اختيار المحررينثقافة

كرة القدم في الأدب والسينما

 

في هذا العصر أصبحت مسابقة كأس العالم لكرة القدم محلّ متابعة ومشاهدة في العالم أكثر من كلّ الأحداث العالميّة الأخرى بغضّ النظر عن أهمّيتها وخطورتها. ويمكن تصنيف رياضة كرة القدم بأنّها النشاط الإنساني الأكثر جماهيريّة في العالم، حيث تصل نسبة مشاهدة مقابلة مهمّة، كنهائي كأس العالم أو كلاسيكو ريال مدريد وبرشلونة، إلى أكثر من ملياريْ مشاهد حول ا
لعالم.

ولئن بدأت كرة القدم كلعبة شعبيّة في الأحياء الفقيرة، فإنّها نجحت مع بداية القرن العشرين في أن تخرج من دائرة إلى دائرة الضوء، إلى عالم السياسة والمال، وأصبحت رمزًا ثقافيًّا وحضاريًّا.

 

وهذا ما حوّل هذه اللعبة إلى موضوع هامّ للدرس والكتابة، وتوطّدت روابط كبيرة بينها وبين فنّانين وكتّاب عالميّين كبار وأصبحت محلّ جدل ونقاش، فمارسها وكتب عنها كثيرون، فيما رفضها آخرون.

وقد تزامن صعود الدكتاتوريّات في النصف الأوّل من القرن العشرين مع ظهور موجة المعارضة لكرة القدم، باعتبارها وسيلة تستغلّها السلطة لإلهاء الرعايا عن المطالبة بحقوقهم وعن التفكير في السياسة، وقد استغلّ سالازار في البرتغال هذه الرياضة أيّما استغلال لترسيخ شرعيّته ونفوذه والأمر نفسه قام به الجنرال فرانكو في إسبانيا.

وقد ورد في كتاب “كرة القدم في الشمس والظلّ” للروائي إدواردو غاليانو تصريح لرئيس نادي أتليتكو مدريد في فترة حكم فرانكو: “إنّ كرة القدم حبوب تخدير اجتماعيّة تحول دون أنْ يفكّر الناس بأشياء أخرى خطيرة”.

 

 

ولقد اعتبر أغلب المفكّرين، خاصّة الماركسيّين منهم، أنّ كرة القدم هي أفيون الشعوب، وأنّها مؤامرة امبرياليّة للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

ولكنّ المنظّر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي اتّخذ موقفًا مضادًّا، داعمًا لهذه الرياضة المثيرة للجدل دائمًا، حيث قال: “إنّ كرة القدم هي مملكة الوفاء البشري تمارس في الهواء الطلق”.

ومن أشهر الكتّاب الّذين ناهضوا هذه اللعبة، القصّاص والشاعر الأرجنتيني العظيم خورخي لويس بورخيس، الّذي اعتبر أنّه من الغباء مشاهدة 22 رجلًا يتقاتلون على كرة لمدّة 90 دقيقة.

ولعلّ أحد أشهر تصريحاته هو: “أنّ كرة القدم من أفدح جرائم إنجلترا”، باعتبار أن هذه الدولة كانت مهد اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم.

ولكنّ كرة القدم نجحت في أن تدخل رغم موجة الرفض هذه، إلى مملكة المبدعين والمفكّرين، حيث تعلّق بها فنّانون كثر آخرون، بل ومارسها العديد منهم.

فقد تأصّلت كرة القدم تدريجيًّا في ثقافات الشعوب، وأصبحت وسيلة لتصدير الهويّة الحضاريّة والثقافيّة في المحافل الرياضيّة الكبرى، وشكلًا من أشكال المقاومة لدى الشعوب الفقيرة ضدّ الهيمنة الحضاريّة للدول العظمى.

وقد عبّر الروائي البرازيلي عن مساهمة هذه اللعبة في مجد بلاده البرازيل حيث يقول: “تحدّد كرة القدم ثقافة الشعوب، فعظمة هذه البلاد تسكن بين أقدام الموهوبين”.

وهذا ما يدعّمه الشاعر الإنغليزي إليوت الّذي أكّد أنّ “كرة القدم هي عنصر أساسي في الثقافة المعاصرة”.

وهو ما أيّده الفيلسوف والروائي الفرنسي ألبير كامو، بقوله: “لقد باتت كرة القدم ثقافة حقيقيّة للعالم، ولا تقلّ أهميّتها وضرورتها عن الرواية والشعر والسينما، فهي اللعبة الّتي تحمل ثقافة الشعوب وتبيّن درجة تحضّرها”.

ولقد مارس ألبير كامو لعبة كرة القدم في شبابه، حيث كان حارس مرمى بفريق جامعة الجزائر في عام 1930، وكان لهذه التجربة تأثير كبير في حياته، الّتي يقول عنها: “كلّ ما تعلّمته عن الأخلاق والواجب، أنا مدين به لكرة القدم”.

وقد نجد صدى لعلاقة اللعبة بالحياة، في رأي الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر الّذي اعتبر أنّ هذه اللعبة تختصر الحياة بأكملها، بكلِّ ما فيها من تعقيداتٍ وقوانين”.

وإضافة إلى ألبير كامو، خاض كتّاب كثيرون تجربة اللعب ضمن نادي كرة قدم، منهم الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الّذي لعب لمدّة في فريق أتلتيكو جونيور الكولومبي في مراهقته، وحالت إصابة دون أن يكمل مشواره الكرويّ، ليجد طريق الرواية والأدب؛ وقد ظلّ طيلة حياته مشجّعًا وفيًّا لهذا الفريق ومتابعًا لمباريات كرة القدم.

 

 

كما لعب الروائي الروسي القدير فلاديميير نابوكوف حارسَ مرمى، والأمر نفسه بالنسبة إلى الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو” الّذي أمضى طفولته في فريق كرة القدم بمدينة “سيما”، قبل أن يهجر اللعبة في سنّ الخامسة عشر، ويتفرّغ لكتابة الشعر والاكتفاء بتشجيع فريق بلدته الصغيرة.

 

 

كما كانت للأديب المصري العالمي نجيب محفوظ علاقة وطيدة بكرة القدم، حيث لعب فترة طويلة في الفرق التابعة للمؤسّسات التعليميّة الّتي درس فيها، فكان مهاجمًا هدّافًا في المدرسة الابتدائيّة. وفي المدرسة الثانويّة لعب قلب دفاعٍ، ولشدّة تميّزه في اللعب تنبّأ له الكثيرون بأنّه سيصبح نجمًا في هذه اللعبة قادرًا على اللعب في أحد الأندية الكبيرة والمنتخب الوطني، إلّا أنّ نجيب محفوظ لم يواصل مع فريق الجامعة، وانكبّ على دراسة الفلسفة والكتابة. لكنّه بقي متابعًا وفيًّا لمباريات كرة القدم وكثيرًا ما كان يتباهى بتجربته الكرويّة.

هذه نبذة من علاقة الأدباء والفنّانين والمفكّرين بكرة القدم، ولكنّ كرة القدم تجاوزت ذلك كي تصبح هي نفسها موضوعًا للكتابة، ملهمة لأعمال فنّية وأدبيّة هامّة. ولعلّ وكان الشاعر والقاصّ والمخرج السينمائي الإيطالي بيير باولو بازوليني، هو من أكثر الفنّانين المهووسين بكرة القدم، فقد كان يتابع مقابلات الكرة في البطولة الإيطاليّة وفي فترة فراغه من التصوير أو الكتابة، كان يخرج لممارسة هذه اللعبة في الشوارع مع الشباب والأطفال.

