مجتمع

واعظات مصر للفتاوى النسائية فقط.. أهلًا بـ”التفاهة”

نادية محمد- القاهرة- مجلة ميم

 

 

حجاب عصري، أزياء ملوّنة، النقاب ممنوع، الخطاب دنيوي، يستبعد الدين من الحياة، أو يجعله عاملًا مساعدًا.. كانت لوزير الأوقاف المصريّ طلبات بسيطة، حين استضاف الواعظات، المُعينات بوزارته، وطلب منهنّ الانتشار في المساجد والزوايا، وقال لهنّ: ممنوع دخول المنتقبات لأسباب أمنية.

 

 الوزير يخطب في الواعظات

 

أعلن الوزير، مختار جمعة، خطته: نريد تأهيل ألفي داعية سيدة التأهيل اللائق بما يتناسب مع الثقافة الدينية والاجتماعية في ضوء القضايا الملحة التي تشغل بال السيدات، لنشر رسالة الإسلام الوسطي.

 

لقاء الوزير والواعظات

 

حَصَر أدوارهنّ فيما يخصّ السيدات، فلا يجوز لهنّ إرشاد الرجال، كما يبدو. كان هناك تفسيران شعبيان لمبادرة واحدة، ووراءهما قصة طويلة. التفسير الأول، تشدُّد أئمة الأزهر (الرجال) مع حضور النساء كداعيات أو واعظات؛ إذ أن ذلك غير مستحبّ – طبقًا لوجهة نظرهم – ويعرّض مساحة كانوا يشغلونها في مجالس السيدات بالمساجد للتآكل، وعدم رضا “الحرس القديم” من الداعيات مثل ملكة زرار وسعاد صالح عن تلك الخطوة.

 

 

التفسير الثاني لاستعانة الوزير بالواعظات هو رغبته في اختراق مجالس السيدات الدينية السريّة بالزوايا والمساجد النائية والبيوت ودور تحفيظ القرآن غير الرسميّة، التي كانت تسيطر عليها السلفيات و”الأخوات”؛ نسبة إلى سيدات الإخوان المسلمين، اللائي لم يعد خطابهنّ مناسبًا لدعوة السيسي بـ”تجديد الخطاب الديني”، وهو ما بدا في دعوته: “تأصيل الفكر الوسطي للدين الإسلامي ونشره بين الناس عمليا، من خلال التفاعل مع النساء بالمساجد، ودحض الفكر المتطرف خاصة في الظروف الدقيقة الراهنة والتي تتطلب دورًا مجتمعيا فاعلا من الجميع”.

 

 

أمَّا القصة، فأطرافها الوزير والواعظات والداعيات المعارضات و”جيل المستقبل”.

 

 

الوزير

أطلق على تأهيل الألفي واعظة “خطة استعادة الساحة الدعوية”؛ فكان يعلم أن مجالس النساء الدينية تحت سيطرة الإخوان والسلفيين، فالصراع ليس دينيًا إنما صراع مساحات، فكان يريد أن يحتل، عبر واعظات وزارة الأوقاف، مساحة تشغلها داعيات أخريات يعبّرن عن اتجاه سياسي مختلف، ومن المعروف انشغال وزير الأوقاف المصري بالسياسة أكثر من الدين، الأمر الذي يجعله عرضة باستمرار لخلافات مع شيخ الأزهر، أحمد الطيب، حتى أن هناك صراعًا بين الأزهر والأوقاف على أحقية الفتوى العامة، فالمشيخة صاغت قانون الفتوى بما يسلب الأوقاف ومشايخها حق الفتوى، ويقصره على الأزهر ودعاته.

 

 

تكشف الدكتورة أسماء جمعة، مسئولة ملف الداعيات بوزارة الأوقاف، تفاصيل خطة الوزير، في تصريحات صحفية: “مهمتنا تحفيظ القرآن ونصحيح المفاهيم والفتاوى الخاطئة التي يروّجها المتطرفون وطريقتنا مع (الأخوات) بالحسنى وإذا لم تقتنع فلا تأتي للمسجد مرة ثانية أو تحاول التغيير من معتقداتها”.

من حيث لا تقصد، قالت مسؤول ملف الداعيات إن الخطة تستوجب احتكار الدين بفتاواه ومفاهيمه، فلم يكن التصريح بأن من لم تقتنع بمنهج اعظات الأوقاف – وهنّ موظفات يتقاضين أجرًا من الحكومة المصرية، وهو ما يعني أن منهجنّ لا بد أن يكون مطابقًا لتصور الدولة عن الدين – عليها أن تخرج من المسجد، أن ترحل ولا تدخله مرة أخرى. لم تقدّم قيادية “الأوقاف” تفسيرًا مناسبًا أو دينيًا لما تقوله، لكنها عرجت إلى السرّ وراء دخول منطقة السيدات المحرّمة الآن، “لن نسمح بالفكر المتداول داخل مصليات النساء، فهن المسمار الأخير في نعش الإرهاب ونعمل الآن لإعداد خطة لإحكام السيطرة على مصليات النساء”.

