ثقافةغير مصنف

السلطانة قسم: أيقونة العصر العثماني التي أتقنت لعبة العروش

 

إذا الفضل يعود للدراما السورية في الإضاءة على مراحل مهمة من التاريخ العربي الذي تجلى في تناول ثلاثية الأندلس لحاتم  علي وفي تسليط الضوء على بعض الرموز التاريخية العربية على غرار صلاح الدين الأيوبي وهارون الرشيد وغيرهم، فإن فضل الدراما التركية كبير حقا في إعادة الروح إلى الفترة العثمانية بكل أمجادها ووهجها.

 

ولعل مسلسل “القرن العظيم” أو “حريم السلطان” شكل فتحا عظيما في هذا المجال فبواسطته اكتشف المشاهد العربي شخصية سليمان القانوني الذي عرفت الإمبراطورية العثمانية مرحلة ازدهار كبير في عهده كما ساهم في القيام بفتوحات كبرى في أوروبا. وقدم المسلسل رؤية متخيلة لهذه الشخصية وسلط الأضواء على عالم القصر وما يحاك في دهاليزه من مؤامرات محاولا الغوص في عالم الحريم بكل ما يثيره من فضول ورغبة في معرفة العوالم المخفية.

ولعل هذا ما ألهب خيال المشاهدين أكثر من الخط التاريخي وجعلهم يقبلون عليه إقبالا منقطع النظير ليحقق نجاحا كاسحا ليس في تركيا فحسب وإنما في العالم العربي أيضا رغم النقد الذي وجه إليه بخصوص طغيان المتخيل على الواقعي  وربما التجني على بعض الشخصيات وتحديدا سليمان القانوني لضرورات درامية إلا انه بات من رموز الدراما التركية وأنجحها.

وفي نفس السياق يندرج مسلسل السلطانة قسم وهو القسم الثاني من سلسلة القرن الأعظم وقد عاد هذا العمل الفني إلى دائرة الضوء بعد أن عرض مؤخرا في بعض القنوات وحقق نجاحا جماهيريا كبيرا وهو ما يدفعنا إلى البحث في خبايا هذه الشخصية التاريخية النسائية التي تمحور حولها المسلسل.

 

 

فمن تكون وقسم وما هي الأدوار التي لعبتها تاريخيا؟

تجمع المراجع التاريخية على ان قسم او كوسيم كما تنطق بالتركية من أهم الشخصيات النسائية في التاريخ العثماني وأكثرها نفوذا وتأثيرا في تلك المرحلة.

ومن أهم ما قيل عنها وعن نفوذها الذي امتد ما يربو عن نصف قرن  ما دونه المؤرخ التركي يلماز أوزتونا ”

” كانت ذكية إلى درجة استثنائية، ماكرة ومراوغة، أستاذة في صنع خطط سياسية ومؤامرات متعددة الوجوه، مؤثرة ومقنعة في كلامها، كانت تُعنى بإرضاء الشعب، لذا تركت خلفها مؤسسات خيرية كثيرة العدد إلى درجة لا يستوعبها العقل، ثروتها الضخمة جداً انتقلت إلى الخزينة العامة للدولة فأنعشتها”.

إذن يمكن القون إن ماه بيكر وهذا إسمها ايضا قد كانت سيدة المتناقضات وهذا سرها الذي جعلها تخلد في التاريخ في زمن كان دور النساء فيه يختصر في الحرملك.

 

 

وتقول المصادر التاريخية إنها قدمت من اليونان وإنها مولودة هناك في حين يقول بعض المؤرخين إنها ولدت في البوسنة واسمها الحقيقي أنستاسيا وعاشت في الفترة الممتدة ما بين 1590 و 1651 ميلادي.

وعندما أرسلت إلى اسطنبول من قبر والي البوسنة اعتنقت الإسلام وتغير اسمها وكذلك حياتها.

وكانت البداية بشغف السلطان احمد الأول  بها /  وهو السلطان الرابع عشر في ترتيب السلاطين العثمانيين/  وعشقه الكبير لها وهو الذي تزوجها وبفضله بات لها نفوذ في قصر التوبكابي  وبدأت تدريجيا تفهم لعبة العروش وتفك شفرتها.

 

 

إذ سرعان ما تمكنت قُسم بفضل ذكائها وجمالها الساحر من سلب لب السلطان أحمد الأول الذي أسرت قلبه وعقله  قلبه وصارت حبيبته وأم أبنائه بعد أن كانت مجرد جارية مفضّلة  بالنسبة إليه.

أنجبت السلطان احمد الأول خمسة أبناء وهم شاه زاده محمد ومراد الرابع وشاه زاده قاسم وشاه زاده سليمان وإبراهيم، كما أنجبت أيضًا خمس بنات وهن عائشة سلطان وفاطمة سلطان وجوهر خان سلطان وهانزاده سلطان وبورناز عاتكة سلطان..

 

 

وانخرطت في الأعمال الخيرية التي أكسبتها ود وتعاطف الفقراء والمحتاجين وعموم أفراد الرعية الذين أحبوها وباتت سلطانة القلوب وبدأ نفوذها في الانتشار بشكل سريع.

ومن أهم أعمالها الخيرية الاهتمام بأوضاع المساجين ودفع الديون عن المحتاجين وتجهيز بنات الفقراء كما أمرت ببناء عديد المساجد والمدارس واهتمت بمجال الري وغيرها من الأعمال القيمة.

 

 

لكن وفاة زوجها السلطان احمد الأول وترملها في سن الثامنة والعشرين اثر سلبا عليها لكن هذه الضربة لم تقتلها زادتها صلابة وقوة في مواجهة الدسائس والمؤامرات التي كانت تحاك في القصر وجعلتها تفنن أيضا في لعبة العروش وتتقن أسرارها.

ورغم انه تم أبعادها إلى القصر القديم وعزلها عن مركز السلطة إلا أن هذا لكم يزدها سوى  تعلقا بالسلطة التي نلتها عن جدارة عندما تمكن ابنها مراد الرابع من تولي مقاليد الحكم على عرش الإمبراطورية العثمانية وهو في سن الرابعة عشر ومنحها رسميا لقب السلطانة  الأم وفتح أمامها خزائن السلطة بكل توهجها ومباهجها على مصراعيه. وكانت هي من مهدت له طريق العرش بعد أن أطاحت بسلفه عن طريق إحكام الدسائس والمؤامرات.

 

 

وحظيت السلطانة قسم في هذه المرحلة بمكانة متميزة فتولت من سنة 1623 إلى سنة 1632 نيابة السلطنة في الدولة العثمانية وصارت سيّدة سلطة بامتياز حتّى أنّها كانت تدير جلسات الديوان وفق ما جاء في المراجع التاريخية وهو منصب لم تسبقه سيدة في الدولة العثمانية إليه.

 

 

وبرز نفوذها بشكل سافر وجلي مع تولي ابنها  السلطان إبراهيم  مقاليد السلطة ابتداء من عام 1640 إلى 1648 وهنا يمكن القول إنها امتلكت السلطة المطلقة خاصة مع ضعف شخصية ابنها وانغماسه في اللهو والملذات الحسية وانشغاله عن مشاغل الرعية وشؤون الحكم.

 

 

وهو ما غذى الأطماع وجعل الجنود الانكشاريين يعلنون العصيان والتمرد في عديد المرات وهو ما جعل الإمبراطورية تتعرض إلى هزات كثيرة خاصة بعد أن انتشرت أخبار سلوك السلطان إبراهيم وقيل الكثير عن ذهاب عقله وولعه باللهو وانتهى الأمر بخلعه.

ورغم أن السلطانة قسم  نجحت في الوفاء بوعدها لزوجها السلطان الراحل في أن تجعل الدولة تحت حمايتها وان لا تغفل عينيها عن الدسائس التي تحاك هنا وهناك إلا أن الأمور تغيرت بعد تولي حفيدها محمد العرش وهو في سن السابعة من عمره ومحاولته والدته  السلطانة نورهان الانفراد بالسلطة وإبعاد السلطانة قسم عن دائرة النفوذ.

واعدت كل من السلطانتين العدة لقتل الأخرى حتى يخلو لها القصر وتمارس نفوذها بشكل مطلق ولأول مرة تفشل السلطانة قسم وتحاول الفرار لكن خدم القصر أوقعوها وقتلوها خنقا في نهاية تراجيدية لسلطانة أتقنت جيدا لعبة العروش ولكنها لم تنفذ من نهاية دموية وقاسية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.