الرئيسيثقافة

بين الكلاسيكي والتجديد.. مارسيل  خليفة يبدع في قرطاج ويغني للخبز والورد والشهداء

مهرجان قرطاج الدولي

 

أعاد حضور الفنان اللبناني الملتزم مارسيل خليفة على ركح مسرح قرطاج للدورة الرابعة والخمسين رونقها وألقها الغابر، بعد ان استباحها فنانو الأغنية الواحدة وقنوات اليوتيوب.

 

سهرة الحب والالتزام هكذا عنون مارسيل حفله في مسرح قرطاج الأثري الذي شهد عبق كلماته ونغمات عوده واسترجع معه الجمهور الذي حضر بكثافة أياما كان للحن وقدسية الكلمة فيها فعل السحر.

 

اكتفى مارسيل خليفة ببضع كلمات افتتح بها حفله في مهرجان قرطاج الدولي في دورته الرابعة والخمسين لينطلق مباشرة في أداء أغنيته الجديدة “يا حادي العيس” التي قدمها هدية لأمهات الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن تونس.

وسحر مارسيل بأول مصافحة له مستمعيه الذين صمتوا كأن على رؤوسهم الطير منبهرين بتمازج أنغام العود والبيانو وآلة الدرامز التي أضفت نكهة جديدة ومختلفة على ما اعتاد مارسيل تقديمه.

 

 

“كانت الحلواية واقفة على المراية تاري بالمراية عم يتخبى القمر”، هذه هي الأغنية الثانية، كلماتها بسيطة وسهلة، أهداها مارسيل للأطفال الحاضرين، مصافحة عفوية عنونها مارسيل بنداء طفلة من الجمهور له كأنها تعرفه منذ زمن، وهذا ليس بغريب، فمارسيل خلّد حضوره على أحجار المسرح الأثري جنبا إلى جنب مع عمالقة الموسيقى والفن العربي والعالمي منذ زمن.

كانت سهرة مارسيل سهرة للشهداء بامتياز، فمقطوعة “صرخة” التي أهداها مارسيل لشهداء تونس جاءت لفتة للاحتفاء والاحتفال بمن قدموا حياتهم فداء لأوطانهم، فكانت الموسيقى تزف لحن الفرح تخليدا لتضحياتهم.

بينما كانت “Requiem” مقطوعة اهداها مارسيل لكل المدن العربية التي تحاول النهوض من تحت الأنقاض واستعادة مجدها الغابر، لحن بدأ حزينا أليما يصور الدمار الذي تعانيه صنعاء وبيروت ودمشق وبغداد ليتصاعد بنسق ثوري غاضب يحمل في طياته هول الحروب حتى تكاد تسمع قصف الطائرات ودوي سقوط القنابل تنسف مدنا عربية وتحيلها الى ركام، بينما تتصاعد إيقاعات “الدرامز” وتتطاير مفاتيح البيانو بين أصابع “رامي خليفة” إيذانا بالغضب المميت القادم لإحياء المدن المدمرة.

مارسيل يغني لتونس

 

 

لمارسيل علاقة خاصة بتونس، لذا لم تقتصر مصافحة الفنان لجمهوره على مسرح قرطاج، بل أحيى حفلات في عدد من المدن في شمال البلاد وجنوبها، كمهرجان الحمامات الدولي ومهرجان أم الزين للشعر الشعبي بجمّال في الساحل وجربة في الجنوب وسيختتمها في القصرين أين انطلقت الثورة التونسية.

في حفلة قرطاج، قدم مارسيل لحنا على مقام الرصد ألفه خصيصا لتونس، وجاء في مطلع الأغنية “غني صباح جديد وهني الشهيد بوليد يا أجمل المواعيد بين الفرح والعيد يا شعب لما يريد يا تونس الحرة.”

هذه “الهدية” الفنية اكدت عمق الرابط الذي يجمع بين مارسيل وتونس وأن القضية الفلسطينية التي لا يزال الفنان العربي يحمل لواءها أينما ذهب، متجذرة في داخل التونسيين الذين شاطروا مارسيل وجعه وثورته التي حملتها نوتات الموسيقى، بينما حضر علم فلسطين ككل مرة ليشهد على توحد الوجدان العربي من خلال الفن الملتزم والكلمة الحرة.

لماذا تواصل نجاح مارسيل؟

 

 

تراجعت المساحة التي تتمتع بها الأغنية الملتزمة في الذائقة العامة في السنوات الأخيرة، فلم تعد تحظى بنفس الحماس الذي رافقها قديما نظرا لتغير الظرفية الاجتماعية والتاريخية.

فالأغنية الملتزمة ارتبطت بقضايا قومية وعربية محورية لم تعد من أولويات الشباب الذي بات يعتبر ان الاغنية الملتزمة بشكلها التقليدي غير مناسبة للعصر الحالي، وزاد انتشار الأغاني الهابطة على مواقع التواصل الاجتماعي من رداءة المشهد الفني.

غير أن مارسيل استطاع، بالتجديد الذي أدخله على النمط الموسيقي الملتزم، من استقطاب مستمعين جدد من فئة الشباب، إضافة إلى جمهوره القديم، وسهّل عليه تكوينه الموسيقي الأكاديمي في أن يمزج بين آلات غربية ك “الدرامز” والبيانو، مع الإبقاء على العود ركيزة أساسية في كل ألحانه وأغنياته.

هذه المسحة الشبابية التجديدية تجلت أكثر في المقطوعات التي قدمها برفقة ابنه منها “Requiem” و”صرخة” اللتين أبدع في أدائهما ونالا استحسان وتفاعل الجمهور.

يبقى دائما حضور جمهور الأغنية الملتزمة حضورا نوعيا، لكن مارسيل لا تزال له القدرة على ملء مدرجات مسرح قرطاج، الذي شهد حضور عدد كبير من الوجوه السياسية ونواب من البرلمان من أغلب الاطياف السياسية، وهو أكبر دليل على تنوع جمهور مارسيل وعدم احتكاره على فئة معينة، فهي عندهم رديف الجمال والثورة وأشواق الحرية.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد