اختيار المحررينثقافة

توفيق الحكيم، جمال عبد الناصر و”عودة الوعي”

في ذكرى وفاة توفيق الحكيم

 

لا يخفى على المتابعين للساحة الثقافية المصرية أن توفيق الحكيم كان جزءا من مشروع فكريّ مؤيد لعبد الناصر، لاقى حظوة كبيرة في عهده حتى تم تكريمه بوسام الجمهورية.

 

وكان الحكيم أحد الرموز الفكرية إلى جانب العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ، في فترة شهدت فيها مصر حركة ثقافية هامة، أثرت على المنحى السياسي الذي استقطب بعضهم لخدمته.

إذ مثلت الثقافة عنصرا محوريا في منهج جمال عبد الناصر، حيث أحدث أول وزارة ثقافة في العالم العربي وكرم الأدباء وشجّع حركة الترجمة والتأليف في بداية حكمه.

 

 

وبعد نشر كتابه “فلسفة الثورة” أهدى نسختين منه إلى طه حسين وتوفيق الحكيم تقديرا لدورهما في تشكيل أفكاره الوطنية.

كما خصص جناحا للحكيم في مبنى صحيفة الأهرام، التي أشرف عليها هيكل في ذلك الوقت، وفق ما نقله كتاب “جمال عبد الناصر وجيله”.

وفي قصة الصحافة والسلطة في مصر، ذكر محمد توفيق، أنه خلال عملية تطهير الجهاز الحكومي من العناصر غير الموالية للثورة، تضمنت الكشوفات اسم توفيق الحكيم، فشطبه عبد الناصر، وقال لوزير المعارف “كيف تفصل الثورة توفيق الحكيم وهو الذي تأثرنا بكتابه “عودة الروح؟”

كما ساند الأديب المصري الرئيس أنور السادات خلال توقيعه على اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل كامب ديفيد 1978.

فيما توجه بالنقد لعبد الناصر في كتاب أصدره بعد وفاة الأخير بعنوان “عودة الوعي”، ناقدا من خلاله السياسة المصرية.

وتناول في مؤلفه أحداث ما يعرف بـ”ثورة يوليو” من  1952 حتى 1972، وكيف تحولت فكرة الديمقراطية إلى حكم فردي استبدادي.

موقف نقده العديد من المثقفين، على اعتبار أن الكتاب صدر بعد وفاة عبد الناصر وليس في عهده.

وقال الكاتب السوري، عدنان الملوحي، في كتابه “توفيق الحكيم بين الوعي والغيبوبة”: العجيب في أمره أن الوعي قد عاد اليه فجأة بعد انتقال الرئيس عبد الناصر الى الرفيق الاعلى حيث خلا له الجو، فإذا به يتحامل بلا وعي على الثورة وعلى الرئيس عبد الناصر، “بحجة عودة الوعي اليه، رغم شيخوخته ومرضه”.

 

النظام المصري من “الثورة” إلى الاستبداد

تغلغل النظام المصري في أواسط الستينات داخل البيئة الثقافية والإعلامية، عن طريق احتوائه للماركسيين واستيعابهم لصالحه.

وكانت هذه الفئة تشكل العمود الفقري الذي استخدمه نظام عبد الناصر ليصعد من خلاله إلى سلم السلطة، دون أن يكون لهم أيّ دور فاعل في إطارها.

وقد ذكر الكاتب صلاح عيسى أن عبد الناصر عندما التقى أسرة تحرير الطليعة قال “إن عليهم أن يكونوا مثل الملح، أي أن يضيفوا النكهة لنظامه فقط”.

 

 

ومع اعتقال لطفي الخولي رئيس تحريرها وثلاث من مستشاريها، ضمن اعتقالات أكتوبر 1966، تحولت العلاقة بين الطرفين إلى صراع وتهديد.

وقام عبد الناصر بعد المشاحنات والاعتقالات المتكررة للصحفيين، بتعيين محمد حسنين هيكل، بقرار مفاجئ، كوزير للإعلام (1970).

