مدوناتغير مصنف

بيان رقم واحد لغضب مثقفين أو الكسل الذهني والأماني الانقلابية

مدونات

 

نشر نهاية الاسبوع الفارط عدد من المثقفين والفنانين والاعلاميين نصا تحت عنوان “بيان الغضب رقم 1″ عبروا فيه عن قلقهم مما آل إليه وضع البلاد اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، واللافت أن النص افتُتح ب”نحن الغاضبات والغاضبون” وتكررت الصياغة في أكثر مرة للتأكيد على الحالة الغضبية لتلك المجموعة المذكورة في قائمة أسفل النص.

 

ومما جاء في البيان:

نحن الغاضبات والغاضبون من كمّ العنف والإفلاس الإقتصادي والكراهية وزعزعة الأمل خاصة لدى الشبابنحن الغاضبات والغاضبون من ممارسات الفاشية العقائدية الزاحفة والمدمّرة
نحن الغاضبات والغاضبون من فشل الأحزاب التي تضحي بتونس من أجل مصالحها الضيّقة حتى أدّى المجال إلى التفكير في توريث الأبناء وتوغّل العائلة

نحن الغاضبات والغاضبون من التهاب الأسعار وتدمير الطبقة الوسطى والفقيرة.. . التقينا مبدعين وفنانين ونساء ورجال فكر على غير موعد ولا “أجندة خفية” للتنديد بعدم مسؤولية الطبقة السياسية الفاشلة وتطاحن المصالح وتدجين مبادئ الثورة وما آلت إليه إدارة البلاد من كوميديا مبكية لا تثير إلا ضحك فاعليها وكومبارسها.. .

وبعد انهيار السلطة وتناقضاتها وسقوط ائتلافاتها الزائفة وغير الطبيعية،

وإيمانا منّا بالدور الذي يفرض على المثقف والمبدع والفنان،

ندعو ما بقي من السلطة وما بقي من ضميرها الى اتخاذ اجراءات جديّة وسريعة لفائدة أمن جمهوري بعيد على التجاذبات الحزبية والتحكّم في الأسعار بيد من حديد وإرساء ثقافة يصنعها المثقّفون عوض إدارة الوزارة وقضاء لا يخضع إلاّ للقانون والضمير وإعلام محرّر من الضغوطات الحزبية والحكومية ونظام تعليم معاصر يقرره الخبراء بعيدا على التوظيف العقائدي….”

 

الواضح أن نص البيان لا يدعو أصحابه إلى “ثورة” ولا إلى “انقلاب” وإنما يدعون إلى تغيير أو إصلاح من داخل السلطة أو بواسطة “ما بقي من السلطة ” و”ما بقي من ضميرها” وقد يكون هذا الذي بقي أشخاصا أو “جهازا” ولكنه يبقى بعضا من سلطة لا يرفضونها ولا يدعون إلى التمرد عليها رغم أنهم يقولون ب “انهيار السلطة وتناقضاتها وسقوط ائتلافاتها الزائفة وغير الطبيعية” وهو ما يكشف عن تناقض منطقي وما ينم أيضا عن خلفية إيديولوجية حين يرون في “الإئتلاف” بين مكونات السلطة حالة غير زائفة وغير طبيعية أي إنهم يتخذون مواقف إيديولوجية من مكونات هذا “الإئتلاف” وبهذا نفهم بأن الدعوة إلى الإصلاح والإنقاذ إنما هي موجهة إلى طرف داخل هذا “الإئتلاف” وهو ما عبروا عنه بما تبقى من “ضميرها” .

 

لنا تجربة مع مثل هذا الاسلوب في إمضاء بيانات الاستنجاد بالسلطة لحسم إشكالات ثقافية وسياسية عرفتها تونس، نتذكر بيان الألف جامعي سنة 1991 في دعم وزير تربية سابق في مشروعه الذي اعتبره آخرون مجففا للمعاني محاربا للهوية، نتذكر بيان السبعين مثقفا المنشور بجريدة المغرب بتاريخ 3 جوان 2012 وبيان 2 جويلية 2015 وبيان 2 نوفمبر 2015 وكلها من نفس الجهة ولاستهداف نفس الطرق

 

وبمزيد التدقيق نفهم أيضا الجهة التي يتذمر منها أصحاب البيان ويعتبرونها سبب الأزمة الاجتماعية وسبب فشل الإئتلاف الحاكم يقول النص :”نحن الغاضبات والغاضبون من ممارسات الفاشية العقائدية الزاحفة والمدمّرة” وهذا استرسال في ما يقوله شخوص معروفون إيديولوجيا تجاه طرف بعينه يُعلقون عليه كل الخيبات ويودون تغييبه من مناشط السياسة والثقافة والفنون والإعلام.

