اختيار المحررينثقافة

“أريد رجلا”: صرخة جريئة ومستفزة في وجه المقولات النمطية

خديجة بن صالح – مجلة ميم

 

عندما تكتب المرأة عن قضايا النساء ما علينا سوى أن ننصت وبانتباه، فهي الأقدر على الغوص في تفاصيل الشؤون الحميمة الحارقة للأنثى. وهي التي تمتلك الكفاءة النوعية التي تؤهلها لتعرية عوالم النساء والتعبير عنها بالعمق والصدق اللازمين.

 

ومن هذا المنطلق، يستوقفنا عمل درامي حقق نجاحا كاسحا عندما عرض لأول مرة، وهو يعاد هذه الأيام على بعض القنوات ويحظى بنسب مشاهدة عالية كما اعتبر من قبل النقاد بمثابة الفتح الجديد في عالم الدراما، نظرا لمقاربته لقضايا تطرح لأول مرة تتصل بعلاقة المرأة والرجل.

 

 

” أريد رجلا “ رواية للكاتبة نور عبد المجيد وهي صرخة أنثوية عالجتها دراميا وفككّت رموزها السيناريست شهيرة علام ليقدمها المخرج محمد مصطفى بمساعدة المخرجة بتول عرفة.

ويجسد ادوار البطولة في هذا المسلسل كل من الأردني إياد نصار والتونسي ظافر العابدين ومن مصر مريم حسين وسهر الصائغ واحمد عبد العزيز وأميرة العايدي و حازم سمير وندى بسيوني وسهير المرشدي ونضال نجم من سوريا.

ولعلنا لا نستطيع أن نلج مناخات هذا المسلسل دون أن نتعثر على عتباتها بأسئلة حارقة:

هل يحق للمرأة ان تكشف المستور في علاقتها بالرجل وان تصرخ عاليا وفي المنابر الإعلامية بشكل مستفز معبرة عن رغبتها في إنجاب الذكور وعجز زوجها عن ذلك سعيا إلى كسر الصورة النمطية التي استوطنت المخيال الشعبي في عالمنا العربي؟

 

 

والى متى سيظل المجتمع العربي يدين المرأة ويعتبرها المسؤولة عن تحديد جنس المولود فيس تجاهل واضح لحقيقة علمية باتت معلومة اليوم للجميع؟

والى أي مدى يحتمل كبرياء الرجل  العربي مواجهة هذه الحقيقة؟

وفي سياق متصل يمكن ان يواجهنا هذا العمل الدرامي القيم والجريء بوابل من الأسئلة الأخرى أيضا على غرار:

إلى متى تظل المرأة أسيرة مقولات الجمال التقليدي التي تفقدها الكثير من الثقة بالنفس والقدرة على النجاح اجتماعيا واسريا؟

وماذا عن الحب إكسير الحياة؟

 

 

وفي أي الزوايا يمكن ان يحشر العشق الكبير ويحاصر بمكبلات الواقع التي تتحكم فيها ذائقات جمالية نمطية  وعلاقات أسرية متشابكة وقيم مجتمعية لازالت خاضعة للطبقية ولهيمنة السلطة الأبوية؟

عن كل هذه الأسئلة يجيب مسلسل أريد رجلا وبشفافية رائعة يشخص علاقات المرأة بالرجل بكل أشكالها.

وتبدأ الحكاية بأمينة الشابة الجميلة المنطلقة والمقبلة على الحياة والتي تقدم برنامجا إذاعيا ولا تبدو معنية بالأفكار التقليدية التي تحشر المرأة في الزواج والإنجاب. ولا تحلم سوى بالحب الكبير الذي يجردها من كل أسلحتها لاسيما وأنها عاشت في ظل عائلة وفرت لها كل مقومات الناجحة والسعادة ولكنها تعلم في قرارة نفسها أن والدتها الصحفية والكاتبة الشهيرة تفتقد إلى دفء الحب الذي لم ينجح والدها في منحه إياها وهو الذي عاش طوال حياته متعلقا بأخرى رغم إصراره على إنجاح علاقته الزوجية.

 

 

أما صديقته المذيعة الرومانسية نهى فهي منغلقة على ذاتها تخشى مواجهة المجتمع وتفتقر إلى  الثقة في النفس لأنها تعتبر نفسها غير جميلة بالصورة التي يريدها المجتمع ويرغب فيها الرجال ولذلك ترى انه لا أمل في أن تعشق ذات يوم  وهي تواجه يوميا صراعا مع والدتها وشقيقتها الصغرى التي تزوجت قبلها من اجل أن تسعى إلى إيجاد رجل وأن تغير إطلالتها ومظهرها  أيضا.

وتتغير الأحداث عن تصادف أمينة الحب مجسدا في شخصية سليم وكيل النيابة العادل أصيل الصعيد ويعيشان قصة حب تشبه الأساطير لا يعكر صفوها سوى رفض والدته لهذا الحب وتقبل بزواج ابنها على مضض لكن تسارع الوقائع يضع المشاهد أمام مفارقات تطرح لأول مرة دراميا.

 

 

إذن يحدث المنعرج عندما تنجب أمينة بنتين من زوجها وحبيبها سليم وهنا تصرخ الأم الصعيدية المهيمنة على ابنها ” أريد رجلا” فهي تطمح إلى أن ينجب ابنها ذكرا ليصبح الرجل الذي يرث اسم العائلة ومكانتها الاجتماعية ومركزها المالي.

وهي ذات الصرخة التي تطلقها أمينة في وجه زوجها مطالبة إياها باتخاذ موقف رجولي يتسق مع ثقافته وتكوينه ويقطع مع التقاليد البالية موقف ينسجم  مع قصة الحب الرائعة التي عاشتها معه لكن الخيبة تكون في انتظارها أمام نصف الموقف من هذا الزوج خاصة بعد علمها أنه تزوج بثانية نزولا عند رغبة والدته لتنجب له الذكر.

” أريد رجلا ” نداء جريء ومستفز تطلقه المذيعة أمينة عبر الشاشات في تحد لزوجها ووالدته معلنة أنها تطلب الطلاق لأنها ترغب في إنجاب ابن ذكر وان زوجها لا  ينجب  سوى الإناث.

 

 

وباتت هذه الحادثة التي تعد  سابقة في مسائل الأحوال الشخصية  يذهل أماها الرأي العام وتتحول إلى حديث الناس وهو ما يخدش كبرياء هذا الزوج ويستفز فحولته وينتهي الآمر بالطلاق وفشل قصة العشق الاستثنائية التي انكسرت على صخرة التقاليد البالية والأفكار الخاطئة.

ورغم أن هذه هي القصة المركزية التي تحوم حولها الأحداث إلا أن المسلسل يقوم على قصص متشابكة وكلها تكتسي أهمية بالغة في الحبكة الدرامية فنتابع حكاية الزوج المخدوع الذي تخونه زوجته بحثا عن المجد ولا تكترث بحبه الكبير لها نظرا لتباين الطبائع والبيئات التي ينتمي إليها كل منهما. كما تستوقفنا زفرات الأنثى الراغبة في الزواج والإنجاب والتي تأخر قطار الحب في الوصول إليها وتجد نفسها مضطرة إلى القبول بأي رجل.

كما تستوقفنا قصة الشاب الذي يتزوج بشكل تقليدي ويظل مثل فراشة متنقلا من أنثى إلى أخرى باحثا عن عسل الحب والرغبة.

وفي هذه  الدراما ثمة جانب آخر من الصورة وهو الوحدة القاتلة التي تقود إلى الرغبة في حضن يحمي المرأة من التيه ويؤمن للرجل السكينة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.