قرار لم يعجب هيكل، الذي كان من مناصري الطليعة، وذا  منصب هام في صحيفة الأهرام يخشى أن يخسره رغم السماح له بالجمع بين الوظيفتين.

وبيّن عيسى في كتابه “شخصيات لها العجب: ذكريات، دراسات، ووثائق”، أن هذا السبب شجع هيكل من طرف خفي، الكاتب الكبير توفيق الحكيم ليكتب رسالة للرئيس عبد الناصر وينتقد فيها نقل هيكل من مجال القلم إلى مجال السلطة”.

فقد أكد الحكيم في رسالته أن بقاء هيكل على رأس الأهرام يحفظ لها استقلاليتها وحريتها وقدرتها على طرح القضايا الأساسية وكشف الحقائق، لتكسب ثقة الرأي العام وتوجهه أفضل من أجهزة الدعاية الرسمية.

شهادة تفنّد ما ذهب إليه العديد ممن دافعوا عن توفيق الحكيم ومواقفه الشجاعة بعد النقد الذي واجهه مع صدور “عودة الوعي”.

ولم يثن النقاد الذين سخروا من عبارة “عودة الوعي”، ومن بينهم حسنين كروم الذي كتب “سقوط الحكيم: الرد على كتاب “وثائق فى طريق عودة الوعي”، مؤكدا أن الحكيم كان أحد رجالات هيكل في تلك المرحلة.

ونلتمسه في مؤلفات أخرى على غرار “توفيق الحكيم: فاقد الوعي”، و”ردا على توفيق الحكيم: الوعي المعدوم”.

 

“خريف الغضب” و”عودة الوعي”

عكس كتاب توفيق الحكيم الهجوم على مؤلفه من قبل محمد حسنين هيكل أيضا، الذي نقد ما جاء في “عودة الوعي” لعلاقته الوطيدة بجمال عبد الناصر وتأييده له.

ونقل محمد الجمل في كتاب نجيب محفوظ “في ليالي سان استيفانو”، أنّ حديثا جرى حول رسالة توفيق الحكيم إلى حسنين هيكل، قال فيها “إن حالتي تشبه حالتك، أنت كتبت كتابك “خريف الغضب”، فاعتبر هجوما ضدّ السادات بعد موته، وأنا كتبت كتاب “عودة الوعي” فاعتبر هجوما على عبد الناصر بعد موته”، وفسر العالم العربي موقفي بأنه “عدم وفاء”.

 

 

وكان رد هيكل “لم أكتب رأيي في السادات بعد موته، وإنما في حياته، وما كتبته بعد موته هو نتاج دراستي لحادث المنصة”.

وتابع “لقد صدر كتابك “عودة الوعي، في ظل هجمة شرسة لها دواعيها السياسية، تعيد تقييم عبد الناصر.. ولم يكن كتابي موجها للعالم العربي وإنما العالم الخارجي قبل أن يترجم إلى اللغة العربية.

أليس غريبا أنّ عملك الفني الكبير “بنك القلق” الذي هاجمت فيه توحش جهاز الدولة، كان في الوقت الذي كان وعيك فيه غائبا.. كما قلت أنت، وعندما عاد وعيك إليك ظللت صامتا”.

 

 

كما ذكر هيكل في كتابه “كلام في السياسة: عام في الأزمات 2000-2001،أن توفيق الحكيم عرض عليه خلال عمله في جريدة الأهرام قصته الشهيرة “بنك القلق”. وقال “كان واضحا أمامي أن القصة نقد في الصميم لأجهزة الأمن والمخابرات في شكل عمل أدبيّ”.

 

 

وعندما عرف الحكيم أنّ قصته سوف تنشر، وفق الكاتب الصحفي، بدا عليه الارتباك مؤكدا أنها مجرد رواية تجريبية، وتساءل حول إمكانية التروي قبل صدورها في صفحات الأهرام. فقال له هيكل “إذا كانت لديك الشجاعة لتكتب، فلديّ الشجاعة لأنشر”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.