اختيار المحررينثقافةغير مصنف

“غزية” للمغربي نبيل عيوش: ملامسة التابوهات وإعلان نذر الانفجار الاجتماعي

خديجة بن صالح- مجلة ميم

 

ما هي ملامح المعيش اليومي للمغاربة اليوم؟ وكيف يتأقلم المواطن المغربي مع التناقضات الاجتماعية والثقافية الحادة؟ والى أي مدى يمكن ملامسة القضايا الحارقة في الواقع المغربي دون الوقوع في المحظور؟

 

تراودنا هذه الأسئلة ونحن نتابع فيلم غزية للمخرج المغربي المثير للجدل والذي يشارك في فعاليات تظاهرة منارات او مهرجان  السينما المتوسطية في دورته الأولى.

منذ العنوان نقع في اللبس باعتبار أن هناك من عرّب العنوان الوارد بالفرنسية إلى “رزايا” في ترجمة حرفية في حين ان العنوان هو غزية وهو ما يعني الغزوة في اللهجة الدارجة المغربية.

 

 

في هذا الفيلم يواصل المخرج نبييل عيوش مسلحا بأدواته المتمثلة في الجرأة والمضي بعيدا في كسر التابوهات إلى تعرية التناقضات الحادة التي أفرزتها تحولات اجتماعية وثقافية كبرى في المغرب، ويرصد بكاميرا لا تغفل صغيرة ولا كبيرة من تفاصيل حياة الإنسان المغربي  وأشكال تمثله لما يحدث حوله وكيفية تعاطيه معه.

يسافر المخرج الجريء نبيل عيوش بنا عبر الزمن والمكان في مصير شخصيات متناقضة تتقاطع دروبها وفق مشيئته.

 

 

تنطلق حركة الكاميرا في مفتتح فيلم غزية بوقائع تدور في مطلع الثمانينات في جبال الأطلس، حيث نتابع درسا في اللغة الامازيغية يقدمه الأستاذ عبد الله لتلاميذه القرويين الذين لا يفقهون الكثير خارج دائرة هويتهم الضيقة وهو يجتهد في تفتيح أعينهم على النور.

يقدم لنا المخرج شخصية المراقب القادم من العاصمة الذي يجهل حياة أطفال الأطلس ويفرض على الأستاذ الالتزام بمقررات الوزارة، ومن ضمنها التقيد بالتدريس باللغة العربية التي لا يتقنها سكان هذه المناطق أصلا.

وهنا تجول بنا كاميرا نبيل عيوش في مجاهل الأطلس ويسلط الضوء على معاناة سكان تلك الربوع المنسيين والواقعين خارج دائرة السلطة المركزية.  ويمكن القول إن المشاهد الأولى من أفضل لحظات الفيلم وأقواها مضمونا وتصويرا.

 

 

لكن نبيل عيوش سرعان ما يعود بنا إلى الحاضر والى معشوقته الدار البيضاء أو كازابلانكا ليجول في حواريها معريا كل مظاهر الحيف الاجتماعي  وثقل التقاليد والأعراف التي تكبل الفرد.

 

 

من خلال أربعة قصص  تدور في الحاضر يقارب نبيل عيوش الأزمة الاجتماعية  من وجهة نظره التي يمكن مناقشتها، فهو يقدم نموذج المرأة المتحررة كما يراها، وذلك من خلال شخصية نسائية تدعى سالمة اختارت ان تمارس التحرر الشكلي من خلال ارتياد الحفلات والسهر والتدخين وارتداء الملابس القصيرة والحمل خارج إطار الزواج، وهي بذلك تثور على واقعها الذي تحكمه التقاليد والأعراف المتعارضة مع ممارسة هذه الشخصية التي تختفي كما اختفى الأستاذ عبد الله قبلها ونتركها تسعى للتخلص من حمل غير مرغوب فيه بالطرق التقليدية ليقدم لنا المخرج قصة أخرى ونموذجا أخر من أهل الدار البيضاء.

“جو” هو الشخصية اليهودية التي يقدمها عيوش وهو الذي يدير مطعما ويتميز بالإقبال على الحياة والرغبة في النهل منها محاولا الاستمتاع وإثارة البهجة قدر الإمكان في ما حوله.

 

 

لكن هويته الدينية تظل حاجزا معنويا بينه وبين البعض من أفراد محيطه كما يحدث مع شابة حول قضاء وقت معه تفر منه بمجرد أن تعرف ديانته.

هنا يمكن القول إن عيوش حاول تسليط الضوء على قضية الأقليات العرقية والدينية من خلال شخصية الأطفال الامازيغ وشخصية اليهودي المغربي.

أما الحرية الفردية كتيمة مفضلة لدى هذا المخرج فهي تظهر بشكل واضح في شخصيته النسائية الثانية وهي شابة متحررة أيضا تنتمي إلى طبقة الأثرياء الجدد تعيش حالة اضطراب جنسي يولد لديها تمزقا كبيرا بين ما تقتضيه القيم الدينية وأخلاقية وبين ميولاتها الجنسية التي تجعلها ترغب في إقامة علاقة مع خادمة الجيران التي تختار طريق الحياة الأسرية الطبيعية مع خطيبها.

 

 

من الشخصيات الرئيسية أيضا في الفيلم شخصية الشاب الباحث عن تحقيق حلمه في ان يصبح مغنيا شهيرا وهذا ما يقوده إلى الاصطدام بعدم رضا والده.

الحقيقة ان نبيل عيوش الذي لازال فيلمه “الزين اللي فيك” مسيطرا على الأذهان، وهو الذي أثار ضجة كبرى ومنع من العرض في بعض البلدان  لازال وفيا لتيماته المفضلة.

 

 

فإذا كان قد تعرض لحياة العاهرات في فيلمه المذكور أنفا مسلطا الضوء على قضايا الجسد وتحرره وفكرة الحريات الفردية كما يتمثلها هو نفسه فإنه في ” غزية ” لم ينأ كثيرا عن هذه الأفكار والمقاربات فظل مخلصا لتمثله لحرية المرأة المنحصرة في الطابع الشكلاني على سبيل المثال.

رغم تطرقه لقضايا الكبت والظلم الاجتماعي والعنصرية إلا انه لم يذهب عميقا وبعيدا في مقاربة هذه القضايا الحارقة التي يفرضها الواقع المغربي الفائر والملتهب اليوم ومر مرورا سطحيا عليها.

لكنه ومن خلال  النهاية التي اختارها  أعلن عن الانفجار الكبير والذي ينذر به الواقع المغربي اليوم، الذي تمثل في اصطدام الشباب مع قوات الأمن وهجومهم على أماكن اللهو والتسلية التي يرتادها أبناء الطبقة الثرية، وهو ما يعنى أن حالة الغليان والاحتقان في المغرب قد بلغت أقصاها وان هنا نذر انفجار في الأفق.

تجدر الإشارة إلى أن المخرج نبيل عيوش كتب سيناريو هذا الفيلم بالاشتراك مع زوجته الفنانة مريم  توزاني التي تقوم بدور المرأة  المتحررة  في هذا الشريط أيضا. ويشارك في بطولة غزية كل من أمين الناجي وعبد الإله رشيد ثم آريه وورذارلتر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.