اختيار المحررينثقافةغير مصنف

حادثة النيل هيلتون: من قضيّة مقتل فنّانة إلى قضيّة احتضار وطن‎

افلام

 

“إنّنا نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف تأمل أن يخرج من المستنقع أمل حقيقيٌّ لنا؟!” هذا السؤال الّذي طرحه نجيب محفوظ على لسان أحد أبطاله في رواية “السمّان والخريف”، قد لازمني طيلة مشاهدتي لأحداث فيلم “حادثة النيل هيلتون” (Le Caire confidentiel)، وهو فيلم سوداوي يحفر عميقًا بآليّاته الجماليّة في فكرة الدولة الديكتاتوريّة الفاسدة، حيث تعاني الأغلبيّة الساحقة من غياب العدالة وانهيار القوانين في ظلّ نظام تهمين على مفاصله أقلّية تملك سلطة المال المشبوه وجهاز أمني مستبدّ وعنيف وفاسد.

 

 

لكن في خضمّ هذه العوالم الّتي يغوص فيها الفيلم، ينجح كاتب السيناريو في أن يجعلنا نضع نصب أعيننا شكل النهاية منذ انطلاقة الفيلم، كأنّنا نبحث عن أمل مّا وسط هذا الخراب، أو نهاية عادلة للقضيّة الّتي يحقّق فيها البطل، ضابط الشرطة نور الدين؛ لكنّ النهاية لا تعطيك أملًا بل مفتاحًا للفهم وللتحليل، فكأنّ عنوان النهاية هو صدى لسؤال نجيب محفوظ الأوّل: “أمل بلا وعي ينتهي بخيبة كبرى”.

صدر هذا الفيلم في عام 2017، وهو من تأليف وإخراج السينمائي المصري السويدي طارق صالح، ومن بطولة الممثّل اللبناني السويدي فارس فارس، بالاشتراك مع ماري مالك وياسر علي ماهر ومحمّد يسري وسليمان دازي وهانيا عمّار.

 

 

فيلم “حادث هيلتون النيل” هو فيلم ناطق بالعربيّة من إنتاج سويدي/ألماني/هولندي، وكان من المفترض أنْ يُصوَّر في القاهرة، لكنّ الأمن المصري منع طاقم العمل من التصوير قبل ثلاثة أيّام من الشروع فيه، ولذلك اختار الطاقم العامل في الفيلم أنْ يتمّ تصويره في مدينة “الدار البيضاء” في المغرب.

 

تدور أحداث هذا الفيلم حول جريمة قتل مغنّية عربيّة شابّة قبل الثورة المصريّة في 2011 بأيّام قليلة، ومسرح الجريمة هو فندق هيلتون المطلّ على ميدان التحرير.

وأمام الغموض الّذي يلفّ الجريمة، يصبح هاجس الضابط نور الدين المكلَّف بالتحقيق فيها هو أن يميط اللثام عن هويّة القاتل، وعلى غير عادته وعادة الشرطة المصريّة كما صوّرها الفيلم في ذلك العهد، يأبى البطل أن يغلق ملفّ القضيّة بعد الضغوطات الّتي تلقّاها من السلطات، ليصل في النهاية إلى هويّة القاتل، ويكتشف أنّه رجل أعمال مصري مقرَّب جدًّا من نجل رئيس الجمهوريّة الأسبق، حسني مبارك.

 

 

وفي رحلة البحث هذه تظهر على السطح عدّة معطيات مهمّة عن الواقع المصري، مثل الفساد الّذي ينخر الدولة بكلّ أجهزتها القضائيّة والتشريعيّة والتنفيذيّة، وتظهر ملامح الدولة البوليسيّة في أكثر صورها وحشيّة وعنفًا وفسادًا، حتّى تشعر للحظة أنّ لا مجال للخلاص من هذا المستنقع، وفي هذه الأثناء تظهر بارقة أمل في الأفق: إنّها الثورة.

ولكنّ المخرج رسم صورة الثورة بطريقة عبقريّة، تتحدّد معالمها في مشهد النهاية الصادم والعميق والمؤثّر، فأحداث الثورة كانت على هامش أحداث التحقيق في القضيّة، في مشهديْن قصيريْن طيلة الفيلم، إضافة إلى ظهورها في نشرات الأنباء كنوع من المؤثّرات الصوتيّة الّتي تتخلّل عوالم الأبطال. والرسالة قد يكون تأويلها على النحو التالي: “الثورة الّتي لا يقودها الوعي، بل الغضب ستفشل، ويعود النظام نفسه أكثر قوّة”.

ونتيجة لهذا مُنِع الفيلم من العرض في مصر، ولاقى انتقادات كبيرة من قبل النظام المصري، واتُّهِم بالعمالة وتشويه صورة مصر في العالم، والعدائيّة المبالَغ فيها تجاه الأجهزة الأمنيّة المصريّة، إضافة إلى اتّهامه تزييف الأحداث فيما يخصّ الجريمة الّتي عالجها الفيلم، وهي جريمة مقتل المغنّية اللبنانيّة سوزان تميم في عام 2008 في شقّتها بأحد أبراج دبي، وتورّط فيها رجل الأعمال المصري وعضو مجلس الشورى في الوقت “هشام طلعت مصطفى”، لتكليفه محسن السكّري، وهو ضابط شرطة مصري سابق بجهاز مباحث أمن الدولة، بقتل المغنّية.

ولكنّ المخرج طارق صالح، وإن كان استوحى أحداث الفيلم من هذه القضيّة المثيرة للجدل، إلّا أنّه لم يكن مجبرًا على نقل أحداثها بكلّ حذافيرها، فهو ارتكز على بعض أحداثها لكنّه ذهب بها إلى قضيّة أوسع وأشمل.

ونتيجة لذلك غيّر المكان ليصبح القاهرة مكان دبي، وغيّر بعض الأحداث والنهاية، إضافة لتغيير أسماء الأبطال وبعض معطيات القضيّة. ويمكن القول أنّ هذه الاتّهامات بالتزييف والتشويه، ليست إلّا حججًا واهية لتبرير منع تصويره في مصر وعدم عرضه في مرحلة لاحقة.

والسبب هو أنّه تسبّب في إحراج النظام الديكتاتوري المصري وعرّى فساده، خاصّة بعد الاستقبال العالمي الّذي حظي به، والجوائز العديدة الّتي حصدها في مهرجانات سينمائيّة كبرى في العالم، مثل جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان صندانس وجائزة أحسن فيلم في مهرجان بون للفيلم البوليسي في فرنسا.

ينتمي فيلم حادثة النيل الهيلتون إلى تيّار سينمائيٍّ خاصّ، وهو تيّار الفيلم السوداوي “Film noir”، وتتميّز أفلام هذا التيّار بهويّة بصريّة مميّزة وخاصّة، حيث تكون الإضاءة حاملة لطاقة تعبيريّة ضخمة من خلال التباين الضوئي الشديد في أغلب المشاهد، حيث يبقى جزء من الصورة مظلمًا في كلّ مشهد.

 

 

أمّا على مستوى الديكور، فعادة ما يكون حضريًّا، حيث تضيق المساحة، ويكون مسرح الأحداث عادة في أماكن مغلقة أو في أماكن مفتوحة لكن ضيّقة كالأزقّة والشوارع الصغيرة، حيث لا يكون أمام الأبطال مجال للهروب عادة. أمّا على المستوى الزمني، فأغلب المشاهد تكون ليليّة.

وأمّا الأبطال فهُمْ ذو تركيبة نفسيّة معقّدة، يمرّون بمصاعب ويلفّهم الغموض، أمّا الشخصيّات الثانويّة يكون لها دورًا مهمًّا في الفيلم السوداوي، فهي شخصيّات تتميّز بزخم كبير ومستقلّة بذاتها وواضحة المعالم نسبيًّا مقارنة مع شخصيّة البطل.

واستنادًا لمقوّمات التيّار الّذي ينتمي إليه الفيلم، يمكن القول أنّه كان مُتقَنًا جدًّا من ناحية القصّة والسيناريو والتنفيذ السينمائي، فالبطل ضابط الشرطة نور الدين شخصيّة غامضة نسبيًّا

ويكمن غموضها خاصّة في دوافعها لإيجاد الحقيقة وتحقيق العدالة، خاصّة أنّها جزء من المنظومة الّتي تحاول الثورة عليها، فهي شخصيّة ضابط فاسد ومرتشي، ولكنّها تشهد تطوّرات كبيرة في الفيلم، حيث تصبح على النقيض تمامًا مسكونة بهوس العدالة.

وإن كانت هناك إشارات صغيرة لفهم هذا التحوّل، خاصّة حوار نور الدين مع والده الّذي بدا معارضًا لتصرّفاته وللأسلوب الّذي يعتمده رجال الشرطة، فإنّ الدافع في التغيير يبقى غامضًا.

الغموض في الفيلم مولّد للتشويق، يرسم متاهة ممتعة ومثيرة، فكلّما تمكّن البطل من الإجابة عن سؤال في طريقه نحو الحقيقة، تصبح هذه الإجابة لغزًا يحتاج إلى حلّ.

 

 

ولعلّ هذا السيناريو أعطى عمقًا كبيرًا للفيلم، فالأنظمة الديكتاتوريّة الفاسدة تخفي الحقائق في الظلّ، في الظلمة الّتي لا تستطيع العيون أن تبصرها، الطريق إليها صعب، وهو عبارة عن متاهة، طريق يفضي إلى آخر ثمّ إلى يعود إلى نفسه من جديد، لكأنّ البطل يدور في حلقة مفرغة، وحين يمسك طرف الخيط تبدأ متاهة المصاعب والضغوطات والتهديد.

فالفيلم نجح في نقل كابوسيّة الواقع الخفيّة إلى الصورة بطريقة تجعل المتفرّج يفتح عينيْه من جديد على واقعٍ مروّع، كأنّه يعيشه لأوّل مرّة وبأحاسيس أعمق وبعينيْن جديدتيْن.

الصورة في الفيلم موظّفة بطريقة محكمة، فالكاميرا لم تكن محايدة، وتتّجه في أغلب الأحيان حيث ينظر الممثّلون، كاميرا محمولة لا تهدأ، أعطت شحنة من الذاتيّة لوّنت انفعالات الأبطال وفضحت دواخلهم العميقة. ففي ظلّ اقتضاب الحوار، تكفّلت الصورة بالتعبير عن عوالم الأبطال وانطباعاتهم.

وقد اختار المخرج اللعب على تدرّجات الضوء الخافت في مشاهد تلفّها الظلمة، وهذا ما زاد من حدّة الشعور بضبابيّة العوالم الّتي تحجب نور الحقيقة، بالأشباح الّتي تترصّد البطل والشاهدة الوحيدة على جريمة القتل، وبالمؤامرات الّتي تحاك في مخافر الشرطة وفي مقرّات جهاز أمن الدولة وفي عالم المتنفّذين. وهذه الإضاءة ترسم وجهًا شاحبًا لمدينة القاهرة، وتشعر المتفرّج بقتامة الوضع فيها، فهي تظهر في الفيلم مدينة قاتمة إلى أقصى حدّ.

المؤثّرات الصوتيّة كان لها دور بارز في الفيلم، خاصّة تلك الأصوات المنبعثة من أجهزة التلفاز، ورغم هامشيّتها الظاهرة، فإنّها لعبت دورًا كبيرًا في التعبير عن حالة الانفصام الحادّة بين صورة الواقع الكابوسي المصري والصورة الموجودة في الإعلام المصري، أي في الوعي الشعبي المصري الغارق في غيبوبة إعلاميّة مزمنة.

وقد مثّل الفيلم اكتشافًا بالنسبة إليّ لممثّل رائع، وهو الممثّل اللبناني السويدي، فارس فارس، الّذي جسّد دورًا معقّدًا وصعبًا، ونجح في أن يتلبّس بالشخصيّة، في غموضها وحالتها النفسيّة الفصاميّة، وفي إحباطها وفضولها لمعرفة الحقيقة، وذلك من خلال القدرة التعبيريّة الهائلة لحركات الوجه والجسد.

ولكن حسب رأيي، يوجد في الفيلم عيب كان بالإمكان تجاوزه، وهو مشكلة اللهجة، فأغلب الأبطال لم يؤدّوا اللهجة المصريّة كما ينبغي، وأحيانًا تظهر لكنات أخرى مشرقيّة أو غربيّة.

ويعود هذا الأمر إلى أنّ الأبطال ليسوا كلّهم مصريّين، وأغلبهم يعيش في المهجر، في بلدان أوروبيّة، وربّما لم يستطع المخرج التعامل مع ممثّلين مصريّين بسبب التضييقات الّتي تعرّض لها الفيلم من قِبل السلطات.

ولكن من جهة أخرى، فقد نجح المخرج في أن يتجاوز عقبة عدم التصوير في القاهرة، وحوّل أماكن التصوير في مدينة الدار البيضاء المغربيّة إلى عوالم شبيهة بعوالم مدينة القاهرة؛ لكن لم ينجح كثيرًا في أن يتجاوز مشكلة اللهجة المصريّة.

إنّ فيلم “حادثة النيل هيلتون”، هو فيلم متكامل، نجح في أنْ يخلق وحدة عضويّة بين التعبير الجمالي الفنّي والأفكار السياسيّة والفلسفيّة الّتي أراد تحليلها.

هو فيلم سوداويّ بامتياز، تشاؤمي، يحمل المتفرّج إلى نقطة الضوء في آخر الحلم، ثمّ يعيده في النهاية إلى نقطة الصفر، إلى الظلمة الكثيفة في قاع كابوسٍ لا ينتهي، حيث يصرخ البطل نور الدين في الشاهدة سلوى: “امشي، دي بلد مفيهاش أمل”.

لكنّ هنالك أمل دائمًا، الأمل هو في رحلة نور الدين نفسه أثناء بحثه عن الحقيقة، فبإمكاننا دائمًا أن نتغيّر إلى الأفضل، حتّى وإن كنّا سنهزَم في النهاية، العبرة دائمًا في أن نغيّر ما بأنفسنا، أن ننفّذ قناعاتنا دون انتظار العواقب؛ وهذا فعل فردانيٌّ فلا داعي لانتظار الجماعة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.