مدوناتغير مصنف

يا وزيرة الصحة.. إدعاء الوطنية لا يخلق مجتمعًا فاضلًا!

مدونات

 

 

 

لست من هواة الكتابة في السياسة ولا العالمين ببواطن أمورها؛ استهلال لا بد منه، قبل كتابة هذا المقال تعليقًا على قرار وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، إذاعة النشيد الوطني صباح كل يوم في جميع مستشفيات الدولة يعقبه قسم الأطباء، و الذي لا أعتبره إلا قرارًا سياسيًا بالدرجة الأولى.

 

الوزيرة المنوط بها الاعتناء بصحة المصريين نصبت نفسها قاضيًا ومحللًا نفسيًا؛ واعتبرت “سوء مستوى الرعاية الطبية” في مصر ناتجا عن غياب الضمير وقلة الحس الوطني، لذا قررت إذاعة النشيد الوطني لإيقاظ ضمائر العاملين بالقطاع الصحي، وبررت قرارها بأنه محاولة لتعميق الشعور بالوطنية والانتماء.

يبدو لي أن الوزيرة التي لم تكمل شهرًا في منصبها، تدرك جيدًا صعوبة التحديات التي تواجهها في منصبها الجديد، من ضعف ميزانية الرعابة الصحية وقلة الإمكانيات المادية والتجهيزات الطبية وحتى الموارد البشرية، وتدهور حالة المستشفيات الحكومية على وجه الخصوص.

وعوضًا عن البدء في علاج كل هذه المشكلات الواحدة تلو الآخر ووضع إستراتيجيات تطوير لها، اختارت أسلوبًا أيسر وأسرع لوضع اسمها على مائدة حوار الرأي العام المصري، بوصفها صاحبة أكثر القرارات “الكوميدية” و”غير المنطقية” لـ “التفكير خارج الصندوق” وهي لا تعي أصلًا أن أغلب المستشفيات الحكومية لا يوجد بها إذاعة داخلية.

استطاعت زايد أن تضرب أكثر من عصفور بقرارها؛ التودد لولاة الأمر، وصرف الأنظار، ولو قليلًا عما تعانيه المستشفيات من مشكلات جسام، وإثارة جدل ربما لن ينتهي هذه الفترة على الأقل بين المعارضين وهم كثر، والمدافعين عنها من المحيطين بها والمنتفعين من تغييب العقول بطبيعة أزمات المجتمع.

 

عوضًا عن البدء في علاج كل هذه المشكلات الواحدة تلو الآخر ووضع إستراتيجيات تطوير لها، اختارت أسلوبًا أيسر وأسرع لوضع اسمها على مائدة حوار الرأي العام المصري، بوصفها صاحبة أكثر القرارات “الكوميدية”

 

رفض الأطباء واستنكارهم للقرار لم يثن الوزيرة عن قرارها ولا حتى موجة السخرية والاستهزاء من الجميع، حتى أشد المتزلفين للنظام لم يعجبه القرار ووصفه بـ “المبالغة الكبيرة“، ولم تجد في الحكومة رجلا رشيدا ينبه إلى خطورة التصريحات الاستفزازية المتتالية التي ترمي المسؤولية عن جهات الدولة وتجد كل مرة كبش فداء؛ مرات يتمثل في المواطن المتهم دائمًا بفرط الاستهلاك وسوء الاستخدام لموارد الدولة، ومرات أخرى الموظفين الأقل درجة وهذه المرة اتهم الأطباء بالتقصير وغياب الضمير والانتماء الوطني.

ما فعلته وزيرة الصحة المصرية أشبه بفنان أرهقنا ليل نهار بأغانيه الوطنية وهو متهرب من الخدمة العسكرية، وهو لا يختلف كذلك عن هؤلاء الفنانيين الذين يملأون الدنيا حديثا عن حب الوطن وعندما تسنح لهم فرصة الإنجاب يهرعون لأي دولة أوروبية ليحمل أنجالهم جنسيتها ويتنكروا لتلك الجنسية المصرية.

ونتفق على كفاءة الطبيب المصري أو نختلف، لكن المؤكد أنه يعمل في ظل ظروف شديدة الصعوبة، من سوء حالة المستشفيات وقلة الإمكانات والمعدات الطبية، وتحت ضغوط تدخلات المرضى وتعرض الأطباء دائمًا للتهديد وربما الضرب والاعتداء، ولو كنت طبيبًا لشعرت بالاستفزاز لإجباري على الوقوف وترك عملي لترديد النشيد الوطني وقسم الأطباء كما الصبية في المدارس.

محاولات الكسب السياسي على حساب الوطنية ليست جديدة على المجتمع المصري، إذ بات معتادًا أن كل مرشح لمنصب برلماني أو وظيفي يتغنى بحب الوطن وترشحه لتحقيق صالحه وصالح مواطنيه، وكل شخص يحقق إنجازًا يدعي أنه بذله  للوطن وللرغبة في رفعته.

 

ما فعلته وزيرة الصحة المصرية أشبه بفنان أرهقنا ليل نهار بأغانيه الوطنية وهو متهرب من الخدمة العسكرية، وهو لا يختلف كذلك عن هؤلاء الفنانيين الذين يملأون الدنيا حديثا عن حب الوطن وعندما تسنح لهم فرصة الإنجاب يهرعون لأي دولة أوروبية ليحمل أنجالهم جنسيتها ويتنكروا لتلك الجنسية المصري

 

لكن الآونة الأخيرة بات الأمر أكثر إزعاجًا، كتلك المحاولات من النظام لربط مفهوم الوطنية بالتبرع لصالح صندوق “تحيا مصر”، فمن يتبرع بالملايين له من رجال الأعمال و الرياضيون والفنانون، يتم تصويره عبر القنوات والصحف التابعة للحكومة على أنه “شخص وطني”.

 بالطبع، لا مانع لدي بأن يكون للحكومة المصرية صندوق تبرعات تنفق منه على مشروعاتها الخدمية، التي يفترض أن تنفق عليها بالأساس من الضرائب واستقطاعات الرواتب وفواتير الخدمات، لكن ربط الوطنية بهذا الفعل بالذات أمر مزعج ويرسخ قيم المادية والمنفعة المتبادلة عوضًا عن مبدأ “العطاء” في حد ذاته.

أدرك أن عزف السلام الوطني سيتحول لإجراء روتيني داخل المستشفيات، لكنه لن تعود له تلك القيمة التي تربينا عليها بعد أن سخر منه القاصي والداني، بعد أن تناقلت الفيديوهات لأطباء ومرضى يرقصون بكل سخرية أثناء عزفه أو يتبادلون الضحكات والنكات، ولو كنت من ولاة الأمر في مصر الآن لأقلت  وزيرة الصحة عما فعلته بأحد أهم معالم الهوية المصرية وحولتها لمحاكمة عاجلة ليس فقط لما سببته من إهانة النشيد الوطني والتمسخر عليه، بل أيضًا لجهلها بطبيعة احتياجات القطاع الصحي وكيفية حل مشكلاته، فلا أعول أبدًا على وزيرة تحمل هذه العقلية بتقدم الرعاية الصحية بأي حال.

ما يجب أن تعلمه وزيرة الصحة المصرية والجميع؛ أن الإدعاء والتركيز على المظاهر لا يخلق مجتمعًا فاضلًا بل يزيد الطين بلة، ما يخلق المجتمع الفاضل هو العدل، العمل الجاد، الاعتماد على الكفاءات، محاربة الفساد، وأخيرًا وليس آخرًا التخلص من الخرافات والمخرفين!

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.