ولم يقتصر هوسه بكرة القدم على هذا الحدّ، بل كان يصفها بأنّها نصّ فنّي له لغته الجماليّة الخاصّة، واعتبر أنّ ملاعب كرة القدم هي مسارح هذا العصر، وأنّ كلّ مباراة هي مسرحيّة لها رموزها وأبعادها وتأويلاتها وجمهورها ونهايتها المفاجئة.

وكان يتحدّث دائمًا عن شعريّة هذه اللعبة، وبعدها الجماليّ الكبير، فهي نخلق عالمًا يتأرجح بين الخيال والواقع، عالم لا يبنى من الكلمات بل من التسديدات والمراوغات والأهداف، من تفاعل الحكم والجماهير، من خطط المدرّبين الّتي تحدّد بناء النصّ الكروي، وخيال اللاعبين الّذي يحدّد مجراه وسيرورته.

وهذا ما أكّده شعراء وأدباء كثر من خلال نصوصهم الأدبيّة المستلهَمة من النصوص الكرويّة الساحرة. وقد عبّر الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن هذه الخطوة الهامّة في تاريخ اللعبة بقوله: “لماذا لا تكون كرة القدم موضوعًا للفنّ والأدب؟ (…) أهناك عذاب أشدّ، ووحشة أقسى من عذاب حارس المرمى، ووحشته الكونيّة، أمام ضربة جزاء؟”.

وقد أجاب عن هذا السؤال كتّاب كثيرون من خلال استلهام أعمال فنّية رائعة من جنون هذه اللعبة، وأوّل من كتب في هذا الموضوع، هو الأديب الأوروغوياني ماريو بيندينتي في قصّة “مهاجم الجبهة اليسرى” ضمن مجموعته القصصيّة “أهالي مونتفيديو” الصادرة في عام 1959.

وتقدم قصة «مهاجم الجبهة اليسرى» على سبيل المثال قصة هداف يلعب في فريق بأحد الدوريات الصغرى ويعمل أيضًا بأحد المصانع التي يتحصل منها على أجر قليل. هو على وشك خوض مباراة مهمة قد تصعد بفريقه لدرجة أعلى لكن مسؤولي الفريق الخصم عرضوا عليه رشوة لإهدار كل فرص التسجيل التي تتاح له، وأيضًا تقديم فرصة عمل أفضل له، وتمضي القصّة في رصد تفاعل البطل مع هذا العرض وتردّده بين القبول والرفض.

 

 

كما نجد رواية مهمّة للأديب الجزائري رشيد بوجدرة، وهي رواية “الفائز بالكأس” (Le vainqueur de coupe) الّتي نُشرت بالفرنسيّة في عام 1981 عن دار دونويل بباريس، وتجري أحداث الرواية في ملعب كرة قدم، وتصف مباراة نهائي كأس فرنسا في 29 ماي 1957، الّتي دارت بين نادي تولوز ونادي أنجي وذلك خلال ثورة التحرير الجزائريّة. وفي الأثناء، يحضر أحد المناضلين المنتمين لجبهة التحرير الوطني، هذه المقابلة لا للفرجة ولكن لتصفية عميل من عملاء الاستعمار الفرنسي أثناء المباراة.

لكن يبقى كتاب “كرة القدم في الشمس والظلّ”، للأديب الأوروغواياني إيدواردو غاليانو أحد أهمّ الكتب الّتي استفاضت في سبر أغوار عالم هذه اللعبة من كلّ زواياه وجوانبه، فهذا الكتاب هو أشبه ببحث معمّق عن تاريخ اللعبة ومنشئها وكيفيّة انتشارها وتطوّرها. ويتحدّث عن حوادث وسير اللاعبين العظماء في العالم، وعن المباريات التاريخيّة الّتي بقيت في ذاكرة كلّ عشّاق اللعبة، وعن علاقة كرة القدم بالسياسة والفكر والأدب. وقد اعتمد فيه أسلوبه الشيّق والممتع في الكتابة، الأسلوب الشذري الحكمي والشاعري الّذي تميّز به في كتبه الأخرى مثل كتاب “المعانقات”.

 

 

في السينما، برزت أفلام روائيّة ووثائقيّة كثيرة عن كرة القدم، أشهرها الفيلميْن عن اللاعبيْن العظيميْن “بيليه” و”مارادونا”. ولكن من أهمّ الأفلام الّتي تناولت هذه اللعبة بأسلوب فنّي قويّ، هو الفيلم المصري “الحرّيف”، من بطولة عادل إمام وفردوس عبد الحميد، ومن إخراج محمّد خان، أحد أساطين تيّار الواقعيّة في السينما المصريّة والعربيّة.

 

 

ويجسّد الفيلم قصّة البطل فارس (عادل إمام) ذو الموهبة الخارقة في مداعبة الكرة، وبين حبّه لهذه اللعبة والصعوبات الماديّة والاجتماعيّة الّتي يمرّ بها، يعيش البطل صراعًا حادًّا طيلة الفيلم، بين إرهاصات الواقع وطموحاته الشخصيّة.

 

 

كما برز فيلم “مصنع كرة القدم” (The Football Factory) للمخرج البريطاني نيك لوف، الصادر في عام 2004، والمقتبس عن رواية تحمل نفس العنوان، للروائي البريطاني جون كينغ. ويتحدّث الفيلم عن فئة الأوليغانز الّتي برزت في المجتمع الإنغليزي المعاصر الّذين اشتهروا بتدمير الملاعب والاعتداء على الجمهور وجرى طردهم من بلدان عديدة بسبب تصرّفاتهم الوحشيّة، وذلك من خلال تتبّع مسيرة البطل طوم أحد أفراد هذه الجماعات، وتبيان وجه آخر من أوجه هذه اللعبة، الوجه المتعصّب والعنيف لبعض محبّيها، والدوافع الخفيّة لتلك السلوكيّات الّتي اشتهروا بها.

ولم تكتفِ كرة القدم بكلّ هذا الاهتمام من قبل الأدباء والفنّانين، بل دخلت أيضًا عالم الشعر، حيث كتب شعراء عديدون في العالم عن تلك المشاعر الّتي تحتدم أثناء مشاهدة مباريات كرة القدم، وعن ذلك السحر الّذي يميّز عوالمها، فهي كما يقول الروائي الأمريكي الشهير بول أوستر: “كأس العالم لكرة القدم هي بديل عن حرب كونيّة، لكن دون دماء”.

ولعلّ أبرز ما قاله الشعراء في كرة القدم، هو ما كتبه الشاعر الفلسطيني محمود درويش في اللاعب دييغو أرماندو مارادونا، خلال كأس العالم 1986 الّتي كتب فيها هذا اللاعب ملحمة كرويّة وشعريّة كبرى، خلّدها التاريخ وأصبحت جزءً لا يتجزّأ من ذاكرة شعوب العالم الثالث على وجه الخصوص، حين هزم أنقلترا شرّ هزيمة. ومن ضمن ما جاء في هذا النصّ المطوّل يقول درويش:

له وجه طفل، وجه ملاك

له جسد الكرة

له قلب أسد

له قدمَا غزال عملاق،

وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فيتصبّب اسمه عرقًا.

(….)

إن هو لم يسدّد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصبًا لعارها في الفوكلاند. سيتوقّف الشعور القومي عن الرقص، وستربح انقلترا المغرورة الحرب مرّتين.

ولكنّ مارادونا يتقدّم بالكرة من حيث تراجعت السلطة، مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين، وينبّه الإمبراطوريّة البريطانيّة إلى أنّها تحيا في أفراح الماضي، الماضي البعيد.

هذه القدم، قدم مارادونا، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل، هما أشهر قدميْن في تاريخ الأسطورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.