وأشارت تقارير صحفية بالقاهرة، إلى أن غرض وزير الأوقاف من “فقه السيدات” مواجهة نساء جماعة الإخوان بالمساجد والمصليات السرية؛ خاصة فى الأرياف وقرى الصعيد، بعدما انتهى من السيطرة على مساجد الرجال؛ إذ أن هاجس رغبة وقدرة الإخوان في تجنيد نساء لحساب الجماعة لا يزال يطارده

 

الواعظات

لماذا نتحدّث الآن عن قرار صدر عام 2017؟

لم يفعل القرار في حين صدوره، إنما بدأت عمليات التأهيل قبل التمكين، وفي رمضان الماضي، انتشرت الواعظات في مساجد القاهرة والمحافظات؛ لسد الفراغات الدينية التي خلّفتها مدرسات وواعظات كنّ يتحدثن بصحيح الدين، لكن دون تصريح من وزارة الأوقاف، وبعد “خطبة الجمعة الموحّدة” كان لا بد من واعظات “تحت السيطرة” لإلقاء دروس دينية موحَّدة، تناسب الأفكار الدينية التي يزرعها وزير الأوقاف.

 

وفاء عبد السلام

 

طبقًا للواعظة وفاء عبد السلام، خريجة معهد إعداد الدعاة، فإنّه بعد شهر رمضان، أصبح للداعيات تواجد بالمساجد الكبرى، حيث يتم تجهيز مكان مغلق، والإعلان عن الدرس قبلها بوقت كاف، إلى جانب إقامة معسكرات في الثقافة الدينية، وتنقسم خطة الوزارة في هذا الجانب إلى شقين، الأول، معسكر يحاضر فيه أساتذة متخصصون عن القضايا الملحة في فقه الصيام بالنسبة للمرأة بصفة خاصة، والثاني شق إيماني وروحاني يركز على الأخلاقيات والإنسانيات الإسلامية لنبذ التطرف والعنف والإرهاب.

 

 

بدءًا من يوليو 2018، انتشرت الخطة لتشمل مساجد ومصليات نسائية في قرى مصر بالكامل.

كان الهدف واضحًا، لا هدفًا دينيًا، إنما “لا مكان هنا لأي دين بخلاف دين الدولة”، فكيف يتم اختيار الواعظات؟

تتخرج الداعية في معهد إعداد الدعاة، تحصل على تصريح للعمل الدعوي، لكن “في 2013 سحبوا تصاريح كل الواعظات”، طبقًا لما تقوله “وفاء”، بسبب “التفات الأزهر والأوقاف إلى تغلغل أصحاب المغالاة في الدعوة”. ثم منحت الدولة تصاريح مؤقتة لعدد قليل بعد اختبارات وامتحانات لاختيار “داعيات الدولة”، وتنصيبهم داعيات لمساجد بعينها بعد دورات تدريبية إلى جانب تنسيق بين الواعظات تشرف عليه وزارة الأوقاف، بعدما كانت كل واعظة “تعمل منفردة”.

 

تخريج دفعة واعظات

 

غير مسموح للواعظات بالفتوى أو الكلام فيما يخصّ فقه الحاكم والمحكوم، وهو ما أسعد وفاء: “كنت أحبّ العمل على الأخلاف والتعاملات بين الناس، وسيرة النبي العطرة.. فلم يؤثّر عليّ قرار منع الفتوى والسياسة”.

وتقول محروسة حاتم، إنها “أصبحت داعية بإرادة الله” بعدما التحقت بمعهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف، ودرست لمدة عاميْن؛ لأنها رأت قبل سنوات أن “الساحة الدينية تُركَت لأصحاب الفكر المتشدد ممن يستغلون الدين لمصالحهم الشخصية؛ لكن الآن عاد الوعى من جديد بالاهتمام بالمعلم والداعية لأنهما هما المستقبل”.

فيما يبدو، تتغذى “واعظات الدولة” على خطب ودروس مُعدّة سلفًا، أساسها “الإقصاء”.. إقصاء الآخر الديني قبل السياسي.

ورغم عدم موافقتها تماما، إلا أنها خضعت لتعليمات وزارة الأوقاف بشأن المواضيع المسموح بها: “التركيز على الأخلاف والسلام وعدم التخريب وأمور الأسرة لإصلاح المجتمع”. كذلك، خضعت محروسة للأزياء “الإجباريّة”: “النقاب ممنوع، والملابس السوداء ممنوعة، فلا علاقة لها بالدين، واستخدام المكياج مباح إلا إذا كان صارخًا”.

 

درس ديني

 

الداعيات المعارضات

عام 2013، بعد زوال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، سحبت وزارة الأوقاف تراخيص الواعظات. استحلى جانب ذلك؛ فتم تحديد عدد منهنّ، تخرّج في أروقة الأزهر والأوقاف، للدعوة بتصاريح مؤقتة، لكن أخريات ثرنْ على القرار وكسرنه واستمرت دروسهنّ في المصليات، فلم يكن من نصيبهنّ دخول نادي الألفي واعظة، وأغلبهنّ ينتمين لجماعات دينية.

تقف شيماء.م في هذا الجانب بخمارها الفضفاض، وجلبابها الأسود، الذي تقول إنه بغرض “حسن المظهر” وليس لأي “موانع دينية”. وهي إحدى بنات التيار السلفي، المسؤولات عن درس ديني بزاوية صغيرة في الإسكندرية، تقول إنها تدرس العلوم الدينية دون مقابل بعدما حصلت على إجازة في الدعوة من أحد المعاهد الدينية غير التابعة للأوقاف. لدى “شيماء” منهج تقدّم الدين من خلاله، وهو شرح صحيح الدين دون تشويش “الدين المستورد” الذي لا يحتكم إلى شرع الله.

وتهاجم وزارة الأوقاف: “تريد إخراج المدافعات عن صحيح الدين دون أهواء من المساجد. نحن نواجه الانحلال ولا نتغاضى عن أحكام الشريعة، وننشر الدين طبقًا للشريعة وليس كما يحلو للبعض”.

لا يختلف عن الهدف عن غرض واعظات الأوقاف، لكن الخطب تحمل رسائل ومحتوى مختلف، تفسّره “شيماء” بأن الدعوة ليست مهنة إنما شيء لله.. “واعظات الأوقاف موظفات ينفذن ما تريده الحكومة بينما الواعظات المستقلات يقلن ما يرضي الله ورسوله”.

لا يتوقف الأمر عند هجمات الأوقاف على الواعظات المستقلات، إنما يصل إلى الملاحقة الأمنية، بعد تحرير محضر للواعظة المستقلة لأنها لا تملك رخصة.. ما لنا نروي، ومنى.س تتحدث عن نفسها: “أعمل دون قلق لأن مساجد الإسكندرية تحت إشراف السلفيين، لكن في مرة، تقدّم أحد موظفي الأوقاف ببلاغ ضدي لأني أقدم دروس في المساجد بدون رخصة.. وقال إني متشددة.. وهو اتهام الأوقاف المزمن لنا.. لكن بدون حجة، فلا تستطيع واعظة من واعظات الأوقاف أن تحدد كيف تشددنا في الدين؟ كيف غالينا في أحكام الشريعة؟.. اتهامات بدون دليل، ورغم كل الدعم لهنّ، جمهورنا أكثر”.

 

جيل المستقبل

اسم جيل المستقبل مرتبط بالدولة، فقد أسَّس جمال مبارك جمعية تحمل الاسم نفسه لشباب جديد سيكون نواة للحزب الوطني، إذا لم تقم ثورة الخامس والعشرين من يناير. ينطبق هذا المسمّى على ما تفعله وزارة الأوقاف، تدجِّن واعظات في سن صغيرة يعرفنَ بـ”حوريات الإفتاء” في محاولة لتمكين فتيات الأزهر، وإنشاء جيل جديد من الواعظات تحت عين وزارة الأوقاف.

 

 

في قسم فتاوى النساء حوالي 18 مفتية من خريجات الأزهر، ويسعى الشيخ إسماعيل الغاباتي إلى تدريب وتأهيل عدد آخر منهن بعد نجاح التجربة، التي كان أول شروط المنضمات لها “البعد عن التعصب وخلو تاريخها من أي نشاط سياسي أو حَرَكي”. لا شروط تخصّ المؤهلات الدينية!

ويقول الغاياتي، إن القضايا التي يعالجها القسم، الذي يعد نواة لواعظات المستقبل، هي قضايا الدماء كالحيض والنفاس والاستحاضة، والصلاة والصيام والحج والتطوع والزواج والخِطبة، ومسائل الزواج والطلاق، وتربية الأطفال.

قبل أن تنضم مي حسن إلى قسم فتاوى النساء، خضعت لدورات تدريبية مكثفة على أيدي هيئة كبار العلماء وأساتذة بالأوقاف، وترى – كبنت – أن أفضل شيء في مركز فتاوى النساء، الذي يعمل هاتفيًا، أنه لا علاقة له بالفتاوى التي لا تخصّ النساء بشكل مباشر، جسديًا ونفسيًا (العادة الشهرية وانقطاع الدم والصلاة والصوم)، ولا تستشعر السائلة الحرج، فهي تتحدث إلى سيدة مثلها.

وحددت رشا كامل، طبقًا لدراستها، الأسئلة المسموح لها بالإجابة عليها: الزي الشرعي وحكم الإجهاض وعمليات التجميل واستئجار الأرحام وبنوك البويضات والمني والتلقيح الصناعي ووساوس العبادة.. بينما تقول “رشا” إنه ممنوع الدخول في أي تفاصيل أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد