مجتمعاختيار المحررين

كيف قامت الجمهورية وأطيح بالملكية في تونس؟

25 جويلية، ذكرى إعلان الجمهورية في توني

 

تحتفل البلاد التونسية، اليوم 25 جويلية/ يوليو 2018، بالذكرى 61 لإعلان الجمهورية، الذي ألغى بموجبه المجلس القومي التأسيسي، النظام الملكي في البلاد، منهيا، بذلك الحقبة الحسينية التي حكمت تونس 252 عاما.

 

وشهدت البلاد التونسية، منذ ذلك التاريخ، بداية حقبة جديدة من الحكم الجمهوري والرئاسي، بقيادة الحبيب بورقيبة، الذي كان أول رئيس بعد الاستقلال ونهاية الاستعمار الفرنسي للبلاد. 

 

252 عام من حكم الحسينيين

في 15 جويلية/ يوليو 1705، تولى “حسين بن علي”، أوّل مؤسّس للدّولة الحسينيّة حكم البلاد التونسية، ودامت فترة حكمه 30 عام، إلى غاية 1735 م، وهو تاريخ وفاته، لينتقل بعد ذلك زمام الحكم والسلطة، إلى  كبير العائلية الحسينية، حيث تداول على الحكم 18 بايا حسينيا، وفق تقليد محكم، انتهى بنهاية آخر باي من الحسينيين عام 1957.

 

قائمة البايات الحسينيين الذين حكموا البلاد التونسية 252 عاما

 

وعرفت البلاد التونسية، خلال حكم الدّولة الحسينيّة، وضعيات سياسية واجتماعية واقتصادية، تراوحت بين الضعف والانهزام مرة وبين القوة والازدهار في فترة أخرى.

حيث انفجرت الصراعات العائلية في فترة حكم علي باشا، الذي حكم من 1735 إلى 1756، وأدى إلى غزو البلاد سنة 1756م، وأصبحت تحت وصاية دايات الجزائر.

 

البايات الحسينيين في تونس

 

وتواصل ركود البلاد، في فترة حكم الباي محمد الرشيد بن حسين، الذي حكم من 1756 إلى 1759، وعلي باي بن حسين الذي حكم من 1759 إلى 1782.

ثمّ ما لبثت أن عادت إلى مرحلة القوة، في عهد الباي حمودة باشا الذي حكم من 1782 إلى 1814، و شهدت البلاد في عهده ازدهارا اقتصاديا ومعماريا، وعرفت تلك المرحلة ب”الفترة الذهبيّة”.

 

صورة تقريبية لحمودة باشا الحسيني الذي عرفت مرحلة حكمه بالمرحلة الذهبية

 

وبعد النهضة الاقتصادية والمعمارية، التي عرفتها البلاد التونسية، لمدة 32 عاما، عادت من جديد لتشهد فترة عصيبة، طيلة 23 عام، وذلك من فترة حكم عثمان باي إلى مصطفى باي، الذي حكم لمدة سنتين من 1835 إلى 1837م.

وأرجع المؤرخون هذا الضعف، إلى عدة عوامل من أبرزها، انحسار الجهاد البحري وانتشار الأوبئة وتتالي حركات التمرد للانكشارية.

وخلافا لأسلافهم من الحسنيين، حاول البايات الذين حكموا في الفترة الثانية،  إدخال إصلاحات للبلاد. فسعى أحمد باي، الذي حكم من 1837 إلى 1855، لتطوير الجيش، وبعده أصدر “محمد باي”، في سنة 1859، عهد الأمان كأول وثيقة أساسية تضمن حقوق المواطنة.

 

أحمد باي حاول تطوير الجيش

 

وسنة 1861، أصدر الصادق باي، أول دستور للبلاد، أوقف العمل به بعد ثورة  1864 الشعبية التي اندلعت بعد مضاعفة الضرائب، وهو ما أدى إلى تطور حاد في الأزمة المالية، وارتفع حجم المديونية، لتصبح البلاد خاضعة ل”كومسيون مالي” فرضته عليها الدول الأوروبية بعد استحالة الحكومة تسديد ديونها الخارجية.

 

كما عرفت البلاد في هذه الفترة، فسادا حكوميا، دفع بها لتكون لقمة سهلة في براثن المستعمر الأجنبي، وتنطلق بذلك البلاد في استعمار دام 70 عام.