لو صدر مثل هذا النص عن جهة سياسية معلومة لتفهمنا الأمر على أنه فصل من فصول الصراع السياسي وشكل من أشكال الضغط والإبتزاز، ولكن أن يصدر عن أشخاص ينسبون أنفسهم إلى عنوان “الثقافة” و”الفنون” و”الإعلام” فهذا مسيء إليهم ويصمهم بالكسل الذهني حين يستعجلون حل مشاكل اجتماعية وسياسية وفكرية بواسطة جهاز الحكم وليس بواسطة جهدهم العقلي وفعلهم النقدي وعملهم التوعوي ونشاطهم التنويري ورسالتهم التنويرية كما في كل المجتمعات الحية، حيث تقوم النخبة بدورها الحضاري العظيم في بناء الإنسان وتهذيب الذائقة وتوجيه الإرادة الجماعية نحو البناء والخير والفضائل.

لنا تجربة مع مثل هذا الاسلوب في إمضاء بيانات الاستنجاد بالسلطة لحسم إشكالات ثقافية وسياسية عرفتها تونس، نتذكر بيان الألف جامعي سنة 1991 في دعم وزير تربية سابق في مشروعه الذي اعتبره آخرون مجففا للمعاني محاربا للهوية، نتذكر بيان السبعين مثقفا المنشور بجريدة المغرب بتاريخ 3 جوان 2012 وبيان 2 جويلية 2015 وبيان 2 نوفمبر 2015 وكلها من نفس الجهة ولاستهداف نفس الطرف.

 

ما أثار جمهورا كثيرا من المتابعين هو عنوان “النص” وما تُحيل إليه مفردة “بيان رقم 1” من استبطان لرغبة انقلابية على المشهد السياسي برمته، مشهد هو من إنتاج مسار انتخابي ودربة ديمقراطية وجهد كثير من التونسيين باتجاه القطع مع المنظومة القديمة، بما هي نظام حكم وعقلية وثقافة وممارسة وظلم وفساد.

 

ما أثار جمهورا كثيرا من المتابعين هو عنوان “النص” وما تُحيل إليه مفردة “بيان رقم 1” من استبطان لرغبة انقلابية على المشهد السياسي برمته، مشهد هو من إنتاج مسار انتخابي ودربة ديمقراطية وجهد كثير من التونسيين باتجاه القطع مع المنظومة القديمة، بما هي نظام حكم وعقلية وثقافة وممارسة وظلم وفساد.

أغلب الردود صادرة عمن لم يقرأوا النص ولكنهم استفزهم “البيان رقم 1” وهذا مفهوم ومبرر ولا يمكن لجماعة “النص” أن يتبرأوا من سوء نيتهم، فاللغة العربية خجولة تشي بما يُخفي قائلوها.

الدكتورة آمال قرامي التي ورد اسمها في قائمة تحت “النص” تنفي أن يكون تم التوصل إلى صيغة نهائية ل”بيان” وتقول إن القائمة الواردة إنما هي بأسماء الحاضرين في الندوة وليست بأسماء الممضين، وقد ورد في موقع “الجمهورية” وتحت عنوان توضيح بشأن البيان رقم1 للغضب ما يلي :

“خلافا لما نشره عدد من المواقع الاعلامية حول البيان رقم 1 للغضب والمتعلق بمبادرة مجموعة من المبدعين والمثققين الذين اجتمعوا يوم الثلاثاء 17 جويلية 2018 بفضاء التياترو بالعاصمة للتشاور حول كيفية تفعيل مساهمة المبدعين التونسيين في انهاء الأزمة التي تعيشها بلادنا اليوم واعادة الاعتبار لمكانة المبدع حتى يدلي بكلمته في مختلف قضايا الشأن العام، أكد مصدر موثوق من داخل المبادرة لموقع “الجمهورية” أن النص المنشور ليس بنص نهائي بل هو مشروع نص بصدد التدارس والتعديل.

وأضاف مصدرنا أنّ الأسماء التي نشرت لم تمضِ على أية وثيقة بل هي أسماء الأشخاص التي واكبت الاجتماع الأوّل فحسب”.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة ميم

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.