مدوناتغير مصنف

موت مؤجّل في طريق طويل

لمى خاطر-مجلة ميم

 

 

في صيف عام 2011، أي قبل سبع سنوات، استشهد الناشط السوري غياث مطر تحت التعذيب، بعد اعتقال عناصر النظام إياه ومجموعة من رفاقه، عقب مشاركتهم في مظاهرة سلمية في مدينة (داريّا) بريف دمشق، ويبدو وصف (سلمية) هنا ضرورياً للتذكير ببدايات الثورية السورية التي كانت سلمية وشعبية، بل وكانت بعض فعالياتها مغرقة في سلميتها، ومن بينها تلك التي كان ينظمها الشهيد غياث ورفاقه، إلى درجة تبنيهم فكرة توزيع الورود على عناصر النظام الذين كانوا يقمعون المظاهرات، ثم مبادرتهم لتنظيف الشوارع بعد كل مظاهرة.

 

 

ارتبط اسم الشهيد غياث مطر بتلك الفكرة كثيرا، أي توزيع الورود على عناصر النظام الذين كانوا يردون عليهم بالرصاص، أو باعتقال وتعذيب حملة تلك الورود، لكننا سنعرف لاحقاً بعد سنوات، وتحديداً قبل أيام، في منتصف تموز/يوليو 2018، أن الفكرة لرفيق غياث (إسلام الدباس) الذي اعتقل قبل سبعة أعوام بالضبط بعد أن قدم الماء والورود لقامعي المظاهرات، حيث داسوا عليه وعلى وروده واعتقلوه، وتنقل بين سجون عديدة آخرها صيدنايا، وعلمت عائلته قبل أيام فقط بأنه كان قد أعدم في كانون الثاني/يناير 2013.

 

الشهيد غياث مطر

 

عاد اسم إسلام الدباس ومعه رفاقه الشهداء إلى واجهة الإعلام مجدداً بعد شيوع خبر استشهاده، وعادت معه تلك الدهشة التي تصاحب تخيّل كيف يكون الإعدام عقوبة من يشارك في مظاهرة سلمية، ومن يحمل وروداً وأحلاماً صغيرة وبسيطة، ولعل كثيرين يهمهم أن يعرفوا إن كانت أفكار إسلام وغياث السلمية ستبقى على حالها لو ظلوا أحياء حتى شاهدوا استفحال القتل والتدمير في سوريا إلى الحد الذي نراه اليوم، ورأيناه منذ أن وأد إجرام النظام كل القناعات بجدوى النضال السلمي في مواجهته.

 

الشهيد اسامة الدباس

 

وفي كل الأحوال سيظل في سوريا موت مؤجّل، وسنظل نسمع يومياً عن رحيل أسماء جديدة ممن طوتها السجون بعد أن كان لها شرف إشعال شمعة للحرية وسط الظلام في بدايات الثورة، وقد لا يتاح لكثيرين ممن لا يزالون في السجون أن يخرجوا ليحدثوا العالم عن تلك البدايات، عن الأحلام البسيطة، وعن حجم الأمل وغزارة اليقين اللذين استوطنا نفوس تلك الثلة يوم قررت أن تهزم خوفها وأن تتمرد على سلطة الدم والمجازر، وأن تحرر حناجرها من قيود عقود من الصمت.

وفي ظل الأرقام المذهلة لمن يقضون يومياً تحت التعذيب في سجون عصابة الأسد سيكون علينا أن نتخيل حال هؤلاء الذين ظلوا منسيين في السجون، إلى أن غدا موتهم بوابة التذكير الوحيدة بهم، والتعريف بهم بأثر رجعي، والحديث عن مآثرهم، في الشجاعة والحلم والأمل والسعي للانعتاق، تماماً كما حدث مع الشهيد إسلام الدباس وقبله بأيام المصوّر الفلسطيني نيراز سعيد الذي قضى أيضاً تحت التعذيب في سجون الأسد بعد عامين على اعتقاله.

مشهد الموت هذا يلخص حال سوريا، ما بين تذكيره ببدايات ثورتها، وما بين اختزاله حالها بتلك الأرقام الخيالية لشهدائها ومعتقليها ومهجّريها، وفي طريق طويل كالذي سلكه أحرارها سيظل موت كثيرين منهم مؤجلا، لكنه ليس كأي موت، لأنه يفضي بهم إلى الخلاص الحقيقي من فضاء الشهادة، مثلما يعيدهم أحياء إلى ذاكرة الملايين، لتظل ثورتهم عصية على النسيان، وأحرارها الأوائل شهداء على عدالتها وإجرام أعدائها.

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.