 

الصادق باي أصدر أول دستور للبلاد

البايات والحكم في فترة الاستعمار

منذ احتلالهم للبلاد التونسية سنة 1881، أبقى الفرنسيون على نظام البايات، الذين كان وضعهم صوريا، نظرا لأن السلطة الفعلية كانت في يد مقيم عام فرنسي يساعده مراقبون مدنيون، وأصبحت الشؤون الخارجية والدفاع وأغلب المسائل المالية من مشمولات فرنسا.

 

الأمير أحمد باشا باي في قصر بلدية باريس صحبة رئيسها

 ظهرت نخب واعية ومثقفة لتدافع عن حقوق التونسيين،كان من رموزها علي باش حانبة والبشير صفر، ثم أسس عبد العزيز الثعالبي، الحزب الحر الدستوري، قبل أن تحله القوات الفرنسية وتنفي زعيمه.

وفي 1924، بعث محمد علي الحامي، جامعة عموم العملة التونسية، كأول نقابة وطنية غير أنها لم تعمر طويلا لينفى باعثها بدوره إلى الخارج.

في مارس/ آذار 1934، بعث مجموعة من الشبان المتحمسين، بقيادة الحبيب بورقيبة، الحزب الحر الدستوري الجديد، الذي قاده الأمين العام صالح بن يوسف، في فترة نفي بورقيبة.

كما برز أيضا الاتحاد العام التونسي للشغل بقيادة فرحات حشاد الذي تمكن شيئا فشيئا من أن يصبح له دور هام  صلب الحركة الوطنية.

في جانفي/ كانون الثاني 1952، اندلعت في تونس المقاومة المسلحة، التي واجهتها الحكومة الفرنسية، بوحشية وحملة اعتقالات واغتيالات، شملت زعماء الحركات الوطنية، فاغتيل فرحات حشاد وعدد من وجوه الحركة الوطنية، على يد منظمة اليد الحمراء القريبة من المخابرات الفرنسية.

غير أن التصعيد الفرنسي، لم يحبط عزيمة الثوار التونسيين، الذين عرفوا ب”الفلاقة”، مما أجبر فرنسا على إعطاء تونس استقلالها الداخلي في جويلية 1954.

 

بينما اندلعت في البلاد التونسية، حركات مقاومة شعبية، لم يحرك البايات الذين تزامنوا في تلك الفترة، ساكنا، ولم يصدر منهم أي قرار لطرد الإستعمار الفرنسي للبلاد

الإستقلال ومرحلة الحكم المتضعضع 

وبعد عودة الحبيب بورقيبة من المنفى في جوان/ يونيو 1955، شرع في إمضاء اتفاقيات الاستقلال الداخلي، ليعلن في 18 سبتمبر/ أيلول عن  تشكيل حكومة جديدة، بمشاركة أنصار بورقيبة.

وفي 29 فيفري 1956 افتتحت بباريس مفاوضات أفضت في 20 مارس إلى إعلان الاستقلال الكامل لتنتهي بذلك حقبة الحماية التي دامت 75 عاما.

وفي 25 مارس 1956 استطاع الحزب الحر الدستوري الجديد إحكام سيطرته على السلطة بفوز قوائمه بكل مقاعد المجلس القومي التأسيسي، حيث تشكل في 15 أفريل/ نيسان 1956، حكومة عهد لبورقيبة برئاستها.

وقبل أن يعلن عن إلغاء النظام الملكي في البلاد وقيام دولة الجمهورية، في 25 جويلية/ يوليو 1957، سارع الحبيب بورقيبة، إلى إرساء إصلاحات جذرية، منها إصدار مجلة الأحوال الشخصية وضم نظام التعليم الزيتوني الديني إلى التعليم العمومي، وتقسيم البلاد إلى مجموعة ولايات،  وبعث الجيش الوطني، وإصدار أول دستور في غرة جوان/ يونيو 1959.

 

يروي المؤرخون، أن الحبيب بورقيبة، كان ينوي منذ الاستقلال إسقاط الأمين الباي، آخر البايات الحسينين في تونس، ومن ذلك جعل الإدارة الخاصة بشؤون الباي والعائلة الحسينية على ذمة وزارة المال منذ أفريل/أبريل 1956 أي بعد شهر واحد من الاستقلال،

بورقيبة وتولي حكم البلاد “باسم الشعب”

تمت هذه الإصلاحات، والبلاد ماتزال تحت حكم البايات الحسينين، الذين لم يهبوا السلطة على طبق من ذهب لبورقيبة، ولكن يذهب مؤرخون إلى أن الأخير، كان ينوي منذ الاستقلال إسقاط الأمين الباي، آخر البايات الحسينين في تونس، ومن ذلك جعل الإدارة الخاصة بشؤون الباي والعائلة الحسينية على ذمة وزارة المالية منذ أفريل/أبريل 1956 أي بعد شهر واحد من الاستقلال، وفق دراسة تاريخية، أعدّها الدكتور فتحي ليسير، أستاذ التاريخ المعاصر بالجامعة التونسية.

وذكر الباحث أنه منذ انعقاد الجلسة الأولى للمجلس القومي التأسيسي في 8 أفريل/ نيسان 1956 لم يعد الحكم في يد الباي، بناء على الشرعية الشعبية، التي أصبحت بمثابة اللازمة في الخطاب السياسي حينذاك.

وأضاف أنه “بالتدريج تقلص نفوذ الباي على نحو ملحوظ إذ لم يبق له بالنهاية إلا الجلوس على العرش و ممارسة جزء ضئيل من السلطة التشريعيّة بصورة لا تتجاوز وضع الطابع على الأوامر غير القانونيّة التي يعرضها عليه رئيس الحكومة.”

وتابع “في مساء 23 جويلية/ يوليو 1957، اجتمع الديوان السياسي للحزب الدستوري الجديد بدعوة من بورقيبة و قرر اختيار النظام الجمهوري، أي “المناداة بإلغاء الملكيّة…”  كما دعت نفس الهيئة المجلس التأسيسي للانعقاد يوم 25 جويلية للنظر في شكل الدولة و أوكل له، ضمنيّا، مهمّة إعلان الجمهوريّة”.

جمهورية الحكم الفردي

تميزت فترة حكم الحبيب بورقيبة، بالفردانية في الحكم واتخاذ القرارات وتسيير شؤون البلاد، حيث أقر نظام الحزب الواحد، وشرعن ذلك بتعديل دستوري في 27 ديسمبر/كانون الثاني 1974 سمح له برئاسة الدولة مدى الحياة.

وسارع إلى القضاء على معارضيه وخصومه السياسيين، بداية ب”اليوسفيين”، وهم  أتباع صالح بن يوسف، رفيق الكفاح من أجل الاستقلال، الذي اغتيل في فرانكفورت بألمانيا في أغسطس/أوت 1961.

وجمّد  نشاط الحزب الشيوعي عام 1962، وحارب فيما بعد اليساريين والتقابببن فالإسلاميين، وألغى الحريات الأساسية وفرض الرقابة على الإعلام، وتعامل مع المظاهرات بقبضة أمنية حديدية وأبرزها مظاهرات 3 يناير/كانون الثاني 1984 التي قامت بسبب ارتفاع سعر الخبز وعرفت بـ”ثورة الخبز” وراح ضحيتها المئات.

ثم ما لبث أن ارتخت قبضته على السلطة التي باتت موزعة بين حاشيته المقربة حتى انقلب عليه وزير داخليته الجنرال زين العابدين بن علي في 07 نوفمبر 1987 وأبقاه رهن الإقامة الجبرية، كما سبق وفعل هو مع سلفه الحسيني.

ورغم الوعود التي جاء بها “صانع العهد الجديد” بفسح الحريات ودمقرطة البلاد، إلا أنه عمق ازمة البلاد السياسية وأرسى حكما تسلطيا ينخره الفساد حتى النخاع، إلى أن قامن عليه ثورة شعبية انطلقت من أعماق تونس وجهاتها الداخلية لتطيح به وتفرض عليه الفرار في جوف الليل.

 

 

بورقيبة وقيام الجمهورية المتفردة

 

لذا كانت  ثورة 14 جانفي/ كانون الثاني 2011 بحق ميلادا جديدا للجمهورية ومحاولة للقطع مع الحكم الفردي وتجسيد إرادة الشعب، لا فقط في الدساتير بل على أرض الواقع.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.