتناثر في منتزه صغير للعائلات في المخيم، وعلمت أن أطفالاً استشهدوا أثناء لعبهم هناك بعد قصفٍ برره الاحتلال أنه جاء رداً على إطلاق صاروخ فلسطيني من داخل المنتزه”.

 

مشاركة النساء في مسيرات العودة

 

يتابع وصف المشهد بألم: “هذا المنتزه قريب من منازل أهل المخيم؛ وقد سمح الآباء لأطفالهم بارتداء ملابس العيد و الخروج للترويح عن أنفسهم، ذهبت مسرعا إلى المستشفى و اذا برجل يهرع أمامي؛ فتبعته؛ كان يبكي خوفا وهلعا، فتح ثلاجة الموتى التي كان محيطها يعج بالناس؛ وحين تعرّف على طفله براء الذي لم يتجاوز ست سنوات؛ سحبه من داخلها؛ وحمله بحنان رافعاً وجهه الملائكي إلى السماء؛ راجياً الله أن يصبرّه على فراق صغيره، لقد كانت  من أصعب اللحظات في حياتي المهنية، إلى درجة أني لم استطع إكمال التصوير وانهرت من البكاء كالأطفال؛ تخيلت نفسي مكانه وأن هذا الولد ابني وأني احتضنه بحسرة”.

 

لطفل براء مقداد.. قصة تأثر بها المصور صابر نور الدين (2)

 

وتجدر الإشارة أن صورة الطفل براء مقداد ووالده ترشحت في جائزة الصحافة العربية ضمن أفضل ثلاثة أعمال؛ لكنها لم تفز.

وتنكأ ذاكرته جراحاً أخرى: “يبقى الأطفال غصة لا شفاء منها؛ مثل والدة الطفل الشهيد هيثم الجمل التي بكت حتى أشفقت الدموع عليها؛ وكذلك الحال حين انتشلت طواقم الإنقاذ طفلة من عائلة الداية في الحرب الأولى عام 2008- 2009؛ هكذا يقف النسيان عاجزاً أمام فظاعة الجرائم؛ ومخطىء من يظن أن إحساس المصور يتبلد مع تكرار المشاهد القاسية”.

 

وداع أم الطفل هيثم الجمل لابنها

 

انتشال طفلة من مجزرة عائلة الداية في الحرب على غزة

 

 

صابر هو ابن عائلة عشقت التصوير؛ فامتهنها أخويه أيضاً وهما علي وفايز نور الدين؛ اللذين يعملان أيضاً في وكالات أنباء دولية وحازا “مثله” على العديد من الجوائز المهمة ومن بينها جائزة مكتوم الدولية للتصوير الضوئي عن فئة الأب والإبن؛ كما حاز على المركز الثالث في جائزة اليابان الدولية العام الماضي؛ لذا ليس غريبا طموحه في أن يصدر كتابا يتناول أهم صوره في فلسطين خلال الانتفاضة والحروب؛ وأن ينتج مع أخويه عملاً مشتركاً ورائداً في هذا المجال؛ وفقاً لقوله.

 

صور للمصور صابر نور الدين عرضت في معرض في اليابان

 

فرحة ليتها في “الأقصى”

وبعيداً عن أجواء الكمد والهم؛ لنأخذ فسحة من الفرح؛ وذلك بتأمل صورة للمصورة الغزية رواء فارس التي تعمل في استديو يلتقط المناسبات السعيدة بعين الإبداع؛ رواء أفسحت مجال الحديث إلى صاحبة الصورة وهي طبيبة شابة اسمها إيناس أبو معيلق؛ فقد اختارت أن تفرح بطريقة غير معتادة في يوم تنتظره كل فتاة؛ وهو يوم عقد قرانها.

 

تصوير رواء فارس لعقد القران

 

 

عقد القرآن في مدينة غزة عادة ما يتم في المحاكم الشرعية؛ فيما حفل “الإشهار” للرجال يمكن أن ينظم في المساجد؛ لكن خطيب الدكتورة إيناس في ذلك الوقت كان يتمنى كثيراً لو أن هذا الحدث السعيد تم بين أكناف المسجد الأقصى؛ ولأن الاحتلال الإسرائيلي جعل من أمنية كهذه بعيدة المنال؛ وفي سابقة من نوعها قرر أن يتجه نحو واحد من أجمل مساجد المدينة وهو مسجد الخالدي الذي يقع على شاطئ البحر ليبدأ مع فتاة أحلامه الحكاية.

تتحدث صاحبة الصورة التي تبدو فيها المراسم رائعة؛ فما هي ترتدي ثوبها المطرز: “شعور من الرهبة سرى في قلبي حين أخذت أردد مع ابن خالتي وشريك حياتي نص عقد القرآن؛ كنت في تلك اللحظة أدعو الله أن يبارك لنا في خيارنا؛ وأن تنتظرنا أياماً حلوة؛ أردت بشدة أن يسهل الله لنا طريق السعادة معاً؛ وروحي لم تتوقف عن تكرار هذه الجملة “اللهم رضاك وبركتك”.

 

مراسم عقد قران في مسجد للطبيبة إيناس

 

سمعت خفقات فؤادها وهي تكمل حكاية ذلك اليوم: “كان والدي وأخي إلى جانبي؛ بالإضافة إلى الشهود؛ يا له من موقف مهيب؛ ارتديت لباساً راعيت فيه أن يكون مبهجاً؛ على أن يحترم قدسية بيت الله؛ ورأيت في الثوب المطرز فكرة لطيفة تحيي تراثنا الفلسطيني؛ والطريف أن المأذون لم يسألني إن كنت موافقة؛ كيف لا وقد رآني “مشخّصة” – أنيقة-  فأدرك حماسي لهذه الخطوة المصيرية”.

لم يمر عام بعد؛ على عيش إيناس مع زوجها المحامي تحت سقف واحد؛ ومع ذلك فهي يمكن أن تذكر خطوطاً عريضة بعيداً عن الفلسفة والتنظير؛ لتسبق ضحكتها الكلام: “لقد ثبت لي بما لا يقبل الشك أن البيوت السعيدة تقام على الاحترام والمودة؛ واكتشفت أن الرجل أسهل بكثير من المرأة في التعاطي مع شئون الحياة؛ فهو يعبّر عن نفسه وعما يريده بكل بساطة؛ بالمختصر متطلبات الرجال واضحة لا تعقيد فيها؛ أما نحن النساء فليس من السهل أن نرضى؛ نريد من الزوج أن يدرك ما يسعدنا وما يغضبنا دون أن نتكلم؛ وهذا ما لا يعقل حسب رأي؛ إننا نأخذ الأمور على محمل العاطفة الزائدة في العموم”.

وبعد الزواج تبين لإيناس نقطة جديدة؛ تختار لتوضيحها نبرة صوت دافئة: “تأكدت أن أمي إنسانة عظيمة؛ صدقاً لم أشعر يوماً بتعبها مع أنها أم عاملة؛ بعد أن تزوجت عرفت معنى التعب وأن تتوزع طاقتك بين البيت والعمل؛ دون أن تغفلي عن إدارة الوقت بأعلى كفاءة”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد