منوعات

“الجنية الحقانية” شيخة الغناء البدوي الوهراني

 

عرفت في الجزائر في فترة السبعينات والثمانينات، وتألقت بصوتها الشادي والشجي، الذي ارتقى بها إلى الماورائيات، حيث أصبحت تكنى ب”الجنية”، إنها الشيخة “فاطنة مباركي” سيدة الغناء البدوي الوهراني القديم.

 

ولدت الشيخة الجنية، فاطنة مباركي في منطقة مرحوم بين مدينتي سعيدة و سيدي بلعباس غرب الجزائر، سنة 1954م، في بيئة بدوية مغلقة وقاسية في آن، أين انبعث من حنجرتها صوت مبحوح، عشق الغناء، لكنه سرعان ماجمح بسبب تقاليد البيئة المحافظة.

حين بلغت ال16 من عمرها زوجت الشيخة فاطنة عنوة إلى أحد أقاربها، الذي كان طاعنا في السن، لكن هذا الزواج لم يدم طويلا، حيث لم تتحمل الزواج المبكر وفرت من بيت الزوجية القاسي، ومن قبيلتها القاسية، إلى عالم المجتمع القاسي.

انطلقت بصوتها المبحوح للغناء في الأفراح والأعراس، رفقة الشيخ عيسى، الذي كان أول من آمن بموهبتها الغنائية، مما كان يعني بالنسبة لشابة مثلها التضحية بشرف العائلة والقبيلة معا.

ومنذ ذلك الحين تألقت في الغناء البدوي القديم، الوهراني، الذي اقترن بتاريخ ظهور الأزجال والموشحات، وفي سنة 1970، سجلت الشيخة فاطنة،  أولى أغانيها، بمساعدة الحاج مزو الذي لقبها بالجنية، لتفتح بذلك المجال لإنتاج وتسجيل المزيد من الأغاني، التي عكست لوعة وحسرة الطفولة المريرة، التي لم تنعم بها جراء قسوة وطغيان مجتمع الذكور.

 

 

وقد تميزت أغانيها بطابعها العاطفي الحزين، الذي تطغى عليه الشكوى، و مستوحى من معجم الفقدان والحسرة واليتم والقساوة الجارحة، رددتها حنينا ولوعة بعبارات: لمن نشْتْكي، لْمِّيمة، دلالي، المحنة، بني عمي، خويا، خيتي، حنوني، خليت ناسي، الغبينة، آ الراي آ الراي، الكبدة، آبّا بّا، آمّا مّا، عمري عمري، عيني عيني، ليه تبكي، ربي ربي…

كما غنت للوطن الأم الجزائر، أشهر أغانيها التي تبرز فداحة الاستعمار وقسوته.

 

 

وسرعان ما تحوَلت الجنيّة إلى ظاهرة، امتلكت قلوب الآلاف من متذوّقي أغانيها، حيث استطاعت النّفاذ إلى عمق النّاس، بلهجة بدوية جارحة أحيانا، وطوال مسيرتها غنـّت الشيخة الجنيّة، بصدق ملامسةً الأعماق من وجدان الإنسان البدوي، وذلك برفقة زوجها الفنان البراح الزوَاوي.

 

 

ذاع صيت فنانة الراي البدوي، الشيخة الجنية في الخارج، فغنّت لأوّل مرّة في باريس في قاعة الزينيت عام 1999، أين حظيت بحفاوة واستقبال جماهيري كبير. وأصدرت عنها الكاتبة الفرنسية «فرجين لو» كتابا مهما بعنوان «الجنية والراي» صدر سنة 2000، عن دار غاليمار المشهورة.

كانت الشيخة الجنية الحقانية، في أوج مسيرتها حين وافتها المنية، ذات مساء، جراء حادث مرور مأساوي، في بداية شهر أفريل/ نيسان 2004، لتنتهي برحيلها صفحات من  حياة ثالث أكبر مغنيات طابع الطرب البدوي الجزائري الأصيل، بعد الشيخة الريميتي والشيخة رحمة العباسية.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد